الدرس في كتاب الحج 47، الدرس السابع والأربعون : من : ( الحديث الرابع والثلاثون بعد المائتين ... وهم يقتلون أبرياء بني آدم في عقر دارهم لعلهم يفقهون ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتم نحر الإبل قائمة ومعقولة اليد اليسرى في لبتها، بينما تذبح الغنم من الحلق وهي مضجعة على جانبها الأيسر ومستقبلة القبلة. هذه الطريقة تراعي راحة الحيوانات وتضمن سرعة إزهاق روحها وتطيب لحمها.
نحر الإبل يكون قياما وليس جلوسا، ويتم تقييدها لضمان سرعة استفراغ الدم وتجنب هروبها. هذه الأحكام وردت في السنة النبوية وتفسرها الآيات القرآنية، وتركز على إحسان الذبح والرفق بالحيوان.
ذبح الإبل وهي باركة يعتبر مكروهاً لما فيه من تعذيب لها، ويعتبر مخالفا للسنة وقد يؤدي إلى مفاسد كثيرة. الرحمة في إزهاق الأرواح أمر مهم يجب مراعاته.
المفهوم الشائع للسلام الشامل قد يكون مخادعاً، حيث يمكن أن يكون في الواقع دماراً شاملاً إذا كان مبنياً على قتل الشعوب وتدمير المجتمعات وإبادة الأمم. هذا المفهوم يحتاج إلى إعادة تقييم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إسناد الحديث السابق الذي ما كتب، قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا أبو خيثمة عن عبد الكريم عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى. الحديث، غير أنه لم يقل شيئا، قال: «وأن لا أعطي الجزارة منها»، وقال: «نحن نعطيه من عندنا»، هذا لفظ مسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحديث الرابع والثلاثون بعد المئتين، عن زياد بن جبير، قال: رأيت ابن عمر قد أتى على رجل قد أناخ بُدْنَةً ينحرها، فقال: «ابعثها قياما مقيدة، سنة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في باب الهدي؛ لما فيه من حكم من أحكام الهدي، وهو كيفية نحر البُدْن. وأغرب الألفاظ إليه، ولفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث 1713، والحديث الذي قبله حديث مسلم في باب الصدقة بلحوم الهدي وجلودها، حديث 2320. وأما هذا الحديث، حديث ابن عمر، ففي البخاري 1713. قال البخاري رحمه الله تعالى: حدثنا عبد الله بن مسلمة، قال: حدثنا يزيد بن زريع عن يونس عن زياد بن جبير، قال: رأيت ابن عمر -يعني- فذكر الحديث. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: السنة في البقر والغنم وغيرها -ما عدى الإبل- ذبحها من الحلق، مضجعة على جانبها الأيسر، ومستقبلة القبلة. وأما الإبل، فالسنة نحرها في لبتها. واللبة هو طرف العنق، تعرفون الإبل لها عنق طويل، فالرأس في أعلى العنق، واللبة في أسفل العنق، فهي تنحر في لبتها، في أسفل العنق، في هذا الموضع، في منتهى الصدر، وملتقى الصدر مع العنق. قال: ما عدى الإبل ذبحها من الحلق، مضجعة على جانب الأيسر، مستقبلة القبلة. وأما الإبل، فالسنة نحرها في لبتها قائمة معقولة يدها اليسرى؛ لأن في هذا راحة لها، بسرعة إزهاق روحها، وبهذا علم ودليل من دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وصدق رسالته. فإن هذه الكيفية هي الكيفية الكاملة التي بها يكون أولا: حسن ذبح البُدْن، وثانيا: يكون بها تطيب اللحم. فإن اللحم لا يطيب إلا بخروج الدم، ودم الإبل ليس كدمي سائر بهيمة الأنعام. ولذلك فإنها تنحر قياما. انظر: تنحر أولا قياما قائمة؛ لأنها ستتحرك إذا كانت قائمة، فيكون ذلك دافعا لاستفراغ الدم بسرعة، وهي تحتاج لذلك لعظم جسدها، جسدها عظيم، ليست كسائر بهيمة الأنعام. وثانيا: معقولة يدها اليسرى؛ لأجل أن يضغط على القلب، فيندفع الدم بقوة إلى الموضع الذي يخرج منه. وهكذا كذلك أنها تنحر في لبتها، في الموضع الذي هو أقرب إلى ماذا؟ إلى خروج الدم، وإلى كذلك موضع الإراحة لها، بخلاف أعلى الرأس، لو كان أعلى الرأس، سيتأخر وصول الدم إليه، وسيكون في ذلك تعذيب لها أكثر، وإطالة في وفاتها. لكن لما كان على هذا الوضع الوسط، كان بذلك تمام الإحسان إليها. وقد أشار ابن القيم رحمه الله إلى شيء من ذلك، بما تتعجب من حكمة الله سبحانه وتعالى في دقائق أحكامه سبحانه، قال رحمه الله تعالى: «وَلِذَا لَمَّا مَرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ على رجل يريد نحر بُدْنَة مناخة -يريد أن ينحر بُدْنَة وقد أناخها- يعني: جلسها على الأرض، قال: ابعثها قياما -يعني: لا تجعلها على الأرض، قومها مقيدة- وفائدة التقييد كما قلنا أولا: لهذه الفائدة التي سبقت، وهو الإعانة على سرعة استفراغ الدم. وثانيا: ألا تفر وتبتعد هذه البُدْنَة؛ لأنها إذا كانت ليست مقيدة أحد الأرجل، فإنها ستبتعد كثيرا، لكنها إذا قيدت فإنها لن تبتعد كثيرا، تضعف فتسقط في المكان الذي نحرت فيه. وإذا ربط خطامها بشجرة أو بموضع، فكذلك لا بأس بذلك. قال رحمه الله: ابعثها قياما مقيدة، فهي سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي نهج أدب القرآن في نحرها، بقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ أي: سقطت، وهذا يدل أنها تذبح قائمة، ولا تذبح قاعدة؛ لأن الوجبة هي السقطة، كما في الحديث: «فسمعنا وجبة» -يعني: صوت شيء سقط- قال: والسقوط لا يكون إلا من قيام. قال: ما يؤخذ من الحديث: أولا: سنة النبي صلى الله عليه وسلم نحر الإبل قائمة مقيدة؛ لأنه من إحسان الذبيحة، والرفق بالحيوان، وتشير إلى ذلك الآية الكريمة التي سبق ذكرها. وقد أخرج البخاري عن ابن عباس: «صواف» -أي: قياما- يعني: تقسر، «صواف» بمعنى قياما، قال سفيان بن عيينة: «الصواف» بالتشديد: جمع صوافة، أي: مصطفة في قيامها. قال: ثانيا: كراهة ذبحها باركة؛ لأن فيه تطويلا في إزهاق روحها. وانظر أنت لو كانت هذه الناقة على كبر جسدها تبقى فترة طويلة وهي تنازع في حياتها، لا هي ماتت ولا هي بقيت على حياتها، كم سيطول؟ سيكون وقتا طويلا. قال رحمه الله: عادة الناس الآن نحرها باركة معقولة، فإذا كانوا غير قادرين على نحرها قائمة، ويخشى من عدم التمكن من إحسان ذبحها وتطعينها بما يعذبها ولا يريحها، فالأحسن أن تكون باركة حسب القدرة والمستطاع، وهذا عند الضرورة والعجز. وأما عند غير الضرورة والعجز، فيجب عليهم؛ لأجل أن لا يعذبوها، فإن تعذيب الحيوان من الإثم، أن يأتوا بمن يحسن ذبحها. لكن للأسف عند كثرة الذبائح، خصوصا بالحج، ودخول المتعالمين في هذا الباب، تحصل وقائع كثيرة تدل على أولا: مخالفة السنة. وثانيا: أنه ربما يكون ما أفتى به الشيخ رحمه الله في هذا الموضع هو الأسلم للناس. فبعضهم يترك الناقة تفر، والسكين في عنقها، وكم رأينا مثل هذا في الحج؟ ينحرها بعض إخواننا من أفريقيا، ينحرها، يدخل السكين وهي غير معقولة اليد اليسرى، ثم يفر الجمل، يفر، طبعا إذا طعن ماذا سيفعل جمل كبير عظيم؟ يفر، وربما قطع الحبل، فإذا فر والسكين فيه، يفر الناس من هنا وهناك، وربما رفس هذا وداس هذا، وحصلك بهذا مفاسد كثيرة. وهذا كله بسبب أن الذين يذبحون لا يحسنون الذبح. وأما إذا أتى من يحسن الذبح، مثل ما يوجد في بعضهم، فإنه يكون في غاية من السهولة والراحة للذابح، ولهذه البُدْن المدبوحة. قال رحمه الله تعالى: رابعا: رحمة الله تعالى ورأفته بخلقه حتى في حال إزهاق أرواحهم، وهذه حكمة عظيمة كما قلنا، يدل على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعث من عند الله جل وعلا بشواهد كثيرة. قال: وبمثل هذه الأحكام الرحيمة والحنان العظيم، يعلم أنه دين عطف وشفقة، لا دين وحشية وعسف. عسف ولا تعسف عندكم، ها وين؟ قال: «فمن ينبئ الذين رموه بذلك -يعني: بالوحشية- من هؤلاء الكفار، ومن يسمع لهم من بعض المنافقين في المسلمين؟ فمن ينبئ الذين رموه بذلك، وهم يقتلون أبرياء بني آدم في عقر دارهم لعلهم يفقهون؟ قطع اليد للسرقة وحشية، وإقامة الحد على الزاني والزانية، والقصاص للقاتل الذي به تكون الحياة وحشية. لكن قتل الشعوب وتدمير المجتمعات وإبادة الأمم، هذا ما هو وحشية؟ هذا من السلام الشامل، وهو في الحقيقة من الدمار الشامل. طيب، نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.