كتاب الحج 10

كتاب الحج 10

الدرس في كتاب الحج 10، فصل في ما يجب عمله أثناء الطواف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الطواف وشرط الطهارة

يتناول هذا الفصل أحكام الطواف، حيث يشترط أن يكون الطائف متوضئا وساترا لعورته، مع مناقشة شرطية الطهارة أثناء الطواف. يستدل على ذلك بأحاديث نبوية ويتناول الخلاف بين أهل العلم حول هذا الشرط.

ستر العورة أثناء الطواف وحكم طواف الحائض

يتناول هذا الفصل أحكام ستر العورة أثناء الطواف، ويشير إلى اختلاف عورة الطائف عن عورة المصلي. كما يبين حكم طواف المرأة الحائض وضرورة ستر العورة أثناء الطواف، مع مناقشة آراء أهل العلم في هذه المسألة.

آراء أهل العلم في طواف الحائض والفتوى الراجحة

يناقش هذا الفصل آراء أهل العلم في حكم طواف الحائض، حيث اختلفوا بين وجوب الرجوع لطواف الحج أو جواز الذهاب مع الرفقة مع التحلل بدم. يرجح أن فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية تصلح للعمل بها عند الضرورة، مع التأكيد على أن الأحوط للمرأة انتظار طهرها ثم الرجوع لطواف الحج.

الانتقال إلى موضوع جديد

يشير هذا الفصل إلى الانتقال إلى كتاب أو موضوع آخر بإذن الله، مما يدل على تغيير في موضوع أو مصدر القراءة أو الدراسة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشوكاني، رحمه الله تعالى: «ويكون حال الطواف متوضئا ساترا لعورته». كذلك من أحكام الطواف أن يكون الطائف متوضئا. وذكر رحمه الله تعالى في الشرح حديث عائشة، رضي الله تعالى عنها: «أن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين قدم، أنه توضأ ثم طاف بالبيت». وفيه أنه ابتدأ الطواف بالوضوء. وهل هو شرط من شروط الطواف، لا يصح الطواف إلا به، أو واجب من واجباته، أو مستحب من مستحباته؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فذهب بعض أهل العلم إلى الشرطية، وبعضهم إلى الوجوب، وبعضهم إلى الاستحباب، واستدلوا على ذلك بأدلة. فمن ذلك هذا الحديث: «أن أول شيء بدأ به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هو الوضوء حين قدم، ثم طاف بالبيت». وبحديث ابن عباس: «أن الطواف بالبيت صلاة». وهذا وإن كان فيه خلاف صحتها أولا، وعلى القول بأنه موقوف على عبد الله بن عباس -وهذا هو الراجح- فذهب جماعة من أهل العلم، بل أكثرهم، إلى أنه له حكم الرفع؛ لأن مثل هذا لا يقال بالرأي. ومع ذلك، فهل فيه دليل على شرطية أو وجوب الطهارة للصلاة؟ فقوله: «الطواف بالبيت صلاة» يقتضي تشبيه الطواف بالصلاة، ولا يستلزم المطابقة في كل أحكامه. ويؤيده أن الطواف يجوز فيه الكلام، والصلاة لا تجوز. أو لا يجوز الكلام فيها، والصلاة يمنع المصل فيها من الحركة إلا إلى ما لا بد منه، كما قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾. بينما الطائف يتحرك بحركة من غير حصر. وهكذا كذلك أشياء أخرى كثيرة تدل على أن المقصود ليس هو مطابقة الطواف للصلاة، فإذن هو ليس كذلك صريحا يوجب الشرطية في الطهارة. وحديث عائشة، رضي الله تعالى عنها، فيه فعل النبي عليه الصلاة والسلام، والفعل المجرد عند عامة الأصوليين يدل على الاستحباب. يعني أقصى ما يدل. مع أن المسألة عند التحقيق فيها تفصيل. الخلاصة أن الطهارة تستحب، بل هو الأحوط، خصوصا مع هذه الأدلة. فإذا وقع الإنسان في مشقة، فجماعة من المحققين من أهل العلم رخصوا للطائف إكمال طوافه من غير طهارة؛ كرجل كبير في السن مع شدة الزحام، يشق عليه المحافظة على الوضوء. وكذلك ربما يكون في خروجه ورجوعه مشقة أعظم. أو كذلك امرأة حائض، وفي هذا خلاف آخر أوسع سيأتي إن شاء الله. ونحوه مما يكون فيه مشقة وضرر، فرخص بعض أهل العلم الطواف من غير طهارة. فالمشقة تجلب التيسير مع عدم وجود دليل صحيح صريح يدل على الشرطية. والأحوط هو المحافظة على الطهارة. وممن ألمح إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في مواضع من كتبه. وهذا هو الأرفق والأيسر بالناس، ما عدم وجود الدليل الصحيح الصريح. وانظر وانتبه إلى كلمتي «الصحيح» و«الصريح»، إذ لا يوجد شيء صحيح وصريح يدل على الشرطية. وفرق بين أن نقول «الأحوط»، وبين أن نقول «شرط». وقوله، رحمه الله تعالى: «ساتراً لعورته». استدل رحمه الله تعالى له بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يطوف بالبيت عريان». أصل حديث الصحيحين. كما أشار بالشرح. وهذا يدل على أن الطائف بالبيت ينبغي عليه أن يستر عورته. وهل يشترط فيه ما يشترط في الصلاة في ستر الجسد؟ الصحيح لا. ولذلك فالمصلي -على القول الصحيح- لا يجوز له أن يصلي وكاشف عن عاتقه، بخلاف الطواف، فإنه يطوف وكاشف عن عاتقه. ومع ذلك، فستر ما يستر في الصلاة هو الأحوط والأكمل بالنسبة للرجل. وهكذا كذلك للمرأة، خصوصا عند الأجانب؛ فيجب أن تستر جميع جسدها؛ المرأة عورة إذا خرجت، استشرفها الشيطان. فينبغي أن تستر جميع الجسد، وعلى ما سبق تفصيله في ستر الوجه وستر كذلك الكفين. وأما النهي عن الطواف بالبيت عريانا؛ لأن هذا كان من عوائد الجاهلية، فكان أهل الجاهلية عندهم في ذلك عوائد غريبة وعجيبة. ومن ذلك أنهم لا يطوفون بالثياب التي عصوا الله فيها، فلذلك كان يطوف منهم الطائف وهو عريان. فربما طافت المرأة كذلك وهي كذلك. وربما كان طوافهن بالليل، ويتعبدون ويتقربون إلى الله بذلك، جهلا منهم، حتى قالت القائلة منهم: «اليوم يبدو بعضه أو كله، وما بد منه فلا أحله». ويظنون أنهم يتقربون إلى الله بهذا الفعل، وهو خطأ. ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام من يطوف بالبيت عريانا. وهذا إذا لم يجد الواحد منهم ثيابا من ثياب أهل الحرم، وإلا فبعضهم يستعير ثيابا أخرى من ثياب أهل الحرم فيطوف بها. فإذا لم يجد طاف بالبيت وهو عريان. فالحاصل: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الطواف في البيت عريانا؛ لهذا المعنى الذي كان عند أهل الجاهلية. فإن الإسلام نهى عن ذلك. وأما إذا انكشف شيء بغير قصد، فهو عفو. وينبغي للإنسان أن يستر عورته في الطواف وفي غير الطواف. وأما في الصلاة، فكما قلنا: ليست عورة الطائف كعورة المصلي. فالمصلي شدد عليه أكثر بالنسبة للذكر وللأنثى كما سبق. وقوله، رحمه الله تعالى: «والحائض تفعل ما يفعل الحاج». «الحائض تفعل ما يفعل الحاج غير ألا تطوف بالبيت». ومراده، رحمه الله تعالى: أن الحائض تمتنع عن الطواف لنهي النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا من أحكام الطواف: أن الحائض لا تطوف بالبيت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة: «الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف». وهو فيه ضعف، لكن معناه حسن، وهو حسن بمجموع طرقه وشواهده. وكذلك صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال لعائشة -كما في الصحيحين من حديث عائشة نفسها-: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوف بالبيت». وقوله: «افعلي ما يفعل الحاج» يدل أنها تفعل المناسك كلها كما ذكر رحمه الله. غير ألا تطوف بالبيت. وهذا يدل أن الطواف بالبيت يحتاج إلى طهارة. ولكن كما قلنا: هل طهارة من الحدث الأصغر والأكبر؟ أم طهارة من الحدث الأكبر فقط؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. فالأحوط أن الطائف يحافظ على الطهارة من الحدث الأصغر بالوضوء، والحدث الأكبر كذلك بالاغتسال. فلا ينبغي له أن يطوف من غير طهارة. هذا هو الأحوط. أما الحدث الأكبر، فالصريح بحديث عائشة: «افعل ما يفعل الحاج غير أن لا تطوف بالبيت». فنهاها النبي عليه الصلاة والسلام عن الطواف بالبيت وهي حائض. وكما قلنا قبل قليل: هل النهي لأجل الطهارة؟ أم النهي لأجل اعتبار آخر؟ كما ذهب بعض أهل العلم: أنه لحرمة الحرم، أو لحرمة البيت، أو لشيء آخر؟ في هذا خلاف بين أهل العلم. ولهذا رخص بعض أهل العلم للضرورة: الحائض أن تطوف بعد التحفظ، تتحفظ إذا خشيت فوات الرفقة. وممن أفتى بذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. ومن المشايخ المعاصرين: شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى. وللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال. يعني الحائض إذا خشيت فوات رفقتها، ولم تستطع الرجوع، وهي لم تطف طواف الحج. فذهب بعض أهل العلم إلى أنها تذهب مع رفقتها، ويجب عليها أن ترجع للطواف ولو بعد حين، ولو طالت المدة. وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تذهب، ولكن يكون ذهابها فسقا أو إبطالا لذاك الحج؛ لأنها لم تؤد ركنا من أركانه، وهو الطواف. وهذا القول الثاني: يلزمه الحج مرة أخرى إلا إذا استطاعت أن ترجع. وذهب آخرون -وهذا هو القول الثالث- إلى أنها إذا اضطرت، فلم تستطع الرجوع، ولم تستطع التخلف عن الرفقة، بأن يبقى محرمها، وهكذا كذلك. صار لا بد عليها أن تطوف. يرون أنها تطوف بعد التحفظ. وهذا الذي أفتى به شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله. ومر معنا في دروس قريبة تفصيل هذه المسألة. فهذا خلاصة ذلك. وما هو الصواب في ذلك؟ كما قلنا: المسألة الخلافية بين أهل العلم. والأحوط أن المرأة لا تفعل ذلك، تنتظر إن استطاعت. فإن لم تستطع، فتذهب على نية الرجوع. تذهب على نية الرجوع. وهذه مرتبة ثانية. ولو بعد حين. ولكن تبقى في هذه الفترة محرمة. فإن لم تستطع الرجوع لطول الفترة، فبماذا تتحلل من إحرامها؟ تتحلل من إحرامها بدم، كدم الإحصار؛ لأنها محرمة. لا تفسق إحرامها إلا بماذا؟ إلا بدم. فإن أحصرتم -والإحصار يشمل ابتداء مناسك العمرة والحج، ويشمل كذلك الإنهاء من مناسك العمرة والحج- فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي. فإن كان ميؤوس الرجوع، إن كان الرجوع ميؤوسا ولا يمكن التخلف عن الرفقة، فما هو الحل؟ هل يسقط الحج وتذهب النفقة؟ أم أنها تحج وتكمله بما أفتى به من أفتى ممن سمعنا وغيرهم؟ الظاهر -والله تعالى أعلم- أن الأخير هو الصواب؛ لأن يسر الشريعة يدل على هذا المعنى، والضرورات تبيح المحظورات. فقد جاز للضرورة أن يصلي من غير طهارة بالتيمم، بل ومن غير ماء ولا تيمم من غير طهارة بماء ولا طهارة بتيمم عند العجز عنهما جميعا. ومن تأمل نصوص الشريعة وأحكامها وجد أن هذا الترخيص مما يدخل في معنى اليسر في الشريعة، وفي الحج على وجه الخصوص. ففتوى شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، عند الاضطرار إليها يعمل بها، خصوصا في أناس لا يستطيعون الحج، وقد بذلوا فيه المال الكثير، حتى وصلوا إلى ذلك المكان، ولا يستطيعون التخلف. ما يستطيعون. فعند ذلك يترخص بهذه الفتوى. والضرورات تبيح المحظورات. لكن ينبغي أن نفرق بين أن نقول «ضرورة»، وبين أن نتساهل. فرق بين المسألتين. فالإنسان إذا اضطر إلى هذه الفتوى، فإنه يرخص له. أما إذا لم يضطر، كأن يكون يستطيع أن ينفصل ويذهب براحلة أخرى -يعني يغير الرحلة مثلا من هذه الرحلة إلى رحلة أخرى- بخلاف من لا يستطيع -يعني إذا ألغيت الرحلة ليس له رحلة- وهذا يحصل لبعض الناس. فإن كان على هذا الوجه من الضرورة، فنعم. وإن كان لا يمكن تأخير الرحلة وتأجيلها، فيجد على محرمها تأخير الرحلة والسفر حتى تنهي الحائض مناسكها بعد طهرها، فتطوف طواف الحج. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام -لما أخبر أن بعض نسائه لم تطف-: «أحابستنا هي؟» فقالوا: «إنها طافت بالبيت -يعني طواف الحج-» فقال: «فلتنفر إذن». فدل على أنه يجب على محرم المرأة إذا حاضت أو نفست، ولم تطف طواف الحج -وهو طواف الإفاضة- يجب عليه الانتظار والتأخر. وأما طواف الوداع، كما سيأتي إن شاء الله الكلام عليه، فيرخص للحائض والنفساء كما جاء في حديث ابن عباس. فهذا خلاصة ما يذكر في حكم طواف الحائض. ننتقل إن شاء الله إلى شيء يسير إلى الكتاب الآخر.