كتاب الحج 9

كتاب الحج 9

الدرس في كتاب الحج 9، فصل في ما يجب عمله أثناء الطواف . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الطواف والسعي لأنواع الحجاج

تناول الشيخ أحكام الطواف والسعي في الحج للمفرد والقارن والمتمتع، موضحًا الفروق بينهم. شرح أنواع أنساك الحج الثلاثة وأعمال كل منهم.

حكم طواف وسعي القارن والمفرد

استدل الشوكاني بحديث ابن عمر على صحة طواف واحد للقارن، لكن الحديث ضعيف. المفرد يطوف طواف واحد ويسعى سعي واحد، والقارن يطوف طوافين ويسعى سعي واحد.

تفاصيل أحكام طواف وسعي المتمتع والقارن والمفرد

المفرد يطوف طواف واحد، والقارن يطوف طوافين ويسعى سعي واحد، والمتمتع يطوف طوافين ويسعى سعيين، مع آراء أهل العلم المختلفة حول الاكتفاء بسعي واحد للمتمتع.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «قال ويكفي القارن طواف واحد وسعي واحد». كذلك من مسائل أحكام الطواف ما ذكره رحمه الله تعالى، أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد. وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. ينبغي أن نعلم أولًا أن أنساك الحج على ثلاثة أنواع: مفرد، وقارن، ومتمتع. فالمفرد هو الذي يأتي بالحج فقط، يحرم بالحج في أشهر الحج، ويبقى على إحرامه حتى يحج، يطوف طواف القدوم وينتظر الحج. والقارن وهو الذي يدخل الحج، يدخل العمرة على الحج. وهذا القارن سمي قارنًا لأنه يقرن بين العمرة والحج، يقرن بينهما، فيأتي بالعمرة ولا يتحلل منها، يبقى محرمًا من حين دخل بالإحرام حتى ينتهي الناس، وهو مع الناس من الحج جميعًا. والثالث وهو المتمتع، الذي يأتي بعمرة في أشهر الحج ويتحلل منها، يطوف ويسعى ويقصر أو يحلق ويتحلل، ثم يوم الثامن يهل بالحج مع الناس ويعمل أعمال الحج. وهؤلاء الثلاثة بينهم اختلاف أعمال الحج. فأما المفرد فهو أفرد الحج فقط، فلا يأتي، ولم يأتِ بعمرة. وأما المتمتع أتى بعمرة كاملة وانتهى منها، ثم يأتي بعد ذلك بالحج. وأما القارن فقد أدخل العمرة على الحج. فأما المفرد فهو يطوف طواف القدوم إذا أتى، ويسعى بعد ذلك. وإن سعى بعد طوافه، في قول جمهور أهل العلم، يجزئه سعيه ذلك عن سعي الحج. وإذا كان الحج ويوم العاشر، فإنه يطوف طواف الحج، وهو طواف الإفاضة. وإن كان قد سعى قبل ذلك، فيجزئه سعيه عن سعي الحج. وأما القارن فهو يأتي بالعمرة طواف وسعي، ثم في أيام الحج يوم العاشر يأتي بطواف هو طواف الحج وسعي. هكذا هو الأصل؛ لأن عنده عمرة وعنده حج. والأول عنده حج فقط. والثالث وهو المتمتع يأتي بعمرة كاملة فيها طواف وسعي وحلق وتقصير، ثم يأتي بحج فيه طواف وسعي، فيه طواف وسعي هو طواف الحج وسعي الحج. وهنا وقع الخلاف في مسألتين: المسألة الأولى في مسألة القارن، هل يأتي بطواف وسعي في حجه بعد إذ أتى به في عمرته؟ ووجه الخلاف في ذلك أحاديث رواية تدل على أن القارن دخلت عمرته في حجه. وعلى هذا اختلفوا في هذا المفهوم. فمنهم من قال: إن القارن يطوف ويسعى طواف وسعي الحج، ويطوف ويسعى قبل ذلك طواف وسعي العمرة. ومنهم من قال: بل يطوف طواف العمرة ويسعى، ويسعى سعي واحد يجزئه عن سعي العمرة وسعي الحج. وأما الطواف الحج فلابد منه. وهذا قول ثاني. وقول ثالث وهو ما أشار إليه الشوكاني رحمه الله، أنه يطوف طواف واحد وسعي واحد، إن فعله بالعمرة أجزأه عن الحج، وإن فعله بالحج أجزأه عن العمرة. ويستدلون بأحاديث. واستدل الشوكاني رحمه الله تعالى بحديث ابن عمر: «من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد وسعي واحد». وقال: حسنه الترمذي. وهذا الحديث الراجح ضعفه. وإن كان الشيخ الألباني رحمه الله صححه في صحيح الجامع وصحيح ابن ماجه، لكن الراجح ضعفه؛ ففيه علة أشار إليها الترمذي رحمه الله. فقال الترمذي بعد روايته لهذا الحديث: «هذا حديث حسن غريب، تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ. وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه، وهو أصح». رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر ولم يرفعوه، وهو أصح. فرجح أن الحديث لم يصح مرفوعًا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. فإذا كان كذلك، فهو حديث لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلا يستدل به على ما ذهب إليه الشوكاني رحمه الله ومن قال بقوله قبل ذلك. وهذا أقوى ما استدل به. واستدل بأحاديث صحيحة، لكنها ليست صريحة في الدلالة على المقصود، ولكن فيها معنى آخر. وهي المسألة الخلافية الأخرى، كحديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم، أنه ذكر حجة النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه، وأنهم طافوا بين الصفا والمروة لم يطوفوا بين الصفا والمروة إلا طواف واحد هو الطواف الأول. وفي رواية: «وكذلك الطواف الأول»، يعني بين الصفا والمروة؛ لأنه جاء في الرواية الأخرى ذكر الصفا والمروة، وأنهم لم يطوفوا إلا طواف واحد هو ذاك الطواف الأول. ففسرت هذه الرواية تلك الرواية، أن المراد بالطواف الواحد الذي طافوه هو السعي، وليس فيه أنهم لم يطوفوا بالبيت إلا مرة واحدة. وفرق بين المسألتين؛ لأن هذا الحديث، رواية حديث جابر بن عبد الله بصحيح مسلم، تدل على أن الطواف إنما كان طوافًا واحدًا، لكن كسر هذا الطواف لأنه السعي، فبقي الطواف بالبيت على أصله. لأننا قلنا: إن القارن أتى بعمرة وحج، والعمرة لها طواف بالبيت، والحج له طواف بالبيت. فالطواف من أركان العمرة ومن أركان الحج، والله عز وجل أمر به: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. فإذا المتمتع يطوف طواف العمرة ويطوف طواف الحج، وهذا هو الأحوط، وهذا هو الأحوط لموافقته نص القرآن. وهكذا أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام. القارن نعم، سبق لسان القارن يطوف طواف العمرة وطواف الحج، طواف العمرة وطواف الحج. قلنا: لأن هذا هو نص القرآن والأحاديث الواردة عنه عليه الصلاة والسلام. وليس هناك حديث صحيح صريح يدل على أنهم لا يطوفون أو لم يطف النبي عليه الصلاة والسلام إلا طواف واحد. وهذا الحديث الذي أشار إليه، حديث ابن عمر، حديث ضعيف عند أهل المعرفة بالحديث. بقيت المسألة الثانية، وهي مسألة السعي: هل يسعى سعي واحد أم يسعى سعي آخر للحج مع سعي العمرة؟ هذه المسألة فيها خلاف كذلك. والصحيح أن القارن يسعى سعي واحد يجزئه، إن سعى سعي الحج أجزأه عن عمرته وحجه، أو سعي العمرة أجزأه عن عمرته وسعيه؛ لأنه هو الذي ورد صريحًا في حديث جابر بن عبد الله. وهكذا كذلك وردت فيه آثار كثيرة عن الصحابة. وهذا الذي رجحه المحققون من أهل العلم، وألمح إليه الإمام أحمد رحمه الله، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهم الله. بقي المتمتع، قلنا: الأصل أنه أتى بعمرة تامة، فعليه طواف وسعي، وحج لوحده؛ لأنه تمتع تحلل من عمرته، ثم أتى بالحج. فعليه كذلك طواف وسعي. وهذا هو قول جمهور أهل العلم. وذهب بعض أهل العلم إلى أن طواف الحاج مستحب وليس بواجب. واستدلوا بعدم ورود الأمر الذي يأمر بالسعي بالنسبة للمتمتع لا من القرآن ولا من السنة. واستدلوا كذلك بحديث جابر بن عبد الله بحديث جابر بن عبد الله في هذا الحديث الذي مر معنا، فإنه قال: «لم يطف النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه بين الصفا والمروة إلا طواف واحد، طواف الأول». قوله النبي عليه الصلاة والسلام هذا بالنسبة للقارن، وقوله أصحابه هذا بالنسبة للقارن والمفرد والمتمتع. ويؤكده ما جاء في رواية أصلها في مسلم كذلك، وهي صحيحة، أنه ذكر جابر بن عبد الله عن نفسه أنه سعى سعي واحد. وجابر بن عبد الله كما صح عنه بصحيح مسلم كان حجه متمتعًا، لم يحج قارنًا. من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل ممن ساق الهدي، ولم يكن جابر بن عبد الله منهم، بل جابر بن عبد الله ممن تمتع مع المتمتعين بنص حديثه الذي جاء في صحيح مسلم وغيره. فإذا كان كذلك، فهذا نص عن جابر بن عبد الله أنهم سعوا سعي واحد في حجهم، وكانوا متمتعين. وهذا الذي روي عن إمام أحمد رحمه الله. سئل الإمام أحمد رحمه الله: هل على المتمتع طواف؟ قال: إن طاف فهو أحب. فلم يلزم بالسعي. يعني سئل عن السعي، فقال: إن سعى فهو أحب إليه، أو قال: هو أفضل. فلم يجزم بالوجوب. وأشار إلى ذلك المحققون من الحنابلة في كتبهم، كما أشار إليه عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله في حاشية الروض. وهو الذي انتصر له كذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم في الزاد «زاد المعاد في هدي خير العباد». ورويت ورويت فيه آثار، رواها ابن أبي شيبة وغيره عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وجابر بن عبد الله: أن المتمتع لا يجب عليه إلا سعي واحد، وأن السعي الثاني مستحب وليس بواجب. وهكذا جزم بذلك الطاووس رحمه الله تعالى. فإذا على هذا القول الثاني يكون السعي بالنسبة للحج مستحب وليس بواجب، وهو قول هؤلاء الأئمة الذين سمعت. ومع ذلك فالأحوط والأكمل أن يأتي الإنسان بالسعي مع الحج، ولا يتساهل في سعيه. هذا هو الأفضل والأكمل والأحوط. فالآن خلصنا من هذا: أن المفرد يطوف طواف واحد وهو طواف الحج، ويسعى سعي واحد؛ لأنه ليس عليه عمرة. وأن القارن على الصحيح يطوف طوافين ويسعى سعي واحد، وهذا هو الأحوط. وإن كان بعض أهل العلم قال: يطوف طواف واحد، لكنه ليس فيه شيء صحيح صريح. والطواف ركن من أركان الحج، فلذلك الأحوط أن يطوف طوافين ويسعى سعي واحد. والمتمتع يطوف طوافين ويسعى سعيين، هذا بالنسبة للسعي هو الأفضل. وإن طاف طوافين وسعى سعي واحد أجزأه ذلك في قول جماعة من المحققين من أهل العلم. وهذا لما سمعت من الأدلة والآثار.