الدرس في كتاب الإمارة 22، باب بيان الشهداء . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح هذا الفصل مفهوم الشهادة في الإسلام وأنواع الشهداء، ويوضح أن الشهادة ليست مقتصرة على من قتل في سبيل الله. يبين اختلاف أهل العلم في تفسير الشهادة لهؤلاء الأشخاص.
يتناول هذا الفصل أنواع الشهداء وأحكامهم، ويوضح الفرق بين الشهادة الحقيقية والحكمية. يشمل الشهداء من مات بسبب الطاعون والغرق والحريق وغيرها.
يُبرز هذا الفصل أهمية الأعمال الصالحة في الإسلام مثل إزالة الأذى من الطريق، والأذان، والتبكير للصلاة، ويشدد على أهمية الصلاة ومكانتها العظيمة في الإسلام.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب بيان الشهداء. قال حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له، ثم قال: الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله ». قال: أخرجه البخاري بكتاب الأذان، باب فضل التهجير إلى الظهر. قال حديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الطاعون شهادة لكل مسلم ». قال: أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب الشهادة سبع سوى القتل. أورد المؤلف رحمه الله هذا الباب في سياق ذكره لأحكام الإمارة، فقال: باب بيان الشهداء، يعني فيمن لهم حكم الشهداء وإن كانوا ليسوا من الشهداء، وهم من ذكروا في هذا الحديث وغيرهم ممن لم يذكروا في هذا الحديث. ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحديث أنس، والشاهد منه في حديث أبي هريرة ذكر خمسة أنهم شهداء، وفي حديث أنس ذكر صاحب الطاعون أن له شهادة، وهذا هو الشاهد. ففي هذين الحديثين إثبات حكم الشهادة لهؤلاء، وقد اختلف أهل العلم في معنى الشهادة التي أثبتت لهؤلاء المذكورين. فقيل: إنها شهادة من جهة شهود الملائكة، وبذلك صار هؤلاء من الشهداء؛ فالملائكة تشهدهم. وقيل: بما يكون لهم من الجنة؛ فإن هذا الذي ابتلوا به مما يكفر عنهم سيئاتهم، فيخرجون من الدنيا مطهرين، فيكونون من أهل الجنة. وهذين المعنيين دلت عليه عمومات ونصوص، وبهذا صار لهم حكم الشهادة. وليس لهم حكم الشهيد الذي يقتل في سبيل الله؛ فإن الشهيد الذي يقتل في سبيل الله له أحكام في الدنيا وفي الآخرة. فمن أحكام الدنيا التي اختص بها: أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، بل الملائكة تتكفل بذلك. وهكذا من أحكامه في الآخرة: أنه في حياة خاصة، وهذا خاص بالشهيد الذي يقتل في سبيل الله، وليس هو لمن له حكم الشهادة كالمطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم. وهذا هو الصواب في تفسير هذه الأحاديث التي وردت بهذا المعنى. والحديث الأول أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، لكن بشيء من الطول؛ فإن الحديث أخرجه البخاري في باب فضل التهجير إلى الظهر، فقال: حدثنا قتيبة عن مالك عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة، فذكر أول الحديث: « بينما رجل يمشي بطريق وجد غصنًا... » إلى أن قال: « والشهيد في سبيل الله ». فهذا حديث، ثم قال: « وقال: لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول... » إلى آخره. فإذا ثلاثة أحاديث بإسناد واحد. وحديث أنس أخرجه كذلك البخاري بالباب المشار إليه. وهنا قال: « شهداء خمسة »، وقال في باب الشهادة سبع سوى القتل، فزاد عن الخمسة. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إنهم أكثر من ذلك، بل بعض أهل العلم أوصلهم إلى ثلاثين؛ أي: من لهم حكم الشهادة. فالمرابط شهيد، والمطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والحريق، وصاحب الحرق، وهكذا كذلك صاحب الطاعون؛ فهؤلاء كلهم شهداء لهم حكم الشهادة. وقد مر معنا أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، وإنما يفيد التخصيص وزيادة الاعتناء والاهتمام. فقوله: « الشهداء خمسة » ليس حصرًا، فلا ينافيه إذا قال: « الشهداء سبعة » أو ذكر سبعة؛ لأن الخمسة ليس للحصر، فهو لا يفيد الحصر، وإنما يفيد زيادة الاهتمام والأهمية والاعتناء في هؤلاء الخمسة؛ أنهم يتأكد حكمهم في هؤلاء الخمسة. ولهذا جاء في بعض الأحاديث زيادة غير هؤلاء الخمسة. وكما سمعتم: بعض أهل العلم أوصلهم إلى ثلاثين؛ يعني مما يكون لهم هذا الحكم: الشهادة الحكمية. وأما الشهادة الحقيقية فهي للذي يقتل في سبيل الله. ولهذا قال: « والشهيد في سبيل الله ». انظر قال: « الشهداء خمسة: المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم »، ولم يذكر معهم تأكيد لفظ الشهيد. ولما جاء إلى الشهيد في سبيل الله فرق؛ فهؤلاء خمسة لهم حكم، وهذا واحد له حكم آخر. فدل على أن شهادة هؤلاء الخمسة تختلف عن شهادة الشهيد في سبيل الله. وهذا الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة؛ فالله عز وجل أخبرنا بكتابه أن الشهداء خاصة -أي: الذين يقتلون في سبيل الله- هم الذين لهم الحياة البرزخية يكرمون بها، ويدخلون الجنة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، فهؤلاء لهم حياة خاصة ليست لغيرهم. وهكذا كذلك في الدنيا: الشهيد في سبيل الله لا يغسل ولا يصلى عليه، بخلاف المطعون -وهو الذي مات بانبعاث الطاعون، وهو الوباء الذي يصاب به الناس- وبعض أهل العلم عممه، فقال: كل موت جماعي؛ كل موت جماعي، فيدخل فيه أموات الزلازل والبراكين والفيضانات وغير ذلك من الموت الجماعي. والمبطون: وهو الذي يموت ببطنه. والغريق: وهو الذي يموت بالغرق في البحر أو في النهر أو في غير ذلك. وصاحب الهدم: أي الذي ينهدم عليه -سواء بيت أو جبل أو ثلج أو غير ذلك مما ينهدم على الإنسان- فيموت به. وفي حديث أنس زاد: الطاعون؛ صاحب داء الطاعون. وقيل: إنه الوباء، وما كان بمعنى من الأوبئة. وقيل: من يموت بداء في بطنه. وكل ذلك يلحق به هذا الحكم؛ لأن الحكم أوسع من هذا. وجاء في بعض الروايات ذكر صاحب الحريق؛ فهؤلاء وغيرهم ممن هو بمعنى هؤلاء يلحقهم حكم الشهادة الحكمية. ومعنى الشهادة الحكمية: كون الملائكة تشهد وفاتهم، وكونهم كذلك يغفر لهم بما أصابهم وابتلاهم الله به، فيكون ذلك تكفيرًا لهم؛ ما دام مسلمين مؤمنين. بخلاف الذين يبتلون بذلك عذابًا؛ فإن بعض الغرق والهدم يكون عذابًا من الله سبحانه وتعالى كما يصيب الكفار والفجار. ولكن المؤمن الذي حسنت سيرته وظهر صلاحه، يرجى له إن أصيب بمثل هذا أن يكون ذلك كفارة له، فيخرج من الدنيا بغير دم، يغفر الله له بذلك ذنوبه. وصح بحديث أبي هريرة: « إن الله ليرفع العبد بغير عمل يعمله، ولكن ببلاء يبتليه »، رواه أحمد بإسناد حسن. وفي الحديث مسائل أخرى، من هذه المسائل: فيه فضل إماطة الأذى عن الطريق، وأنه من الأعمال الصالحة التي يحبها الله جل وعلا، ويشكر العبد عليها، ويغفر له بها. ولهذا هو شعب من شعب الإيمان. قال النبي عليه الصلاة والسلام -كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين-: « الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ». وهنا قال: « بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره »؛ أبعده من طريق المسلمين والناس، « فشكر الله له فغفر له »؛ ففيه أن هذا العمل -وإن كان الناس يظنونه يسيرًا صغيرًا- لكنه عند الله عظيم، وهذا يدل على إيمان صاحبه. والعكس بالعكس: كون الإنسان لا يبالي فيرمي بالشوك والأذى في طريق الناس، هذا يدل على نقص بإيمانه، وهو كذلك يقتضي أن الله يغضب عليه ويأخذه ولا يغفر له، وهذا يفهم من مفهوم المخالفة. وفيه كذلك إثبات صفة الشكر لله عز وجل على ما يليق بجلاله وعظمته. وفيه أن أسباب دخول الجنة كثيرة؛ فعلى المسلم أن لا يستصغر عملًا صالحًا مهما كان يظنه صغيرًا؛ فإنه لا يدري في أيها يدخل الجنة. فقد دخلت زانية من زوان بني إسرائيل الجنة في كلب سقته ماء. ولكن ليس هذا لكل بغي كما قال شيخ الإسلام: « تسقي كلبًا تدخل الجنة »، وإنما ما يكون من الرحمة والإخلاص والصدق؛ فلعل الله أن يكفر ويغفر لصاحب ذلك العمل؛ فلا تستصغر شيئًا من الأعمال الصالحة ولو ظننته صغيرًا؛ قد يكون عند الله كبيرًا عظيمًا. وفيه كذلك فضل الأذان والتنافس فيه، وفضل الصف الأول والتنافس فيه. وفيه مشروعية الاستهام للأعمال الصالحة إذا حصل التزاحم عليها؛ كالأذان والصف الأول. وأما بالنسبة للأذان: هذا إذا لم يكن هناك مؤذن راتب؛ أما إذا كان هناك مؤذن راتب فالأولوية له. وفيه كذلك من الأعمال الصالحة الفاضلة: فضيلة التهجير؛ أي: التبكير للصلاة؛ فكلما بكرت كان أعظم لأجرك وثوابك؛ فأنت لا تزال في صلاة -كما جاء في حديث أبي هريرة-: « من توضأ للصلاة فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى الصلاة المكتوبة فصلاها مع الناس أو مع الجماعة أو في المسجد، غفر الله له ذنوبه »، وكأنك تصلي حتى ولو كنت قاعدًا، فكيف إذا كنت تقرأ قرآن أو تراجع العلم فتتضاعف لك الحسنات؟ وفيه كذلك فضيلة صلاة العشاء والصبح خاصة، ومن عظيم فضلهما أنه عليه الصلاة والسلام حث على ذلك حتى أن الناس لو علموا ما فيهما من الأجر لأتوهما ولو حبوًا؛ يعني لو ما يستطيع حتى أن يأتي إلا أن يحبو لما فيه من الأجر العظيم لأتى. والنبي عليه الصلاة والسلام ضرب للناس مثلًا في الأحاديث الأخرى بأنه لو دعي الناس لكراع -لو وجدت الناس يزدحمون- يعني على الصلاة وعلى المسجد. وهذه حقيقة: لو قيل اليوم ينادي منادي في مدينة الشحر: من يذهب إلى المسجد فله عشر ريالات، سيأتي الآباء والأبناء وأبناء الأبناء كلهم يصفون، كل واحد يطمع أن ينال هذا. فكيف إذا كان أكثر؟ سيأتي عدد أكبر، ليس فقط من المدينة، من خارج المدينة، من كل مكان سيجتمعون يريدون هذه الدريهمات الفانية. لكن هناك حسنات أكثر من عشر، أكثر من عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. ومع ذلك أكثر الناس -لمن رحم الله- زاهد. وهكذا كما ذكر في الحديث: لو قيل أن في المسجد كراع -ما هو لحم، بقايا اللحم- سيأتون، سيأتون الناس كلهم سيأتون؛ اليوم المسجد الفلاني فيه لحم، ويأتون ويجتمعون. لكن صلاة فيها أجر وحسنات، الناس تزهد. والسبب في هذا أن عالم الغيب ليس كعالم الشهادة؛ فالناس في غفلة عن عالم الغيب، وفي غفلة عن الجزاء الأخروي، يريدون العاجلة. كما قال سبحانه: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وهذا هو أكثر ما كان سببًا في فتنة الناس وزهدهم عن الأعمال الصالحة. فالنبي عليه الصلاة والسلام يذكر في هذا الحديث أن الناس لو علموا ما في هاتين الصلاتين من الأجر لأتوهما ولو حبوًا؛ يعني لعظم الأجر التي في هاتين الصلاتين. والله تعالى أعلم.