كتاب الطهارة 4

كتاب الطهارة 4

الدرس في كتاب الطهارة 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تفسير حديث النهي عن الاغتسال في الماء الدائم

يناقش تفسير حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن النهي عن الاغتسال في الماء الدائم ويوضح المقصود منه. يُفهم أن النهي ليس عن الماء الساكن بل عن الماء الراكد الذي لا يتجدد.

حكم استعمال الماء الدائم في الطهارة

يتناول حكم استعمال الماء الدائم في الوضوء والغسل، ويستدل بالأحاديث النبوية على النهي عن تلوث الماء بالفضلات. يُوضح آراء الفقهاء في هذه المسألة.

حكم الماء المستعمل في الطهارة واستعماله

يُفصّل حكم الماء المستعمل في الطهارة، ويخلص إلى أنه طاهر ومطهر. يُستحب عدم استعماله إذا كان هناك تقذر أو تلوث، ويجوز استعماله بين الزوجين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: قوله: «ومتحرك وساكن»، قال: وجه ذلك أن سكونه، وإن كان قد ورد النهي عن التطهر به حال سكونه، فإن ذلك لا يخرج عن كونه طهورًا؛ لأنه يعود إلى وصف كونه طهورًا بمجرد تحركه. وقد دلت الأدلة على أنه لا يجوز التطهر بالماء الساكن ما دام ساكنًا؛ لحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب». وقالوا: يا أبا هريرة، كيف نفعل؟ قال: «يتناولوه تناولا». وفي لفظ لأحمد وأبي داود: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة». قالوا: وفي لفظ للبخاري: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه». وفي لفظ للترمذي: «ثم يتوضأ منه». وغير هذه الروايات التي يفيد مجموعها النهي عن البول في الماء الدائم على انفراده، والنهي عن مجموع الأمرين. ولا يصح أن يقال: إن روايتي الانفراد مقيدتان بالاجتماع؛ لأن البول في الماء على انفراده لا يجوز، فأفاد هذا أن الاغتسال أو الوضوء في الماء الدائم من دون بول فيه غير جائز. فمن لا يجد إلا ماءً ساكنًا وأراد أن يتطهر منه، فعليه أن يحتال قبل ذلك بأن يحركه حتى يخرج عن وصف كونه ساكنًا، ثم يتوضأ منه. وأما أبو هريرة فقد حمل النهي على الانغماس في الماء الدائم؛ ولهذا قال لما سئل: كيف نفعل؟ قال: «نتناوله تناولا». ولكن لا يتم ذلك في الوضوء؛ فإنه لا انغماس فيه، بل هو نتناوله تناولا من الابتداء. فالأولى تحريك الماء قبل الشروع في الطهارة، ثم يتطهر به. وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ما دلت عليه هذه الروايات؛ فلم يفرقوا بين المتحرك والساكن. ومنهم من قال: إن هذه الروايات محمولة على الكراهة فقط. ولا وجه لذلك. وقد قيل: إن المستبحر مخصوص من هذا بالإجماع. والراجح أن الماء الساكن لا يحل التطهر به ما دام ساكنًا؛ فإذا تحرك، عاد له وصفه الأصلي، وهو كونه مطهرًا. وهذه هي المسألة الخامسة من مسائل الباب. هذا الموضع من المواضع التي استغربت من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى؛ فقسم الماء هنا إلى متحرك وساكن، ثم قال رحمه الله -وهو يشير إلى أن الساكن هو الدائم- ولا شك أن هناك فرقًا بين الساكن والدائم. الدائم ليس الذي لا يتحرك، وإنما الدائم المستقر الذي ليس بمتصل بغيره، ولا يتصل به غيره. فالعيون الجارية ليست دائمة، بل متحركة. والأنهار متحركة، والبحار متحركة، والجداول والشلالات متحركة؛ فهي ضد الدائم. وليس المراد بالدائم الساكن؛ فالساكن غير المتحرك. أما الدائم، معناه الباقي في محله. وما نقل من أن الحل هو تحريك الماء حتى يتطهر به، هذا غاية الظاهرية. ولم تدل عليه النصوص الشرعية. بل النصوص الشرعية -كما نرى بمجموع أدلتها- تدل على النهي في استخدام الماء الدائم، ورجوع الماء المستخدم إليه؛ حتى لا يتلوث. لأن هذا الماء مظنة التلوث في الاستخدام منه. وردي الماء المستخدم فيه. وهذا هو المعنى. وأشد من هذا أن يتبول فيه. فجاء في صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الرجل في الماء الراكد». ما معنى الراكد؟ ما معنى الراكد؟ هل الساكن؟ لا، ليس الساكن. قد يكون راكدًا، لكن فيه أمواج تحركه. إيش؟ الهواء. الماء يتحرك بالهواء. قد يتحرك. فبعض المياه في مضرب الهواء، إذا كان في سفوح الجبال، إذا كان في سفوح الجبال، تعرفون القيعان الصغيرة في سفوح الجبال، وفي الصحاري، هذه المياه راكدة. وبقايا السيول في الأودية، في الأماكن المنخفضة والحفر ونحوها، هذه المياه كذلك راكدة. هل هذه المياه الراكدة لا تتحرك؟ نقول: فيه تفصيل. إن أراد بالتحرك الجريان، فهي لا تجري. أما إن أريد بالتحرك أنه لا يتحرك، فهذا ليس بالصحيح. بل الهواء يحرك هذا الماء إذا جاء هواء شديد. يتحرك هذا الماء. إذن ليس بالصحيح أننا نحركه بعد أن نتوضأ منه أو نغتسل. لا، ليس هذا المقصود. إنما المقصود أننا لا نلوث الماء الذي لا يتجدد. هذا هو المعنى والمقصود من هذه الأحاديث. فما أورده في حديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائمي وهو جنب»، نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم. المراد به: الداء. الماء الراكد الذي هو مظنة التلوث إذا استخدم في نفس المكان. إذا اغتسل جنب فيه، إن غمس، سيبقى فضلات هذا الجنب: أين؟ في نفس الماء. ليس كذلك؟ جاء رجل آخر جنب، فدخل فاغتسل فيه. بقيت فضلات هذا الجنب: أين؟ في نفس الماء. واحد، اثنين، ثلاثة... في النهاية ماذا؟ يتلوث هذا الماء. يتلوث هذا الماء. إذا كانت المسابح -تعرفون المسابح- على كبرها، المسابح أكثر من قلتين أو أقل، أكثر بكثير، مئات القلال. ومع ذلك إذا اغتسل فيها الناس، بمجرد ثلاثة أيام، يغتسل فيها، يتحول الماء إلى اللون الأخضر. ويعرف هذا من جرب هذا. إذا اغتسل الناس في هذا المسبح الكبير. لماذا؟ لأن هذا المسبح الكبير دائم، أو ليس بدائم؟ هذا في حكم الدائم. مع أنه كبير، مسبح كبير. لكن لما يغتسل منه الناس، ويتكرر اغتسال الناس منه، وفيه فضلات، فإنه يتغير هذا الماء، فيتلوث. فلا يستطيع أحد يشرب منه. هل يستطيع أحد يشرب منه؟ ما يستطيع أحد. والماء في الإسلام ثمين. الماء في الإسلام ثمين. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي له بماء ليتوضأ منه، ما كان يدخل يديه مباشرة في الإناء. وإنما كان يكفى على يديه من ماذا؟ من الإناء ثلاثًا، فيغسل يديه خارج الإناء ثلاثًا. بعد أن يغسل يديه ثلاثًا، يدخل يديه بالإناء، فيتوضأ وضوءه للصلاة. وفي حديث علي -الصحيح- بعد أن انتهى النبي صلى الله عليه وسلم من الوضوء، شرب فضل الوضوء. شرب فضل الوضوء من نفس الإناء الذي توضأ منه. هذا معناه أنه عليه الصلاة والسلام حافظ على نقاوة الماء. فالماء في الإسلام ثمين. وهكذا فعل علي رضي الله عنه؛ بعد أن انتهى من وضوءه، شرب فضل الوضوء. وقال: «هكذا رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ». وشرب الماء بعد وضوءه. فشرب علي الماء بعد وضوءه. وشرب التابعي الماء بعد وضوءه؛ اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم. فإذن النهي ليس لأجل نجاسة الماء. هذا أولًا. وليس لأجل أن الماء متحرك أو ساكن. وهذا ثانيًا. وليس كذلك لأجل أن الماء ينجس أو لا ينجس. وإنما لأجل أن الماء مظنة التغير بهذا الفعل. ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الاغتسال في الماء الدائم. فلما سألوا أبا هريرة: كيف نفعل؟ قال: «يتناوله تناولا». يعني: يغترف من هذا الماء. يغترف من هذا الماء. اغرف من الماء، واغتسل خارج هذا الماء الدائم. واغتسل خارج هذا الماء الدائم. ولهذا نستطيع أن نقول: من السنة، إذا أردت أن تغتسل في ماء دائم -يعني تسبح- فالأفضل أنك تغتسل أولًا. غسلك للجنابة في بيتك، أو في حمامات المسبح. ثم تغتسل في المسبح. لماذا؟ لأجل الفضلات التي في جسمك، والعرق وغير ذلك، يخرج. ثم بعد ذلك تدخل في المسبح. هذا يقلل التلويث، أو لا يقلل؟ يقلل التلويث. وهل تقليل التلويث للماء مطلوب شرعًا؟ نعم، مطلوب شرعًا. ما هي الأدلة؟ هذه الأدلة التي قرأناها. هذه الأدلة التي قرأناها. حتى ولو كان المسبح معدل السباحة. ليس معناه أننا نلوثه. فنحن نقلل التلويث قدر المستطاع؛ لأن الماء ثمين في الإسلام. وهكذا كذلك الحديث الذي بعده، أو الرواية الأخرى: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من جنابة». وفي رواية لمسلم: «لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري». الذي لا يجري. إذن فسر الآن الدائم بأنه ماذا؟ الذي لا يجري. ليس الدائم الذي لا يتحرك، وإنما الدائم الذي لا يجري. فقد فسرت هذه الرواية معنى الدائم الذي ورد في الحديث. وهكذا كذلك حديث جابر رضي الله عنه في صحيح مسلم: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل في الماء الراكد». ليس معنى الماء الراكد: أي الساكن غير المتحرك. وإنما المراد بالراكد الذي ماذا؟ الذي لا يجري. كالماء -كما قلنا- الذي يكون في القيعان، وفي الأودية وغير ذلك مما لا يجري. وأشار إلى رواية حديث البخاري، وفيها الذي سبق: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه». طيب. هل قوله: «ثم يغتسل فيه»، معناه: لا بأس أن تبول في الماء الذي لا يجري إذا لا تغتسل فيه؟ هل يفهم هذا؟ هذا ليس بالصحيح. هذا ليس بالصحيح. بل معناه أنه يشتد النهي إذا كان كذلك. فالنهي: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري»، هذا حكم. فهو محرم. يحرم البول في الماء الدائم، ثم يغتسل فيه. هذا تعليم لهذا التحريم. يعني أن تتمنع الناس من أن يغتسلوا من هذا الماء، بالتبول فيه. وأنت تمنع الناس من أن ينتفع الناس من هذا الماء بهذا التبول. وفي لفظ للترمذي: «ثم يتوضأ منه». وكل هذه الروايات صحيحة. وقد أشار في التعليق إلى ذلك. أشار في التعليق إلى ذلك. قال رحمه الله: «وغير هذه الروايات التي يفيد مجموعها النهي عن البول في الماء الدائم على انفراده». يعني: البول في الماء الدائم منهي عنه. والنهي عن الاغتسال فيه على انفراده، كذلك. النهي عن الاغتسال في الماء الدائم كذلك منهي عنه. والنهي عن مجموع الأمرين: يعني أن تبول وتغتسل. تبول وتتوضأ. كلاهما منهي عنه. كلاهما منهي عنه. فالكل منهي عنه. أربعة أشياء: أن تغتسل داخل الماء الدائم، أي غير الجاري. أو كذلك أن تبول في الماء الدائم الذي لا يجري. أو تتوضأ داخل الماء الذي لا يجري. يعني ترد فضلات الوضوء في هذا الماء. فكل منهي عنه. لماذا؟ لأجل لا يتلوث هذا الماء. وقوله رحمه الله: «ولا يصح أن يقال: إن روايتي الانفراد مقيدتان بالاجتماع». قال: «لأن البول في الماء على انفراده لا يجوز». فهذا أن الاغتسال أو الوضوء في الماء الدائم من دون بول فيه غير جائز. يعني معناه -كما تقدم- كل ما ورد منهي منهي عنه. وليس المقصود أنك لا تجمع بين الأمرين. يعني بين البول والاغتسال. فليس يفهم من الحديث أنه يجوز الاغتسال إذا كان ليس هناك بول. فإن هذا الفهم غير صحيح. كما لا يفهم من الحديث: يجوز البول إذا لم يكن فيه ماذا؟ اغتسال. كلا الأمرين فهم غير صحيح. بل الصحيح أنه ينهى عن البول فيه، وينهى عن الوضوء فيه، وينهى عن الاغتسال فيه. فما هو الذي يجوز؟ ها؟ من الجواب؟ ها؟ «يتناوله تناولا». نعم. الذي يجوز أن تأخذ منه، ثم تتوضأ خارجه. أو تأخذ منه، ثم تغتسل خارجه. ليس داخل هذا الماء. وقوله رحمه الله: «فمن لا يجد إلا ماءً ساكنًا، وأراد أن يتطهر منه، فعليه أن يحتال قبل ذلك بأن يحركه حتى يخرج عن وصف كونه ساكنًا، ثم يتوضأ منه». هل هذا الفهم صحيح؟ ها؟ ليس بصحيح؛ لأنه ليس المقصود حرك الماء ثم ادخل. لا، بل المراد لا تلوث الماء. هذا معنى الأحاديث واضح. قال: «وأما أبو هريرة فقد حمل النهي عن الانغماس في الماء الدائم؛ ولهذا قال لما سئل: كيف نفعل؟ قال: نتناوله تناولا». ولكن لا يتم ذلك في الوضوء؛ فإنه لا انغماس فيه. والصحيح أنه حتى في الوضوء يتم. كيف؟ كيف يتم؟ ها؟ عند من؟ كيف يتم في الوضوء؟ ها؟ عند من؟ من هذه الجهة؟ نعم. أن يعود فضلات الوضوء إلى نفس الماء. فهذا مثل الذي يغتسل داخل هذا الماء. فإذن نعمل بما أشار فيه، أو إليه أبو هريرة رضي الله عنه في الوضوء وفي الغسل. فالمقصود أن لا نرد فضلات المتوضئ، وفضلات المغتسل في نفس الماء. بل يكون ذلك خارج الماء. لماذا؟ حتى لا يبقى الماء حتى يبقى الماء نظيفًا، ولا يتلوث بالفضلات. وقوله رحمه الله: «فالأولى تحريك الماء قبل الشروع في الطهارة، ثم يتطهر به». هذه ظاهرية -كما تقدم- وليس بصحيح هذا الفهم. قال: «وقد ذهب الجمهور إلى خلاف ما دلت عليه هذه الروايات؛ فلم يفرقوا بين المتحرك والساكن. ومنهم من قال: إن هذه الروايات محمولة على الكراهة فقط». ولا وجه لذلك. «والصحيح أن هذه الأحاديث وردت بين معنى الكراهة والتحريم». فإن كان يلوث، فهو التحريم. وإن كان مظنة التلوث، فهو الكراهة. هذا بالنسبة للوضوء والغسل. وأما بالنسبة للبول، فالتحريم. بالنسبة للبول، فالتحريم. طيب. وسيأتي سبب التفريع؛ لأن الوضوء بفضل الماء، أو الوضوء بالماء المستعمل جائز مع الكراهة؛ إذا وجد التقدر، إذا وجد التقدر -كما سيأتي معنا إن شاء الله-. وقوله: «وقد قيل: إن المستبحر مخصوص من هذا بالإجماع». والراجح أن الماء الساكن لا يحل التطهر به ما دام ساكنًا؛ فإذا تحرك، عاد له وصفه الأصلي، وهو كونه مطهرًا. وهذه المسألة -كما قلنا- مما أنكر فيه على الشيخ والإمام رحمه الله تعالى. والصواب خلاف ذلك -كما سبقت الإشارة إليه-. طيب. قال رحمه الله تعالى: قوله: «مستعمل وغير مستعمل». هذه المسألة السادسة من مسائل الباب. وقد وقع الاختلاف بين أهل العلم في الماء المستعمل لعبادة من العبادات: هل يخرج بذلك عن كونه مطهرًا أم لا؟ فحكي عن أكثر العترة: أو العترة: يجوز هذا وذاك. وأحمد بن حنبل، والليث، والأوزاعي، والشافعي، ومالك في إحدى الروايتين عنهما، وأبي حنيفة في رواية عنه. هناك رواية أخرى: أنه خالف الجمهور في هذه المسألة. قال: «أن الماء المستعمل غير مطهر». واستدل بما تقدم من حديث النهي عن الاغتسال بالماء الدائم. ولا دلالة له على ذلك؛ لأن علة النهي من التطهر به ليست كون ذلك الماء مستعملًا، بل كونه ساكنًا. وعلة السكون لا ملازمة بينها وبين الاستعمال. واحتجوا أيضًا بما ورد من النهي عن الوضوء بفضل وضوء المرأة. ولا تنحصر علة ذلك في الاستعمال -كما سأتي تحقيقه إن شاء الله- فلا يتم الاستدلال بذلك لاحتماله. ولو كانت العلة الاستعمال، لم يختص النهي بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة، والعكس. بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحد عن كل فضل. ومن جملة ما استدلوا به: أن السلف كانوا يكملون الطهارة بالتيمم عند قلة الماء، لا بما تساقط منه. وهذه حجة ساقطة. لا ينبغي التعويل على مثلها في إثبات الأحكام الشرعية. فعلى هذا المستدل أن يوضح: هل كان هذا التكميل يفعله جميع السلف أو بعضهم؟ والأول باطل، والثاني لا ندري من هو؟ فليبين لنا من هو؟ على أنه لا حجة إلا الإجماع -عند من يحتاج بالإجماع-. وقد استدل بأدلة هي أجنبي عن محل النزاع؛ مثل حديث غسل اليدين ثلاثًا بعد الاستيقاظ قبل إدخالهما الإناء. ونحوه. فالحق أن المستعمل طاهر مطهر؛ عملًا بالأصل، وبالأدلة الدالة على أن الماء طهور. وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف والخلف. ونسب ابن حزم العطاء، وسفيان الثوري، وبيهثور، وجميع أهل الظاهر. ونقله غيره عن الحسن البصري، والزهري، والنقفي، ومالك، والشافعي، وأبي حنيفة؛ بإحدى الروايات عن الثلاثة المتأخرين. طيب. هذه هي المسألة الأخيرة من مسائل أحكام المياه، وهي التفريق بين الماء المستعمل وغير المستعمل. وقد أشار في هذه المسألة السادسة من مسائل الباب إلى أن العلماء اختلفوا في الماء المستعمل لعبادة من العبادات: هل يخرج عن كونه مطهرًا أم لا؟ فأشار إلى أن جماعة قالوا بأنه غير مطهر، وإن كان في نفسه طاهرًا. وذهب آخرون إلى خلاف ذلك؛ إلى أنه طاهر مطهر. وهذا هو الصحيح الذي دلت عليه عمومات الأدلة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مع بعض أزواجه من إناء واحد. وفي حديث عائشة: «توضأ معه بإناء واحد. كل منهم يغترف منه؛ حتى تقول: دعلي. ويقول: دعي لي». وهكذا كذلك تفضل. كذلك اغتسل بفضل بعض أزواجه. وأحاديث كثيرة في هذا الباب تدل على مشروعية الاغتسال والوضوء من فضل الزوجين؛ بعضهما من بعض. وإذا كان كذلك، فدل هذا على أن الماء المستعمل من فضل الطهارة ليس بنجس، ولا تذهب عنه وصف الطهورية؛ لا في نفسه، ولا لغيره. وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. وذهب بعض أهل العلم -كما أشار- إلى المنع من ذلك. واستدلوا بأشياء. وهذه الأشياء ليست صريحة، أو ليست صحيحة. فمن الأدلة التي ليست صريحة: ما استدل به -كما أشار- في حديث النهي عن الاغتسال بالماء الدائم. مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الإنسان في الماء الدائم. فقالوا: الماء الدائم، المتوضأ منه، والذي نهي عن الاغتسال فيه، مع النهي عن البول فيه، دل هذا على تحريم الحكمين: تحريم البول في الماء الدائم، وتحريم الوضوء والغسل في الماء الدائم. مرة معنا قبل قليل في الرواية: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ماذا؟ ثم يغتسل فيه». فالنهي الأول للتحريم اتفاقًا. والنهي الثاني فيه خلاف. ومنهم من قال: أنه كذلك للتحريم. والصحيح -جمعًا بين الأدلة الأخرى- أنه قد يصل إلى التحريم؛ إذا كان هو يغير الماء، ويلوثه، فيضر. والضرر محرم في الإسلام. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار». فإن كان لا يلوثه يقينًا، ولكنه مظنة التلوث، فيكون لماذا؟ للكراهة. يكون للكراهة؛ جمعًا بين الأدلة. وأما أنه إذا كان الأول محرمًا، فدلالة الاقتران -كما يقولون- تدل أن الثاني محرم. فهذا ليس بصحيح. ودلالة الاقتران استدلال بدلالة الاقتران استدلال ضعيف. استدلال ضعيف. والصحيح أن الاستدلال بدلالة الاقتران من الأدلة الضعيفة. ولهذا نظائر كثيرة. منها أحاديث الباب. وقد مرت معنا. وهي توضح وتبين أن ليس الحكم واحدًا فيما اقترن ذكره في الجملة الواحدة. ويؤيد ذلك أمثلة كثيرة. منها قول الله عز وجل: «وكلوا من ثمره إذا أثمر، وآتوا حقه يوم حصاده». هذه جملة. هل الحكمين واحد؟ هل إطعام الطعام من الثمر حكمه كحكم إعطاء الزكاة من الحصاد؟ الجواب: لا. الأول مستحب، والثاني ماذا؟ واجب. الأول مستحب، والثاني واجب. لماذا؟ لا نقول هنا: كلاهما واجب، أو كلاهما مستحب. في دليل ماذا؟ دلالة الاقتران. نقول: الأدلة فرقت. الأدلة فرقت. فرقت بين الأول؛ كونه مستحبًا، هو أمر، ولكن ليس كل أمر للوجوب. والثاني أمر، ولكنه للوجوب. فالأول مستحب، والثاني واجب. مع أنه مقترنًا في جملة معطوفة بالواو. ولا يعني أن المعطوف بالواو يقتضي تساوي الحكمين، واقتران الحكمين. كذلك يقال في هذه الجملة: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسل فيه». في لفظ للترمذي: «ثم يتوضأ منه». واضح. فإذا الصحيح التفريق في هذا. فيكون المعنى: أنه عن تلويث الماء. أنه عن تلويث الماء. وقوله رحمه الله: «ولا دلالة؛ لأن علة النهي من التطهر به ليست كون ذلك الماء مستعملًا، بل كونه ساكنًا». قوله: «كونه ساكنًا». علمنا أن هذا ليس بالصحيح. ولكن الصحيح كونه ماذا؟ راكدًا غير جاري. لماذا؟ لأنه مظنة التلوث. لأنه مظنة التلوث. إذن ليس النهي لأجل أنه ماء مستعمل. ولكن لأجل أنه ماء هو يكون مظنة التلوث. وهكذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم: «الرجل يتوضأ بفضل وضوء المرأة، والمرأة تتوضأ بفضل وضوء الرجل». الصحيح أن هذا للكراهة، وليس للتحريم. لماذا؟ لأنه مظنة التقدر. هذا أولًا. وثانيًا كذلك هو مظنة شيء آخر مما قد يقع من بعض الناس؛ إذا علم أن هذا فضل وضوء امرأة، أو علم كالمرأة أن هذا فضل وضوء رجل، فإنه يورث لبعض الناس أمراضًا في القلوب. بعض الناس مسكين مريض. إذا علم أن هذا فضل وضوء امرأة، ربما يفتتن به. وهكذا العكس. فلذلك أغلق لأجل لأجل التقدر. لأجل التقدر. ولكن ذكر هذا لوجود أكثر من علة -كما قال بعض أهل العلم-. فإذن ليس هو لأجل كونه مستعملًا، ويكون محرمًا. ولكن لأجل التقدر صار النهي. ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه أنه توضأ بفضل بعض ما أزواجه، واغتسل كذلك. واغتسل مع بعض أزواجه من إناء واحد. وقوله رحمه الله: «ولو كانت العلة للاستعمال، لم يختص النهي بمنع الرجل من الوضوء بفضل المرأة، والعكس. بل كان النهي سيقع من الشارع لكل أحد عن كل فضل». يعني كل فضل. ما من رجل ورجل ورجل، وامرأة... والصحيح أنه كذلك هو منهي من كل فضل. الصحيح أنه منهي من كل فضل. ولكن على هذا الوجه: زيادة نهي على هذا الوجه: زيادة نهي. هذا هو الصحيح؛ لأجل التقدر والتلوث. ويدل عليه الأحاديث التي مرت معنا في المسألة السابقة؛ في نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ في الماء الدائم، أو يغتسل في الماء الدائم. فهذا يدل على هذا العموم. وأنه ليس مخصوصًا بالذكر دون الأنثى، أو الأنثى دون الذكر. ولكن هنا لزيادة ما سبقت الإشارة إليه. وقوله رحمه الله: «من جملة ما استدلوا في أن السلف كانوا يكملون الطهارة بالتيمم عند قلة الماء». هذا يحتاج لدليل. ولو ثبت عن بعضهم، فالعبرة بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لا بما فهمه بعض السلف. والصحيح أن الأدلة تدل على ما تقدم؛ أن التفريق بين الماء المستعمل وغير المستعمل لأجل التقدر. نعم. أما لأجل النجاسة، وعدم التطهر، فلا. والصحيح: يجوز التطهر بالماء المستعمل. ولكن لا ينبغي أن يفعل؛ لأجل أن بعض الناس قد يتقذر من هذا. ولكن بين الزوجين: هل يحصل تقدر؟ لا يحصل تقدر. ولهذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. فنهي النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: «لا يتوضأ الرجل بفضل زوجته، ولا تتوضأ الزوجة بفضل ماذا؟ زوجها». ما جاء هكذا في الحديث. وإنما جاء بالحديث ماذا؟ «لا يتوضأ الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل». فجمعًا بين الأدلة، يعلم أنه لأجل التقدر والتلوث. وأما بين الزوجين، فلا تقدر ولا تلوث. ولهذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله أزواجه رضي الله عنهم. وهذا أفضل مما أشار إليه؛ بأن نقول: دلالة الأدلة على الكراهة. لماذا؟ لأن بهذا نعمل بعض الأدلة، ونبطل ماذا؟ الأدلة الأخرى. والقاعدة عند الأصوليين: أن إعمال الدليلين أولى من إهمال ماذا؟ أحدهما. كوننا نعطل بعض الأدلة، ونعمل بعض الأدلة، هذا قصور. فالأفضل والأحوط -وهو الذي قصد شرعًا- أن نعمل جميع الأدلة. فإعمال جميع الأدلة يكون بالتفصيل الذي سمعناه. فقال رحمه الله: «فالحق أن المستعمل طاهر مطهر؛ عملًا بالأصل، وبالأدلة الدالة». لكن هل مطلقًا نستعمل الماء؟ هو صحيح طاهر مطهر. لكن ليس معناه أنه يطلق استعماله بهذا الوصف. وإنما نفصل بين مواضع الاستقذار؛ فينهى عنه للكراهة. ومواضع غير الاستقذار؛ يعفى عنه لعدم وجود ماذا؟ الكراهة. وهذا هو الصحيح. والتفصيل في هذه المسألة. طيب. إلى هنا. والله تعالى أعلم. شكرًا.