الدرس في كتاب الطهارة 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشرح بمسائل الباب المتعلقة بطهارة الماء، حيث يتناول المؤلف مسائل متعلقة بالماء المطلق والماء المقيد. يناقش حكم طهارة الماء عند اختلاطه بمادة أخرى.
يتناول آراء الفقهاء في تعريف الماء القليل والكثير وتأثير النجاسة عليهما، ويرجح أن العبرة بوجود أثر النجاسة. كما يناقش صحة حديث القلتين وعلله.
يناقش صحة حديث القلتين ويبين علله ودرجة صحته، ويخلص إلى أن الحديث ضعيف. يشرح الآثار المترتبة على صحة أو ضعف الحديث على الأحكام الفقهية المتعلقة بطهارة الماء.
يناقش آراء الفقهاء في تقدير الماء القليل والكثير ونجاسة الماء، ويرجح أن النجاسة تثبت بوجود أثرها. يشير إلى اختلاف آراء أهل المذاهب الفقهية حول هذه المسألة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قبل الدخول في الدرس الجديد، سؤال يسير. أما مر معنا في الدرس السابق ما ذكره المؤلف رحمه الله، أن الماء طهور ولا يخرج عن هذه الطهورية إلا بتغير أحد أوصافه. ما هو الدليل على ذلك؟ الدليل على ذلك نعم، ما هو أحده؟ فيه طيب، والحديث حاله طيب، حديث ضعيف ومعناه صحيح، في إسناده رجل الدين بن سعد. مر معنا في إسناده رجل الدين بن سعد، هو ضعيف، ولكن معناه صحيح، وقام عليه الإجماع. قام على هذا المعنى الإجماع، وكما مر معنا أن الإجماع هل يوجد إجماع من دون أصل؟ لا يوجد، لابد لكل إجماع من أصل، الإجماع ما يأتي من فراغ، الإجماع الصحيح المعتبر لابد أن له أصل. نعم، فما هو أصل هذا الإجماع؟ ممكن نستأنس بأحاديث أو أدلة؟ ها هل ممكن؟ نعم. فضلًا أرفع صوتك. نعم، مفهوم لا ينجسه شيء، من أين أخذ؟ لكن فيه نص ممكن نستأنس به. نعم، حديث أنس في الصحيحين في بولة الأعرابي، مع كذلك لفظ هذا الحديث بدون الزيادة «الماء طهور لا ينجسه شيء»، فقوله «لا ينجسه شيء» لا شك أن هذا النفي له مفهوم، وهو أنه إذا وقعت النجاسة فتغيرت أوصاف الماء فإنه ينجس، وهذا المعنى الذي جاء فذلك صحت به آثار كثيرة عن الصحابة ومن بعدهم. طيب، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «مسألة الثالثة من مسائل الباب». ووجه ذلك أن الماء الذي شرع لنا التطهر به، والماء المطلق الذي لم يضف إلى شيء من الأمور التي تخالطه، فإن خالطه شيء أوجب إضافة إليه، كما يقال ماء ورد ونحوه، فليس هذا الماء المقيد بنسبته إلى الورد مثلًا هو الماء المطلق الموصوف بأنه طهور بالكتاب العزيز بقوله ﴿مَاءً طَهُورًا﴾ أو بالسنة المطهرة بقوله «الماء طهور»، وخرج بذلك عن كونه مطهرًا، ولم يخرج به عن كونه طاهرًا؛ لأن الفرض أن الذي خالطه طاهر، واجتماع الطاهرين لا يوجب خروجهما عن الوصف الذي كان مستحقًا لكل واحد منهما قبل الاجتماع. وكلامه هذا صحيح. بشرط أن لا ينتزع اسم الماء، فإذا انتزع اسم الماء فإنه لا يكون مطهرًا، لأن الله عز وجل تعبدنا لأن نتطهر بالماء، وما كان بمعنى الماء هو الذي بمعنى الماء. لا التراب ينوب عن الماء، لكن ما هو الذي بمعنى الماء؟ نعم، الثلج والبرد. نعم، الثلج والبرد، فنحن ندعو في دعاء استفتاح لأن يطهرنا الله بالماء والثلج والبرد. فلو أن إنسانًا تطهر بالثلج أو بالبرد جاز أو لم يجز؟ جاز، وهو بمعنى الماء. فما دام اسم الماء موجود أو ما كان بمعنى الثلج والبرد فيجوز التطهر به. أما إذا انتزع اسم الماء فإنه لا يكون مطهرًا، وهذا بحسب ما يغلب عليه. فماء الورد الذي خلط بالماء إن غلب الماء فهو ماء، وأما ماء الورد المستخرج من الورد فهو ليس بماء، إنما هو طيب نوع من الطيب، ولا يصح التطهر به. وهنا تنبيه أن المراد بالتطهر هو الطهارة المتعبد بها، الوبوء والاغتسال. أما مسألة إزالة النجاسة فهذا شيء آخر، سيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله. مثل ما مر معنا في المثال في الحليب، بودرة الحليب إذا خلطت بالماء فهو لا يسمى ماءً ولو كان فيه ماء أكثر من الحليب. أليس كذلك؟ أيهما أكثر ماء أو الحليب؟ لما تشرب الحليب الماء أكثر، ومع ذلك ما أحد يسمي هذا الحليب ماءً، يسميه حليبًا. فلا يصح التطهر به. نعم، ولو كان الماء أكثر. قال رحمه الله تعالى: «قوله ولا فرق بين قليل وكثير»، هذه المسألة الرابعة من مسائل الباب. والمراد بالقلة والكثرة ما وقع الافتراق بذلك بين أهل العلم بعد إجماعهم على أن ما غيرت النجاسة أحد أوصافه الثلاثة ليس بطاهر. فقيل إن الكثير ما بلغ قلتين، والقليل ما كان دونهما. لما أخرج أحمد وأهل السنن والشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدار قطني والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط الشيخين من حديث عبد الله بن عمر بن الخضاب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسأل عن الماء يكون في الفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع والدواب»، فقال: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبت». وفي لفظ لأحمد «لم ينجسه شيء». وفي لفظ لأبي داود «لم ينجسه». قالوا: أخرجوا بهذا اللفظ من الحبان والحاكم. قال ابن منده: «إسناد حديث القلتين على شرط مسلم». انتهى. ولكنه حديث قد وضع الاضطراب في إسناده ومتنه بما هو مبين في مواطنه. وقد أجاب من أجاب عن دعوى الاضطراب. وقد دل هذا الحديث على أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبت، وإذا كان دون القلتين فقد يحمل الخبت. ولكنه كما قيل: حديث «الماء طهور لا ينجسه شيء» في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها كذلك، يقيد حديث القلتين بها، فيقال: إنه لا يحمل الخبت إذا بلغ قلتين في حال من الأحوال إلا في حال تغير بعض أوصافه من نجاسة، فإنه حينئذ قد حمل الخبت بالمشاهدة وضرورة الحس، فلا منافاة بين حديث القلتين وبين تلك الزيادة المجمع عليها. وأما ما كان دون القلتين فهو مظنة لحمل الخبت، وليس فيه أنه يحمل الخبت قطعًا وبتًا، ولا أن ما يحمله من الخبت يخرجه عن الطهورية؛ لأن الخبت المخرج عن الطهورية هو خبت خاص، وهو الموجب لتغير أحد أوصافه أو كلها، لا الخبت الذي لم يغير. وحاصله أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين من أن ما دونهما قد يحمل الخبت لا يستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها. وأما يصير نجسًا خارجًا عن كونه طاهرًا فليس هذا المفهوم ما يفيد ذلك، ولا ملازمة بين حمل الخبت والنجاسة المخرجة عن الطهورية؛ لأن الشارع قد نفى النجاسة عن مطلق الماء كما في حديث أبي سعيد المتقدم، يعني «الماء طهور لا ينجس شيء». قال: وما يشد له؟ ونفاها عن الماء المقيد بالقلتين كما في حديث عبد الله بن عمر المتقدم أيضًا. وكان النفي بلفظ هو أعم صيغ العام، يعني «لا ينجسه شيء». قال: فقال: يا لأن «شيء» نكرة في سياق النفي. قال: فقال في الأول «لا ينجس شيء»، وقال في الثاني أيضًا كما في تلك الرواية «لم ينجس شيء»، فأفاد ذلك أن كل ماء يوجد على وجه الأرض طاهر إلا ما ورد به التصريح بما يخصص هذا العام مصرحًا بأنه يصير الماء نجسًا كما وقع في تلك الزيادة التي وقع الإجماع عليها، يعني إلا ما غلب على ريح أو لون أو طعم. قال: فإنها وردت بصيغة الاستثناء من ذلك الحديث، فكانت من المخصصات المتصلة بالنسبة إلى حديث أبي سعيد، ومن المخصصات المنفصلة بالنسبة إلى حديث عبد الله بن عمر على القول الراجح لأصول وهو أنه يبنى العام على الخاص مطلقًا. فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين وبين سائر الأحاديث. بل يقال فيه: إنما دون القلتين إن حمل الخبث حملًا استلزم تغير ريح الماء أو لونه أو طعمه فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية، وإن حمله حملًا لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزما للنجاسة. وقد ذهب إلى تقدير الماء القليل بما دون القلتين والكثير بما هو فيهما الشافعي وأصحابه، ومن أهل البيت الناصر والمنصور بالله. وذهب إلى تقدير القليل بما يظن استعمال النجاسة باستعماله، والكثير بما لا يظن استعمال النجاسة باستعماله ابن عمر ومجاهد من أهل البيت الهادي والمؤيد بالله وأبو طالب. وقد روي أيضًا عن الشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل. ولا أدري هل تصح هذه الرواية أم لا؟ فمذاهب هؤلاء مدونة في كتب أتباعهم، من أراد الوقوف عليها راجعها. واحتج أهل هذا المذهب بمثل قوله تعالى: ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وبخبر الاستيقاظ وخبر الولوغ وأحاديث النهي عن البول في الماء الدائم، وهي جميعها بالصحيح، ولكنها لا تدل على المطلوب. ولو فرضنا أن لشيء منها دلالة بوجه بدلالة الماء، كان ما أفادت تلك الدلالة مقيدًا بما تقدم؛ لأن التعبد إنما هو بالضوء الواقع على الوجه المطابق للشرع. على أنه لا يبعد أن يقال: إن العاقل لا يظن استعمال النجاسة باستعمال الماء إلا إذا خالط الماء بجرمها أو بريحها أو بلونها أو بطعمها مخالطة ظاهرة توجب ذلك الظن. ولا شك ولا ريب أن ما كان من الماء على هذه الصفة نجس؛ لأن المخالطة إن كانت بالجرم فالمتوضئ مستعمل لعين نجاسة، وإن كانت المخالطة بالريح أو اللون أو الطعم فلا مخالطة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه. والحاصل أنهم إن أرادوا بقولهم: «إن ظن استعمال النجاسة باستعماله وهو القليل وإن لم يظن فهو الكثير» ما هو أعم من عين النجاسة وريحها ولونها وطعمها، فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه إلا من جهة أن هؤلاء اعتبروا المظنة، وأهل المذهب الأول اعتبروا المئنة. ولكن لا يخفى أن المظنة إن كان في الصادرة من غير أهل الوسوسة والشكوك فهي لا تكاد تخالف المئنة بمثل هذا الموضع. وإن أرادوا استعمال العين فقط وعدم استعمال العين فقط فهو مذهب مستقل غير ذلك المذهب. ولكن الظاهر أنهم أرادوا المعنى الأول، ويدل على ذلك أنه قد وقع الإجماع على أن ما غير لون الماء أو ريحه أو طعمه من النجاسات أوجب تنجيسه كما تقدم تقريره. قال: فأهل هذا المذهب من جملة القائلين بذلك بدخولهم في الإجماع، بل هو مصرح بحكاية الإجماع في البحر كما تقدم. فتقرر بهذا أنهم يريدون المعنى الأول، أعني الأعم من العين والريح واللون والطعم ثبوتًا وانتفاءًا. وحينئذ فلا مخالفة بين المذهبين؛ لأن أهل المذهب الأول لا يخالفون في أن استعمال المطهر لعين النجاسة مع الماء موجب لخروج الماء عن الطهورية خروجًا زائدًا على خروج استعمال ما فيه مجرد الريح واللون والطعم. المؤلف رحمه الله كما نرى في هذه المسألة المسألة الرابعة الفرق بين القليل والكثير في الماء؛ لأن أهل العلم بعد أن اتفقوا على أن الكثير لا خلاف أنه لا يضره وقوع النجاسة فيه، وهو كالبحر وغيره. ولا يعني ذلك أن يباشر عين النجاسة، وإنما يريدون تأثر ذاك الكثير بالنجاسة. فإن الماء الكثير لا يتضرر بالنجاسة، لكن الخلاف وقع في القليل. ثم اختلفوا ما هو هذا القليل الذي تضرره النجاسة على أقوال كثيرة، أشهر هذه الأقوال القولين الذين أشار إليه المؤلف رحمه الله في هذا المبحث. القول الأول الذي رجحه هو رحمه الله التقييد بالقلتين، فما كان قلتين فأكثر فهو كثير، وما كان قلتين فأقل فهو قليل. واستدلوا بالحديث، وسيأتي الكلام على هذا الحديث. والقول الآخر وهو الذي رجحه المؤلف رحمه الله أنه لا فرق بين قلتين أو أكثر، استدلالًا بحديث أبي سعيد المتقدم وغيرها من الأحاديث التي تدل على أن الماء قد يطهر وإن خالطته النجاسة إذا ذهبت عين النجاسة. ومثلها حديث أنس في الصحيحين في قصة الأعرابي الذي بالى في طائفة المسجد، فلم يصبوا قلتين ليزيلوا النجاسة من المسجد، إنما صبوا ذنوبًا من ماء، يعني سطلًا من ماء. فعلى هذا رجح الشوكاني رحمه الله وجماعة من أهل العلم أن العبرة بوجود الأثر. فإن وجدت أثر النجاسة لون أو ريح أو طعم فهو النجس ولو كان أقل من القلتين. سواء صح الحديث أو لم يصح. إن لم يصح الحديث والحديث فيه خلاف كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله، فلا إشكال عندهم. بقي إذا صح الحديث قالوا: الحديث يدل على أن ما دون القلتين مظنة النجاسة، وليس مئنتها. يعني أن النجاسة إذا خالطت القليل الذي هو أقل من قلتين فالغالب أنه يتغير الماء الذي أقل من قلتين إذا خالطت النجاسة، فإنه يتغير. وإذا كان أكثر فالغالب أنه لا يتغير. لكن هذه المظنة قد لا تنضبط، فنرجع بعد هذا إلى المئنة. ما هي المئنة؟ أن العبرة إن وجد أثر النجاسة وإن لم يوجد الأثر لم يوجد الحق. إذن لا فرق بين هذا وبين هذا التقييم؛ لأن في النهاية نرجع إلى المظنة أو إلى المئنة. إلى المئنة. وأضرب لكم مثالًا: من يقول أنه يفرق بين القلتين وغير القلتين. لو وجدت نجاسة كثيرة وقعت في ماء هو فوق القلتين، فظهر أثر هذه النجاسة في الماء الذي هو أكثر من قلتين. هل سنستجيز التطهر بهذا الماء؟ لا يمكن، ولا أحد يقول بهذا من أهل العلم. إذن ما فائدة التقييد بالقلتين؟ هذا من حيث الدراية والمفهوم. إذن ما الفائدة؟ نرجع إلى الأول. الفائدة أن ما زاد عن القلتين مظنة عدم التلوث السريع، وما دون القلتين مظنة التغير والتلوث السريع. لكن في النهاية نرجع إلى المظنة أو إلى المئنة. إلى المئنة. واضح؟ هذا من حيث الدراية. بقي من حيث الرواية: الصحيح الذي عليه الكثير من أهل التحقيق في هذا الفن أن الحديث لا يصح. صحيح له طرق كثيرة، لكن عند تتبع هذه الطرق نجد أن الحديث لا يصلح أن يرتقي إلى الحسن لعدة علل. ممكن أن تختصر هذه العلل في أربعة أمور. الأمر الأول: اضطراب هذا الحديث من جهة السند، فمدار هذا الحديث على الوليد بن كثير، وقد اختلف عليه فيه. تارة يرويه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وتارة يرويه عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة يرويه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة يرويه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، مع أن الحديث واحد. مع أن الحديث واحد ومخرجه واحد. ولهذا حكم غير واحد من أهل العلم على هذا الحديث بالاضطراب. حكموا عليه بالاضطراب. وأما من جهة المتن فهو كذلك فيه اضطراب؛ لأن الحديث في كل أسانيده ضعف بين ضعف شديد وضعف ليس بشديد. لكن ليس دائمًا الحديث الذي ضعفه ليس بشديد يرتقي إلى الحسن. ليس دائمًا. ليس قاعدة مضطردة. نقول: الحديث إذا لم يشتد ضعفه وجاءت له طرق يرتقي إلى الحسن. لماذا؟ لأنه ربما يكون معللًا. أليس هناك حديث سنده صحيح؟ وأحيانًا متنه صحيح ومع ذلك نقول هو حديث معلل. ويكون في قسم الضعيف المعلل أو في قسم الصحيح. في قسم الضعيف حينما الإسناد ربما إسناد كما قيل على شرط الشيخين، لكن هناك علة لهذا الإسناد أوجبت ضعف هذا الحديث وكونه حديثًا معللًا لا يصح. إذن ليس دائمًا الحديث إذا كانت له طرق يرتقي بها إلى الحسن يكون حسنًا. وهذا الحديث من هذه الحديث. لماذا؟ لأنه له عدة علل، فهو من حيث الرواية لا يصح. ومن حيث الدراية كذلك لا يصح. أما من حيث الدراية كما تقدم معنا ما استندنا إليه من هذا الحديث، فرجعنا إلى المئنة ولم نرجع إلى المظنة. وأما من حيث الرواية فكما تقدم فيه عدة علل. أولها الاضطراب في السند. وثانيها الاضطراب في المتن. فمن الاضطراب في المتن أنه جاء «قلتين» وجاء في بعض الروايات «قلتين أو ثلاث» وجاء في بعض الروايات «أربعين قل». وكلها وإن كان بعضها أشد من بعض في قوة الرواية، لكن كلها ضعيفة. كلها فيها ضعف. فهذه الألفاظ المختلفة اضطراب أم ليس بالاضطراب؟ اضطراب. ماذا نأخذ؟ قلتين أم ثلاث أم أكثر؟ فلهذا حكم غير واحد من الحفاظ بأن الحديث مضطرب. العلة الثالثة أنه قد أعل الحديث بالوقف، فرجح غير واحد من أهل العلم أن الحديث الصحيح فيه الوقف على عبد الله بن عمر، ولم يصح مرفوعًا. وهذا هو الراجح. الراجح أن الحديث موقوف على ابن عمر. فقد جاء في رواية هي أصح الروايات من طريق مجاهد عن ابن عمر موقوفًا عليه. وهذا الذي رجحه الإمام البيهقي رحمه الله. وقد صحح في هذه الرواية الوقف على عبد الله بن عمر. وهذا الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وهكذا الإمام المزي رحمه الله. وهكذا ضعف هذا الحديث الإمام ابن القيم رحمه الله وجماعة من المحققين من أهل العلم. العلة الرابعة الشذوذ في هذه الرواية. نرى أن هذه الرواية تفرد بالرواية بها عن عبد الله بن عمر من طريق الوليد بن كثير. وليس في أحد ممن روى عنهم الوليد بن كثير بهذه الرواية من الثقات المشهورين من رواة ابن عمر كنافع وأيوب وسعيد بن جبير وسالم مولى ابن عمر وغيرهم من المشهورين الثقات الذين يروون عن ابن عمر. فكيف يمكن مثل هذا الحديث المهم الذي يعتبر فاصلًا في التمييز بين الماء الطاهر والنجس، وهو من أهم الأحاديث التي يحتاجها أهل الإسلام لا ينقله عن ابن عمر إلا أن يأتي من طريق الضعفاء أو أن ينحصر على طريق الوليد بن كثير؟ ولهذا حكم غير واحد من أهل العلم أن هذا الحديث شاذ. شاذ. يعني شد به الوليد بن كثير. ولهذا رجح غير واحد من حفاظ الوقف من طريق مجاهد عن ابن عمر. ويأصح الروايات في هذا الحديث. هذا باختصار. وإلا فالحديث فيه كلام كثير، حتى ألف بعضهم مؤلفًا في الكلام على هذا الحديث كالمقدسي بن عبد الواحد وغيرهم من أهل العلم. وهذا هو خلاصة ما يقال بهذا الحديث. هذا من جهة السنة. بقي من جهة المعنى كما تقدم معنى ما سبقت الإشارة إليه في مسألة المظنة والمئنة التي أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى. كذلك مما ذكره رحمه الله تعالى قوله «الماء طهور لا ينجسه شيء» قال بتلك الزيادة لتوقع الإجماع عليها. إلى أن قال: «فيقال إنه لا يحمل الخبث إذا بلغ قلتين في حال من الأحوال إلا في حال تغير بعض أوصافه بالنجاسة فإنه حينئذ حمل الخبث بالمشاهدة وضرورة الحس فلا منافاة بين حديث القلتين وبين تلك الزيادة المجمع عليها». يعني كما تقدم أن نهاية ما يفهم من حديث القلتين على القول بصحته هو ما يفهم من حديث «الماء طهور لا ينجسه شيء». هذا خلاصة ما ننتهي به. فإذن لا نقول بالتحديد بالقلتين؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا، والعبرة بمسألة وجود أثر النجاسة. ثم قال: «وحاصله أن ما دل عليه مفهوم حديث القلتين من أن ما دونهما قد يحمل الخبث لا يستفاد منه إلا أن ذلك المقدار إذا وقعت فيه نجاسة قد يحملها». كما قلنا: هذه هي المظنة. هذه هي المظنة. ولكن هذه المظنة على الصحيح لا يترتب عليها حكم. فلذلك لا نقول أن النجاسة إذا وقعت في ماء أكثر من قلتين فالماء طاهر على كل حال. بل نقول الماء طاهر إذا لم يظهر أثر النجاسة من لون أو ريح أو طعم. بقي إذا كان دون القلتين كذلك الصحيح أننا لا نمنع الناس من التطهر به ما دام أنه لا يوجد أثر لهذه النجاسة لا بلون ولا بريح ولا بطعم. هذا هو الصحيح في هذه المسألة، وهو الذي رجحه المؤلف، وهو الراجح بعد النظر في عمومات الأدلة والآثار المروية عن الصحابة ومن بعدهم. ثم قال رحمه الله: «وأما أنه يصير نجسًا خارجًا عن كونه طاهرًا فليس في هذا المفهوم ما يفيد ذلك ولا ملازمة بين حمل الخبث والنجاسة المخرجة عن الطهورية؛ لأن الشارع قد نفى النجاسة عن مطلق الماء كما في حديث أبي سعيد إلى آخره». كما ذكر رحمه الله. ويؤكد ما تقدم من أن حديث أبي سعيد أفاد أن حكم النجاسة والطهورية متلازمان. فإذا وجدت النجاسة زالت الطهورية، وإذا وجدت الطهارة ولم توجد النجاسة بقيت الطهورية. فبينهما تلازم عكسي. تلازم عكسي. وقوله: «وما يشهد له» ونفاه عن الماء المقيد بالقلتين كما في حديث عبد الله بن عمر المتقدم أيضًا. وكان النفي بلفظ هو أعم صيغ العام، يعني «لا ينجسه شيء» كما تقدم. وسبقت الإشارة إليه كذلك. يعني نقف على بعض العبارات لأجل إذا كان هناك إشكال توضح. قوله رحمه الله: «فتقرر بهذا أنه لا منافاة بين مفهوم حديث القلتين وبين سائر الأحاديث». يعني كما تقدم؛ لأن النهاية شيء واحد. قال: «بل يقال فيه إنما دون القلتين إن حمل الخبث حملًا استلزم تغير ريح الماء أو لونه وطعمه فهذا هو الأمر الموجب للنجاسة والخروج عن الطهورية، وإن حمله حملًا لا يغير أحد تلك الأوصاف فليس هذا الحمل مستلزما للنجاسة». ومعناه أنه يبقى على الصحيح على الطهورية خلافًا لقول الشافعية وبعض الحنابلة في التقييد بالقلتين. فنرجع إلى القول الراجح وهو قول الإمام مالك وجماعة من الصحابة والتابعين. ولا إمام غزالي عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وجماعة كما أشار إليه إلى بعض ذلك هاهنا رحمه الله تعالى. ثم أشار إلى أقوال الناس في المسألة. قال: «وقد ذهب إلى تقدير الماء القليل بما دون القلتين والكثير بما هو فيهما الشافعي وأصحابه ومن أهل البيت إلى آخره». وأنه لاحظ أن هنا ينقل عن بعض أهل البيت لأجل أن يبين أن المسألة وقع فيها خلاف حتى بين الرافضة والشيعة. فيريد أن يبين هذا حتى لا يظن أن قوله هذا قولًا شاذًا. بل حتى هؤلاء الشيعة قد اختلفوا في هذه المسألة. وكذلك قال: «وقد روي أيضًا عن الشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل ولا أدري هل تصح إلى آخره». يعني أن المسألة فيها خلاف حتى بين أهل المذهب الواحد. وقع خلاف بين أهل المذهب الواحد. فبعض الشافعية لا يوافق على حديث القلتين. مثل من؟ مثل البيهقي، وهو من الشافعية. فهو يضعف الحديث مرفوعًا، وصححه موقوفًا عن ابن عمر. ثم قال رحمه الله: «واحتج أهل هذا المذهب بمثل قوله ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ وبخبر الاستيقاظ وخبر الولوغ». ماذا يريد بهذا؟ يريد أن هؤلاء يقولون: نستأنس بهذه الأحاديث على أننا نترك الطهارة بالماء ولو لم نرى أثر النجاسة. واضح؟ نترك الطهارة بالماء ولو لم نرى أثر النجاسة. فأقل من القلتين إذا وقعت فيه النجاسة ولم يتغير لونه أو ريحه وطعمه نترك التطهر به. لماذا؟ قالوا: لحديث القلتين. نحن نفهم من حديث القلتين أن ما زاد عن القلتين لم يحمل الخبث. فإذا رأينا الخبث تركنا التطهر به ولو كان أكثر من القلتين. وما كان دون القلتين إن لم نرى الخبث إن رأينا الخبث فسنتركه بلا خلاف. لكن إذا لم نرى الخبث فكذلك سنترك التطهر به. لماذا؟ قالوا: لأنهم ظنوا الخبث. طيب، فأي حق تتركه؟ قالوا: نستأنس بعموم قول الله عز وجل ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ونستأنس بحديث النهي عن استخدام الماء الذي يستيقظ فيه. وفي كذلك الماء المولوغ فيه. يعني إذا ولغ الكلب إناء أحدكم. وعن النهي في البول في الماء الدائم. والصحيح أن هذه الأحاديث والأدلة لا تفيد نجاسة الماء. لا تفيد نجاسة الماء. فنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخل الرجل يده في الإناء بعد أن يستيقظ ليس معناه أنه إذا وقع ذلك صار الماء نجسًا. فالصحيح أن الأمر تعبدي. ولو كان هو مظنة النجاسة؛ لأنه قال: «فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». لكن إذا قدر أنه وقع فلا نقول أن الماء نجس. وهكذا ولوغ الكلب. الصحيح من أقوال أهل العلم أنه أمر تعبدي. وقد اختلف أهل العلم في الماء المولوغ فيه هل هو نجس أو ليس بنجس؟ والراجح والله أعلم أنه ليس بنجس. وسيأتي معنا إن شاء الله. وهكذا الماء الدائم. وسيأتي الكلام عليه. الصحيح أنه مظنة النجاسة، ولكن لا يعني ذلك أنه نجس. فنرجع إلى ما تقدم أن النجاسة حكمها يثبت بوجود أثرها. ثم أشار إلى شيء وهو قوله: «على أنه لا يبعد أن يقال إن العاقل لا يظن استعمال النجاسة باستعمال الماء إلا إذا خالط الماء بجرمها أو بريحها أو بلونها أو بطعمها». أما بجرمها معناه أنك ترى عين النجاسة. الجرم عين الشيء. عين الشيء. وأما الريح واللون والطعم وهو ظاهر. وهذا قد سبق الكلام عليه. طيب، في الأخير يقول: «وذلك المذهب الذي رجحناه». يعني أنه رجع إلى ظهور الأثر. إذا ظهر أثر الريح واللون والطعم في الماء قليل أو كثير فهو نجس. وإلا فهو ليس بنجس. وهو مذهب الإمام مالك كما قلنا وجماعة من أهل العلم. بل روي عن جماعة من الصحابة. قال: «والحاصل أنهم إن أرادوا بقولهم إن ظنوا استعمال النجاسة باستعماله فهو القليل وإن لم يظن فهو الكثير» ما هو أعم من عين النجاسة وريحها ولونها وطعمها. فلا مخالفة بين هذا المذهب وذلك المذهب الذي رجحناه إلا من جهة أن هؤلاء اعتبروا المظنة، وأهل المذهب الأول اعتبروا المئنة. وقد مر معنا تفسير المظنة وتفسير المئنة. نعم، قال: «ولكن لا يخفى أن المظنة إذا كانت هي الصادرة من غير أهل الوسوسة والشكوك فهي لا تكاد تخالف المئنة في مثل هذا الموضع». معناه إذا كان هو مظنة إذن ليس معناه أنك تترك لأجل ظن ولا يوجد يقين. بل الأصل في الشرع بقاء ما كان على ما كان. ولا يزيل الشك اليقين. ولا يزيل الشك اليقين إلا بيقين. ثم قال: «وإن أرادوا استعمال العين فقط وعدم استعمال العين فقط فهو مذهب مستقل غير المذهب الأول». يعني إذا أرادوا أن يستخدم عين هذا العدد وعين هذا العدد فهذا شيء آخر. ليس له أصل لا من كتاب ولا من سنة. ولا عرف عن أحد من الأئمة. ثم في الأخير ختم بقضية «استفتي قلبك وإن أفتاك المفتون». يعني أنك إذا أردت السلامة فخذ بالأحوط. وهذا ليس بالصحيح. ليس دائمًا الأخذ بالأحوط هو الصواب. فنحن لا نشق على الناس بهذه القاعدة التي تورث المشقة. وهكذا كذلك تحريم شيء ليس عندنا فيه دليل صحيح صريح. ليس عندنا فيه شيء صحيح صريح. ثم ختم بأقوال شاذة: أن منهم من فرق بين القليل والكثير بأنك إذا حرك طرفه تحرك الطرف الآخر. الصحيح أن هذا ليس بعبرة. وقد يكون هناك بئر مستبحرة إذا حرك طرفها تحرك الطرف الآخر؛ لأن الطرفين عبارة عن متر أو مترين سيتحرك أو لا يتحرك. بينما البئر عمقها ربما مليون متر. يوجد أو لا يوجد. ممكن يوجد. لماذا لا؟ فهذا الماء الكثير نلغيه ونقول لأجل أنه تحرك الطرف الآخر. هذا ليس بالصحيح. فالصحيح أن هذا ليس له ما يدل عليه لا من كتاب ولا من سنة. ولا كذلك من عرف وواقع الناس. وهكذا كذلك من حدده بالمساحة. وهذا كذلك لا دليل عليه. والصحيح ما تقدم وما أشار إليه رحمه الله تعالى. طيب، هذا خلاصة ما يذكر في هذا المبحث. ونقف هاهنا لانتهاء الوقت. والله تعالى أعلم.