كتاب الإيمان 52

كتاب الإيمان 52

64-باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار . 65-باب آخر أهل النار خروجا . 66-باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها . 67-باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته . 68-باب في قوله تعالى [وأنذر عشيرتك الأقربين] . 69-باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه . 70-باب أهون أهل النار عذابا.

شرح أحاديث الشفاعة وإخراج الموحدين من النار

يشرح الشيخ أحاديث الشفاعة وإخراج الموحدين من النار، ويذكر أسانيد الأحاديث السابقة. يبين تفاصيل الشفاعة النبوية وإخراج الموحدين من النار.

تفاصيل شفاعة الأنبياء يوم القيامة وتسلسلها

يوم القيامة، يذهب الناس إلى الأنبياء ليشفعوا لهم عند الله، فيبدأون بآدم حتى يصل الناس إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يشفع لأمته. يُقبَل شفاعة النبي محمد، فيشفع لأمته ويدخل بعضهم الجنة بغير حساب.

أنواع الشفاعة وشروطها في يوم القيامة

يتناول المقطع تفاصيل الشفاعة في يوم القيامة، مشيرًا إلى أنواعها وشروطها. يبرز فضل الله عز وجل ورحمته في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والصالحين.

شفاعة النبي لأهل الجنة ودخولهم وبيان الأخطاء في فهمها

النبي صلى الله عليه وسلم خص بشفاعة لأهل الجنة لدخولها، وهو أول شفيع في الجنة. الشفاعة لا تقبل إلا بشروطها، وقد أخطأ بعض الفرق في فهم الشفاعة، مثل الوعيدية والمرجئة والمتصوفة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أولًا نذكر أسانيد أحاديث الدرس السابق، ثم نشرع في الدرس الجديد. مرة معنا في الدرس السابق حديث عائشة رضي الله عنها، عن مسروق عنها، وقد خرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا يحيى، قال: حدثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر عن مسروق عنها، فذكره بلفظه. والحديث الذي بعد حديثها عائشة أخرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن أسماء، قال: حدثنا محمد بن عبد الله عن ابن عون، قال: أنبأنا القاسم عن عائشة، فذكره بلفظه. وحديث أبي موسى أخرجه البخاري بالباب المشار إليه، فقال: حدثنا عبد الله بن أبي الأسود، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد القمي، قال: حدثنا أبو عمران الجوني عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه -أي أبي موسى عبد الله بن قيس-. وحديث أبي هريرة في باب معرفة طريق الرؤية أخرجه كذلك البخاري بالباب المشار إليه بلفظه، فقال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعطاء بن يزيد الليثي أن أبا هريرة أخبرهما، فذكر الحديث بلفظه. وحديث أبي سعيد الذي بعده أخرجه البخاري كذلك في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبي هلال عن زيد بن عطاء عن أبي سعيد الخدري، فذكره بلفظه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب إثبات الشفاعة وإخراج الموحدين من النار. قال: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يقول الله تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان»، قال: «فيخرجون منها قد سودوا، فيلقون في نهر الحياة أو الحياة -شك- أو شك من أحد رجال السند»، قال: «فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية»، قال: أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال. قال: باب آخر أهل النار خروجا، قال: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها، وآخر أهل الجنة دخولا، رجل يخرج من النار كبوًا»، فيقول الله: «اذهب فادخل الجنة»، فيأتيها فيخير إليه أنها ملآة، فيرجع، فيقول: «يا رب وجدتها ملآة»، فيقول: «اذهب فادخل الجنة»، فيأتيها فيخير إليه أنها ملآة، فيرجع، فيقول: «يا رب وجدتها ملآة»، فيقول: «اذهب فادخل الجنة، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها -أو إن لك مثل عشرة أمثال الدنيا-»، فيقول: «تسخر مني أو تضحك مني وأنت الملك»، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه، وكان يقال: «ذلك أدنى أهل الجنة منزلة»، قال: أخرجه البخاري بكتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار. قال: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، قال: حديث أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مكاننا»، فيأتون آدم، فيقول: «ليس أنتم»، ويذكر خطيئته، ويقول: «ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله»، فيأتونه، فيقول: «ليس أنتم»، ويذكر خطيئته، «ائتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا»، فيأتونه، فيقول: «ليس أنتم»، ويذكر خطيئته، «ائتوا موسى الذي كلمه الله»، فيأتونه، فيقول: «ليس أنتم»، فيذكر خطيئته، «ائتوا عيسى»، فيأتونه، فيقول: «ليس أنتم»، «ائتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر»، فيأتوني، فاستأذنوا على ربي، فإذا رأيته وقعت ساجدا، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: «ارفع رأسك، سل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع»، قال: «فأرفع رأسي، فأحمد ربي بتحميد يعلمني»، ثم اشفعوا، قال: «فيحدوا لي حدا، ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة»، ثم عودوا، فأقع ساجدا مثله، في الثالثة والرابعة، حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن»، أخرجه البخار بكتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار. قال: حديث أنس بن مالك، قال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم في بعض»، فيأتون آدم، فيقولون: «اشفع لنا إلى ربك»، فيقول: «لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم فإنه خليل الرحمن»، فيأتون إبراهيم، فيقول: «لست لها، ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله»، فيأتون موسى، فيقول: «لست لها، ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته»، فيأتون عيسى، ويقول: «لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم»، فيأتوني، فأقول: «أنا لها»، فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بذلك المحامد، وأخر له ساجدا، فيقول: «يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطى، واشفع تشفع»، فأقول: «يا رب أمتي أمتي»، فيقال: «انطلق فأخرج منها من كان بقلبه مثقال شعيرة من إيمان»، فانطلق، فأفعل، ثم أعود، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: «يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطى، واشفع تشفع»، فأقول: «يا رب أمتي أمتي»، فيقال: «انطلق فأخرج منها من كان بقلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان»، فانطلق، فأفعل، ثم أعود، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: «يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطى، واشفع تشفع»، فأقول: «يا رب أمتي أمتي»، فيقال: «انطلق، فقال: فأخرج من كان بقلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبة خردل من إيمان، فأخرجه من النار»، قال: «فانطلق، فأفعل»، ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا، فيقال: «يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطى، واشفع تشفع»، فأقول: «يا رب، إذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله»، فيقول: «وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله»، قال: أخرجه البخاري بكتاب التوحيد، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم. قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم، فرفع إليه الذراع، وكانت تعجبه، فنهس منها نهسة، ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟»، يجمع الناس الأولين والآخرين في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: «ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟»، فيقول بعض الناس لبعض: «عليكم بآدم»، فيأتون آدم عليه السلام، فيقولون له: «أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟»، فيقول آدم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح»، فيأتون نوحا، فيقولون: «يا نوح، إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟»، فيقول: «إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم»، فيأتون إبراهيم، فيقولون: «يا إبراهيم، أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟»، فيقول لهم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى»، فيأتون موسى، فيقولون: «يا موسى، أنت رسول الله، فاضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟»، ويقول: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفسا لم أمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري -أو إلى عيسى-»، فيأتون عيسى، ويقولون: «يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمة ألقاها إلى مريم، وروح منه، وكلمت الناس في المهد صبيا، اشفع لنا، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟»، فيقول عيسى: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنبا، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم»، قال: فيأتون محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقولون: «يا محمد، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟»، قال: «فأنطلق، فآتي تحت العرش، فأقع ساجدا لربي عز وجل، ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبله»، ثم يقال: «يا محمد، ارفع رأسك، سل تعطه، واشفع تشفع»، فأرفع رأسي، فأقول: «أمتي يا ربي، أمتي يا ربي»، فيقال: «يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب»، ثم قال: «والذي نفسي بيده، إن ما بين المصرعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير -أو كما بين مكة وبصراء-»، قال: أخرجه البخاري بكتاب التفسير، سورة الإسراء، باب ذرية من حملنا مع نوح. قال: باب اختباء النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الشفاعة لأمته، حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل نبي دعوة يدعوها، فأريد -إن شاء الله- أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة»، قال: أخرجه البخاري بكتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾. قال: حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل نبي سأل سؤالا -أو قال: لكل نبي دعوة يدعوها- فأنا أريد -إن شاء الله- أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة»، قال: أخرجه البخاري في كتاب الدعوات، باب لكل نبي دعوة مستجابة. قال: باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال: حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال: «يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أغني عنك من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا»، قال: أخرجه البخاري بكتاب الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب. قال: حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قال: ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا، فهتف: «يا صباحاه»، فقالوا: «من هذا؟»، فاجتمعوا إليه، فقال: «أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟»، قالوا: «ما جربنا عليك كذبا»، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، قال أبو لهب: «تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا»، ثم قام، فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، قال: أخرجه البخاري بكتاب التفسير، سورة تبت يدا أبي لهب وتب. قال: باب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، قال: حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما أغنيت عن عمك؟ فإنه كان يحوطك ويغضب لك»، قال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»، قال: أخرجه البخاري بكتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب. قال: حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وذكر عنده عمه، فقال: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من نار، يبلغ كعبيه، يغلي منه دماغه»، قال: أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب. قال: باب أهون أهل النار عذابا، قال: حديث النعمان بن بشير، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة لرجل توضع في أخمص قدميه جمرة، يغلي منها دماغه»، أخرجه البخاري بكتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الأحاديث في سياق ذكره لأحاديث الشيخين المتفق عليهما مما لها تعلق بكتاب الإيمان. وكما نرى هذه الأبواب، الأحاديث تدور حول مسائل الشفاعة. أولها حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وقد أخرجه الإمام البخاري في الباب المشار إليه، فقال: حدثني إسماعيل، قال: حدثني مالك عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فذكره بلفظه. وفي هذا الحديث إثبات نوع من أنواع الشفاعة، وهي شفاعة رب العالمين، فيخرج الله عز وجل بعد شفاعة الأنبياء والملائكة والصالحين من عباد الله أقوامًا إلى الجنة بغير عمل عملوه. وفي هذا الحديث شيء من الاختصار، فقد جاء في الأحاديث السابقة ما يفسر ذلك ويوضحه ويبينه، فإنه جاء في بعض الروايات -في رواية لمسلم- بعد ذكر شفاعة الأنبياء والمرسلين والملائكة والصالحين، يقول ربنا جل وعلا: «بقيت شفاعة رب العالمين»، فيشفع الله عز وجل، فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوامًا لم يعملوا خيرًا قط إلى نهر يقال له: نهر الحياة. وقوله في هذه الرواية: «الحياة أو الحياة -شك من أحد رجال السند-»، الصواب: «والحياة»، ويجوز: «الحياة» بالاختصار، لكن تفسرها الروايات الأخرى، فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل، كما جاء مفسرًا في حديث أبي سعيد وغيره. ما كان منها إلى الظل كان أصفر أو أبيض، وما كان منها إلى الشمس -أو لغير الظل أو الحرور- كان أخضر، وهذا من فضل الله عز وجل عظيم رحمته. وهؤلاء هم أهل الإيمان، والقرآن والسنة يفسر بعضهما بعضًا. وفيه كذلك -أي هذا الحديث- ما جاء مفصلًا في بعض الأحاديث الأخرى، فالسنة يفسر بعضها بعضًا. فيخرجون منها قد يسودون، يعذب أهل النار في النار بقدر ذنوبهم، وبعد هذا التعذيب -كما رجح المحققون- أن نار الموحدين لا تفنى، ولكنها تقف في التعذيب، فيعذبون بقدر ذنوبهم، ثم يوقف تعذيبهم حتى يأذن الله عز وجل بشفاعة الشافعين. وبهذا تجتمع الروايات المروية في هذا الباب، لا القول بفناء النار، فإن النار لا تنفى، ولكن المعنى: توقف عذاب أهل التوحيد في النار بعد استحقاق ما يستحقون. ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود، وفيه كذلك معنى من معاني الشفاعة وخروج أهل التوحيد من النار، خلافًا لمن نفى ذلك من أهل الباطل، أهل البدع والأهواء، في رجل آخر أهل النار خروجا من النار، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة. وقد جاء معناه في حديث أبي سعيد المتقدم، وجاء كذلك معناه من حديث أبي هريرة. والمقصود من هذا: أن الله عز وجل يتفضل على هذا المسلم الذي خرج من النار بهذا الفضل. ففيه إثبات الشفاعة، وفيه خروج أهل النار من النار من أهل التوحيد، لا كما تقول الوعيدية: من دخلها لم يخرج منها. وفيه سعة رحمة الله وفضله وعظيم عطائه ومنته. فيعطيه عشرة أضعاف ما في الدنيا. وفيه كذلك من المسائل: توسع الجنة، وقد صح هذا المعنى في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تزال في التساع، والنار لا تزال تضغط بأهلها. وفيه شيء من صفة الجنة والنار، وقد جاءت أحاديث كثيرة مر بعضها، وسيأتي البعض الآخر. ولهذا ذكره البخاري في باب صفة الجنة والنار. وفيه تفاضل كذلك أهل الإيمان بالأعمال، فهم يتفاضلون في النعيم كما يتفاضلون إذا وقع العذاب بالذنب يتفاوتون في ذلك. ثم ذكر حديث أنس رضي الله عنه، وهو كذلك فيه معنى ما تقدم، وفيه إثبات نوع من أنواع الشفاعة لنبينا صلى الله عليه وسلم. وينبغي أن نعلم هنا أن الشفاعة شفاعتان في نصوص الكتاب والسنة: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فأما الشفاعة المنفية والتي يستدل بها الوعيدية على نفي الشفاعة، فهي الشفاعة التي تخلفت فيها شروط الشفاعة، وهي التي كان يتعلق بها أهل الجاهلية وأهل الشرك. مثل ذلك من الشفاعة المنفية: ظن المشركين أن بعض الصالحين يشفع لهم مع شركهم، أو بعض الأصنام والأوثان لعظم قدرها ومنزلتها تشفع لهم عند الله. وأن مكانة هؤلاء الصالحين -أو الأنبياء أو الملائكة أو الأصنام التي عبدوها من دون الله ومع الله- كمنزلة الملوك بعضهم مع بعض. فكما لا يمكن للملك رد شفاعة شافع -إما رغبة وإما رهبة- فكذلك شفاعة هذه المعبودات -كما ظنوا-. وهذا ظن المشركين، فهذا المعنى من الشفاعة منفي، وذلك لتخلف شروط الشفاعة فيها. وأما الشفاعة المثبتة، فهي التي توفرت فيها ثلاثة شروط: الرضا عن الشافع، والرضا عن المشفوع له، والإذن بالشفاعة، كما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة. ولهذا -كما سيأتي معنا إن شاء الله- نرى أن من أذن لهم بالشفاعة لا يؤذن لهم إلا في من رضي الله من أعمالهم ما يشفع لهم. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام -كما سيأتي-: «يا فلان ابن فلان، ويا فلان بنت فلان، لا أغني عنكم من الله شيئا»، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم على عظيم منزلته لا يشفع إلا لمن أذن له، فكيف بغيره؟ وبهذا يتحقق ما سبق من تأكيد انقسام الشفاعة إلى قسمين: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فالمنفية: ما تخلف فيها شروط الشفاعة أو بعضها. والمثبتة: ما توفرت فيه شروط الشفاعة وهي ثلاثة. ثم هذه الشفاعة المثبتة فضل من الله عز وجل يملكها وحده، فالشفاعة لله، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه؟ قل لله الشفاعة جميعًا، فهي لله سبحانه وتعالى وحده، يأذن بها لمن يشاء مع الرضا عن الشافع والمشفوع له. وهي تنقسم إلى قسمين: شفاعة يشترك فيها عدد من عباد الله، وشفاعة خص بها بعض من خصهم الله عز وجل لها. فأما الشفاعة التي يشترك فيها عدد من خلق الله، فهي الشفاعة العامة، كشفاعة خروج من دخل النار من النار، فهي يشفع بها الملائكة وعدد من الرسل والأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين. وهكذا كذلك فيمن دخلها أن يخفف عنه -في قول بعض أهل العلم-، وبعضهم جعل ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك شفاعات هي من خصائص نبينا عليه الصلاة والسلام، أولها: الشفاعة في فصل القضاء لأهل الموقف، وهو ما جاءت به هذه الأحاديث: حديث أنس، وهكذا كذلك حديث أبي هريرة، ومعناه في حديث أبي سعيد. وفيها فضل النبي صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء والمرسلين عليه الصلاة والسلام، فإن الأنبياء والرسل جميعًا يتراجعون عنها حتى ترجع إليه عليه الصلاة والسلام، وهذا يدل على فضله صلى الله عليه وسلم. وفي كل فضل، وفيها كذلك -أي هذا الحديث وما بعده- تفاوت الناس في أعمالهم، فإذا كان الرسل عليه الصلاة والسلام يتفاوتون في الفضل، كما قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، فمن دونهم من باب أولى. وفيه كذلك عدم علم النبي صلى الله عليه وسلم للغيب. وفيه كذلك إثبات من الأسماء والصفات ما لله مما لم يعلمه عدد من رسله وأنبيائه. وهذا الحديث مع أحاديث أخرى كثيرة تدل على هذا المعنى، خلافًا لبعض أهل البدع والأهواء الذين زعموا أنه ليس لله اسم ولا صفة إلا ما علم. ففيه: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو استأثرت به في الغيب عندك، أو علمت به أحدًا من خلقك». وهنا: «فأحمده بمحامد لا أعلمها الآن -أو لا تحضرني الآن-»، وفي الرواية الأخرى: «يعلمني الله إياها»، وفي الرواية الأخرى: «يفتح الله عز وجل علي بها»، فكلها تدل على هذا المعنى. وأما النوع الثاني من الشفاعة التي خص بها النبي عليه الصلاة والسلام، فالشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فقد جاء عند مسلم من حديث أبي هريرة، وحديث حذيفة، ومعنى من حديث أنس: أنه أول شفيع في الجنة، فيستفتح لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة، فيدخل هو وأمته، فإن أول من يدخل الجنة محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، وهذا مما خص به عليه الصلاة والسلام. وفي حديث أنس: «إلا من حبسه القرآن»، يعني: ممن حكم عليه بالخلود، وهم غير أهل التوحيد، أهل الكفر والشرك والنفاق، وقد جاء في رواية عند البخاري وغيره: «إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود»، هكذا جاء مرفوعًا، وفسره البخاري، قال أبو عبد الله: «يعني قول الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾». ثم ذكر حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه معنى ما تقدم، وبعض الزيادات على ما سبقت الإشارة إليه. وقد أخرجه البخاري في الباب المشار إليه في كتاب التفسير، فقال: حدثنا محمد بن مقاتل، قال: حدثنا عبد الله، قال: أخبرنا بحي التيمي عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة، فذكره بلفظه. وذكر في هذا الحديث: «كما بين مكة وحمير». وفي رواية: «مكة وهجر». وفي رواية: «مكة وبصراء». وكلها مسافات متقاربة، فإن مكة وسط بالنسبة لهذه المواضع الثلاثة: شمالًا وجنوبًا وشرقًا. وفيه كذلك من المسائل: هذه الأوصاف المذكورة في حق الجنة وأهلها. ثم ذكر حديث أبي هريرة في اختباء الشفاعة لهذه الأمة، أن النبي صلى الله عليه وسلم اختبأ دعوته -أي المستجابة- شفاعة لأمته. وفي هذا إثبات أمر الشفاعة، وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام صريحًا: شفاعة لأهل الكبائر من أمتي. وهكذا الحديث الذي بعده: حديث أنس، وقد أخرج البخاري حديث أبي هريرة في الباب المشار إليه، فقال: حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة الحديث. وهكذا حديث أنس أخرجه البخاري في الباب المشار إليه، فقال: قال لي خليفة، قال: معتمر، سمعت أبي عن أنس، فذكره بلفظه. وفيه ما تقدم. وحديث أبي هريرة في ذكر إنذار النبي صلى الله عليه وسلم لعشيرته الأقربين ونزول هذه الآية. وفيه ما تقدم من أن الشفاعة لا تقبل إلا بشروطها. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم تبرأ أن يملك شيئًا لأقرب الناس إليه، فكيف بمن دونهم؟ وبه نعرف خطأ طرف آخر أخطأوا في باب الشفاعة. فالوعيدية أخطأوا بنفي الشفاعة عن أهل الكبائر والمعاصي. وفي مقابل هؤلاء المرجئة، وخصوصًا منهم المتصوفة، من لهم لوثة شركية، حتى أثبتوا وقوع الشفاعة لأهل البيت ومن والاهم، ولو كانوا من أفجر الناس، أفسد الناس. وزعموا أن ذلك مقتضى حب أهل البيت وفضلهم، وجهلوا مثل هذه الأحاديث التي فيها هذا المعنى. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر في هذا الحديث -وما كان بمعناه- أنه لا يملك لأخص قرابته شيئًا، حتى ابنته، فكيف بمن دونهم؟ بل أدلة الكتاب مليئة بهذا المعنى. فإذا كان عم النبي صلى الله عليه وسلم نزل في حقه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فكيف يزعم زاعم -وأبعد من أن يكون عمًا- أنه مهما فعل من السوء أو الفساد أو المعاصي، بل ربما الكفر، ما دام من آل البيت ومن والاهم، فيكفيه ذلك أن يكون شفيعًا له؟ وهذا جهل بالشريعة، جهل عظيم بالشريعة. ولهذا يختلق هؤلاء المتصوفة الأحاديث الضعيفة والمكذوبة لرد مثل هذه الأحاديث الصحيحة. مثل كذبهم في أن النبي صلى الله عليه وسلم أحيا الله له أباه وأمه فأسلم -حتى يدخل الجنة-، فكل ما روي في هذا الباب ضعيف لا يصح. والأحاديث الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام: «أبي وأبوك في النار». وفي صحيح مسلم: «استأذنت ربي أن استغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها، فأذن لي»، فكان يزور قبرها، فيبكي -حتى يبكي من حوله عليه الصلاة والسلام-، فلم يستطع عليه الصلاة والسلام أن يشفع لأبيه وأمه، وأخبر أنهما من أهل النار، هكذا جاءت الأحاديث الصحيحة عنه عليه الصلاة والسلام. فكيف يقول قائل: أن آل البيت ومن والاهم لهم الشفاعة بفضلهم ومنزلتهم؟ فهذا من عظيم الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم. وهكذا من كذبهم: كذبهم في حق إسلام أبي لهب، واستدلالهم بشيء لا يصح -لا من جهة الدليل ولا التعليل، ولا من جهة السند ولا من جهة المعنى- في قصة الرؤية التي رؤيت المرضعة توبة. وقد ذكره البخاري رحمه الله. والحاصل: هذا حال أهل الضلال، يتركون الواضح الجلي، ويتمسكون بالضعيف الخفي. هذا خلاصة ما يذكر على وجه الاختصار في أحاديث هذا المعنى من أحاديث هذا الكتاب في الشفاعة، وبه نكتفي، والله تعالى أعلم.