المحاضرة بعنوان أسباب النصر والتمكين، وكانت بمسجد السنة بالحامي الجمعة 28 محرم 1433هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ أسباب النصر في الإسلام، مشيرًا إلى أن الإيمان بحق هو السبب الأعظم للنصر. الله جعل أسبابًا لتحقيق النصر والعزة لأهل الدين.
يشرح المقطع أهمية تحقيق الإيمان الحقيقي كسبب رئيسي للنصر، ويبين أن الإيمان ليس مجرد ادعاء بل هو قول واعتقاد وعمل. يستدل بالتاريخ الإسلامي وغزوات النبي.
العمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب النصر، حيث يعين المسلم على تحقيق الإيمان الحق. غياب هذه المعاني يؤدي إلى الهزيمة وتسلط الأعداء.
النصر يتحقق باتباع المنهج الصحيح والاجتماع على عقيدة واحدة، والابتعاد عن التفرق. الهزيمة تنتج عن التفرق واختلاف المنهج وعدم الإخلاص.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الأحبة، سمعتم وبلغكم موضوع هذه الكلمة بهذه الليلة، التي اقترح إخواننا -جزاهم الله خيرًا- أن يكون أمر مذاكرتنا فيها، وهو حول أسباب النصر. ولا يخفى علينا ما ابتليت به هذه الأمة في هذه الأزمنة الأخيرة من أمور عصيبة وفتن ومحن شديدة، يرقق بعضها بعضًا، حتى صار لسان المؤمن الذي يرغب ما عند الله ويريد نصر الله -بلسان حاله أو لسان مقاله- يقول: متى نصر الله؟ خصوصًا مع ما قد يضفي ويزيد الأمر شدة اجتهاد المجتهدين وحرص الحريصين على تحصيل النصر والعزة لأهل هذا الدين. ومع ذلك ربما لم يجدوا ما تقر به الأعين وتنشرح به الأنفس. ولأجل هذا وغيره نتذاكر في مثل هذا المجلس شيئًا من العلم مما يعيننا أولًا على إصلاح مسارنا وطريقنا، إن كان هناك ما يحتاج إلى إصلاح. والمؤمن يفتقر إلى الكمال ويطلب الحكمة والخير، ولا أجل مما يعين على ذلك من العلم ومذاكرته، فينتفع الجميع بذلك، ينتفع المتكلم وينتفع السامع وينتفع الحاضر وينتفع الغائب، وينتفع المقصر وينتفع غيره. على أن الحق بحق أن جميعًا من أهل التقصير، وكل ابن آدم خطاء. وكذلك مثل هذه المجالس تعين على تقوية أواصر الأخوة والمحبة في الله، والنصرة في ذات الله. فما أجمل أن يجتمع أهل الحق فيتذاكرون شيئًا من العلم مما يقربهم عند الله ويعينهم على نصر دين الله عز وجل. وكذلك في هذا تسلية في مذاكرة العلم، وما قد يذكر فيه من مواضع العبرة والعظة، تسلية للمؤمن أن لا يصاب بشيء من القنوط واليأس، وأن يعلم أن سنة الله جل وعلا أن يمتحن أهل الحق. ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، وغير ذلك من المصالح والمقاصد القريبة والبعيدة التي ينتفع بها أهل هذا الدين بمذاكرة العلم. لو لم يكن إلا التعبد لله عز وجل والتقرب إليه سبحانه بمثل هذه المجالس الطيبة المباركة لكان هذا كافيًا، حسبك به. فكيف إذا انضاف إلى ذلك مصالح ومقاصد أخرى كثيرة؟ وبادئ ذي بدء ينبغي أن نعلم -أيها الأحبة- أن الله جل وعلا الحكيم قد جعل غايات عظيمة في هذا الدين، سواء أكانت غايات دينية أو غايات دنيوية. فإن ديننا قد اجتمع على ما فيه إصلاح هذا الإنسان في دنياه وآخرته، وفي معاشه ومعاذه. ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾. والعليم الحكيم سبحانه قد جعل لتلك الغايات النبيلة والمقاصد العظيمة -دينية كانت أو دنيوية- أسبابًا توصل إليها. ابتلى سبحانه وتعالى عباده بتحصيل هذه الأسباب، أن يحصلوها من أوجهها الشرعية، وبأوجهها الشرعية، حتى يحصل لهم المقصود الذي أراده الله جل وعلا في الدنيا والآخرة. فإذا علمنا ذلك، علمنا أن ما يطمع به كل غيور، وما يحبه كل مؤمن من نصرة دين الله جل وعلا وأهله، وتحقق العزة لأهل هذا الدين، جعل الله عز وجل لذلك أسبابًا ذكرت في دين الله جل وعلا، أرشدنا الله جل وعلا إليها في كتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، وعلمنا في سيرته الكريمة عليه الصلاة والسلام، وسيرة الصحابة الكرام، ومن اتبعهم من التابعين وأتباع التابعين، والأئمة المصلحين بإحسان. ما لنا فيه موضع عظة وعبرة ننتبع بها ونستعين بها كذلك على تحقق أو تحقيق هذه الغاية والمقصد العظيم من مقاصد هذا الدين. ولنعلم -عباد الله- أن الأسباب التي بها نصر هذا الدين وأهله كثيرة، تجمل في معنيين اثنين. وحسبنا في هذا المقام أن نتذاكر ما يتيسر مما يظن أنه من أهم الأسباب التي نحتاج إلى مذاكرتها في مثل هذا المقام المختصر. أما المعنى الأول: أسباب معنوية جعلها الله عز وجل أسبابًا لتحقق النصر وحصول العزة لأهل هذا الدين والتمكين. وأخرى حسية، والجميع يطلب بتحصيله. وكلما حرص أهل هذا الدين على تحقيق هذه الأسباب، أعينوا بعون الله عز وجل في الوصول إلى ما به -بإذن الله- التمكين والنصر. والموفق من وفقه الله. ولنا في رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحابته رضي الله عنهم أسوة حسنة. أول هذه الأسباب من المعنى الأول: تحقيق معنى الإيمان بحق، كما أراده الله جل وعلا وعلمه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فإن ذلك هو السبب الأعظم الذي يتحقق به النصر. فمجمل هذه الأسباب تدخل في هذا المعنى. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. حق على الله سبحانه وتعالى لم يلزمه به أحد، ولكنه سبحانه وتعالى ألزم نفسه بنفسه جل وعلا أن يحقق النصر لأهل هذا الدين، متحققين معنى الإيمان بحق وصدق، على الوجه الشرعي الذي أراده الله سبحانه وعلمه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولما كان الرسل عليهم الصلاة والسلام أكمل الناس إيمانًا وأصدقهم تحقيقًا له، ابتدأ ربنا جل وعلا بذكرهم في أول هذه الآية: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. فكانت الآية متضمنة مع هذا الخبر الذي أخبر الله به لمعنى هو إنشاء. وهذا كثير في اللغة وفي الشرع أن يأتي الخبر ويراد به الإنشاء. فكأن الله جل وعلا يقول: كما تحقق النصر لرسلنا. ولا يخفى على أهل الإيمان وأهل الإسلام الأخبار الكثيرة عن عدد من أنبياء الله ورسله، كيف نصرهم الله جل وعلا، وهكذا أتباعهم معهم ومن بعدهم. فكأن الله جل وعلا يقول: كما حققت النصر لرسلي ومن صدق من أتباعهم معهم وبعدهم، فكذلك أحققه لكل من سار بسيرهم وأخذ بمذهب إيمانهم. ولهذا ذكر هذا الوصف الذي يطلب في هذا المقام تحقيقه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. فمن حقق الإيمان بحق وصدق، نصره الله جل وعلا. وحقيقة الإيمان هو التصديق المقرون بصدق الظاهر والباطن، ولهذا عرفه العلماء بأنه: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. فإذا كان كذلك، علمنا أن حقيقة تحقيق هذا الإيمان المطلوب يكون باستيفاء أركانه وشروطه وواجباته. وحسبك أن تمتثل المأمور فيه وتجتنب المحظور. فإن فعلت ذلك فقد وعدك ربك جل وعلا الذي لا يخلف الميعاد أنه ناصره. وقال في الآية الأخرى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. فعلم أن المؤمنين ها هنا هم الذين حققوا حقيقة الإيمان. فظهر ذلك في أقوالهم وأفعالهم وظاهرهم وباطنهم. ومن تأمل سيرة الرسل عليهم الصلاة والسلام وما كانوا عليه من عظيم الإيمان بالله، علمت السبب الأعظم الذي يتحقق به النصر. ومن تأمل سيرة الصحابة رضي الله عنهم وتفكر وتدبر حالهم وحياتهم وصدقهم لربهم جل وعلا، علم أن السبب الأعظم الذي يتحقق به النصر هو كمال تحقيق هذا الإيمان. فلما قوي إيمانهم، ليس في قلوبهم فقط، بل برهنت ألسنتهم وجوارحهم على صدق ما في قلوبهم، نصرهم الله سبحانه وتعالى. وفي فترة وجيرة يسيرة قصيرة، حتى صار بحد ذاته آية لأهل هذا الدين. لو تأملت تاريخ الممالك والأمم على كثرتها في هذه الأرض، لا تجد مملكة ودولة وأمة حصل لها النصر بعد ضعف وهزيمة مثل ما حصل لأهل هذا الدين. بعث النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة وهو ابن أربعين سنة عليه الصلاة والسلام، ومات وهو ابن ثلاث وستين، يعني كم سنة؟ ثلاث وعشرين سنة. في ثلاث وعشرين سنة مكن الله عز وجل له أمرًا لا يعرف له نظير في تاريخ الممالك والدول والأمم في الأرض. وبه نعرف أن موازين النصر لا تكون دائمًا حسية، بل ميزان النصر الأعظم عند أهل هذا الدين هو بتمسكهم بدينهم وباعتزازهم به، وتصديقهم له. ويروى عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: إنا قوم أعزنا الله بهذا الدين، فمتى ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله. ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. العزة الحقيقية بأن نحقق الإيمان الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى. فإذا اخترمنا هذا الإيمان، فإنه يلحقنا من أسباب الهزيمة ما لا يعين فيه العبد على النصر. ولهذا معان كثيرة، منها ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من التعليم، وهو كذلك من التربية التي ربيت بها الأمة في أول أمرها. لما وقع للمؤمنين ما وقع يوم أحد، علم أهل هذا الدين أن البلاء كان بسبب تقصير بعض، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾. وهذا في حق جيش فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيه أمثال أبي بكر وعمر والعشرة المبشرين ومن بعدهم من خيار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين. ومع ذلك امتحنهم الله وابتلاهم بذلك. فكيف بمن دونهم؟ هذه آية وعبرة ومحل عبرة أن نعلم أن الله جل وعلا ليس بينه وبين خلقه نسب ولا صهر، فهو سبحانه وتعالى يمتحن عباده ويبتليهم بهذا الدين. فمتى ما حققوه نصرهم الله. ولذلك -أيها الأحبة- نستفيد من هذا الموضع عبرة عظيمة. وإن كان فيه عدد من مواضع العبر والآيات، لكن من أعظمها أن أهل الحق قد يبتلون بذنوب بعضهم. فليس من الشرط أن يبتل المرء بذنبه، بل قد يبتلى بذنب غيره. وقد يتأخر الركب بسبب مسافر واحد. هذا واقع. مركوب واحد أو قافلة واحدة، إذا تخلف واحد كان سببًا في تخلف الجميع وتأخر الجميع. وهذا مثل محسوس. وتلك قصة فيها عظة وعبرة. وشواهد ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، وكذلك تاريخ هذه الأمة. كم قد ابتليت هذه الأمة في مواضع عديدة بسبب ذنوب بعضها؟ فلذلك كان كذلك من أسباب النصر: الاعتناء بالعلم النافع والعمل الصالح. فإن الاعتناء بالعلم النافع يعين على تحقيق الإيمان. ففاقد الشيء لا يعطيه. لأن المسألة ليست بالأماني، ولكن المسألة حقيقة بعلم يتبع بعمل. فلا يكفي أن يقول الكثير من المسلمين: نحن مسلمون والحمد لله. ثم إذا فتشت وجدت الكثير من أهل الإسلام عار عن هذا الإسلام. الكثير منهم لم يعرف من الإسلام إلا اسمه. ربما هو يدعي أنه مسلم ولكنه تارك للصلاة، مفرط في كثير من الواجبات، منتهك للكثير من المحرمات، شارب للخمر، فاعل للزنا، ساقط في أنواع من القذورات، كحال الكثير من عصاة المسلمين، وهم كثير. وهم من أسباب الهزيمة لهذه الأمة. عدد المسلمين اليوم يقدَّر بمليار مسلم. ومع ذلك ما استطاعوا أن ينتصروا أو ينتصروا لأنفسهم، ولا بواحد من مئة من النصر الذي حققه الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام وصحابته. خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وهم كم؟ ثلاثمائة وكسور. والمشركون كانوا كم؟ فوق الألف. فنصرهم الله عز وجل. وأقيمت دولة الإسلام. كما قال بعض الصحابة: وهم يعرفون بعضهم بعضًا في المدينة، لا يزيدون ألفًا وبضع مئة. وأين بلغت دولة الإسلام؟ بألف وبضع مئة، يعني ما يصلون ألفين. وأسع الله عز وجل عليهم، فنصر بهم نصرًا عظيمًا يوم فتح مكة. وكان من أعظم ما اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم من المناصرين: قرابة عشرة آلاف. واليوم مليار مسلم، ومع ذلك ما يتحقق لهم ولا واحد في المئة مما حققه الله لرسوله عليه الصلاة والسلام ومن معه. لأجل أن نعرف أن أكثر هؤلاء -كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام- غثاء كغثاء السيل. فقد أخبرنا النبي عليه الصلاة والسلام: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». فقالوا: يا رسول الله، أمن قلة نحن يومئذ؟ قال: «لا، بل أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل». ﴿وَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً﴾. هذا هو حقيقة الأمر. أكثر المسلمين -إلا من رحم الله- من الغثاء ومن الزبد. إسلام لم يتحقق حقيقة، لا في قلوبهم ولا في ألسنتهم ولا في أعمالهم -إلا من رحم الله- وقليل ما هم. فلذلك نرجع من حيث بدأ هذا الدين. فقد بدأ هذا الدين غريبًا -كما أخبر عليه الصلاة والسلام- وسيعود غريبًا كما بدأ. ابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم نصرة هذا الدين بماذا؟ بالعلم والدعوة وتحقيق التوحيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قوي الإيمان. فعند ذلك أذن له بالقتال بالسيف والسنان. وقبل ذلك كان بماذا؟ بالحجة والبرهان. عشر سنين في مكة، وبضع عشرة في المدينة. ولم يؤذن له حتى بعد إذ انتقل إلى المدينة من أول الأمر. ولكن لما مكن الله لأهل الإيمان أذن له عليه الصلاة والسلام. فهذه سنة الله. فلذلك نعتني بهذا الباب: العلم الشرعي الذي هو من أعظم أسباب النصر. الاعتناء به من أعظم أسباب النصر، لأنه له مقاصد نبيلة وغايات وثمار عظيمة حسنة في عاجل أمر أهل هذا الدين وآجله. فهو يقوي إيمان أهله ويرقيهم في مراتب هذا الدين. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. كلما ارتقى الناس علمًا، أعينوا على الارتقاء عملًا. ولذلك تجد أحرص الناس على العلم هم أثبت الناس في الدين. وأذهد الناس وأبعدهم عن العلم هم أبعد الناس عن الدين والتمسك به. فالعلم يعين على تحقيق الإيمان الحق، وأن يصدق الناس في إسلامهم وإيمانهم. كم من ظالم هداه الله بالعلم؟ وكم من مغرور أعانه الله على نفسه بالعلم؟ فالعلم مفتاح كل خير، ومغلاق كل شر. وهكذا كذلك العمل بالعلم. لا يكفي أن نعلم، بل لا بد أن نعمل بالعلم. فمتى ما حصل التخلف في العمل بالعلم، فإنه يحصل للمرء في نفسه وفي مجتمعه من أنواع الابتلاءات ما هو من أسباب الهزيمة، أو ما هو من معاني الهزيمة. وفي حديث ابن عمر -ومعناه من حديث ابن عباس المشهور- «وما نقض غَزْوٌ عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم». فمن أسباب تسلط أعدائنا علينا: نقض هذه الأمة -أفرادًا وجماعات- لعهد الله وعهد رسوله عليه الصلاة والسلام. وهذا من عدم العمل بالعلم. كان بعض السلف يقول: إني لأجد أثر معصيتي في خلق أهلي ودابتي. ربما تشغل السيارة يومًا من الأيام ما تشتغل. ربما تمشي في الخط وتنقطع بك السيارة قبل أن تتفكر: هل هناك عطل؟ تتفكر: هل عصيت الله فابتلاك بخلق أهلك ودابتك؟ والعكس: إذا حرصت على طاعة الله، ألان الله لك القلوب، وقذف في قلوب الناس أجمعين لك الحب والتقدير. كما جاء في الحديث القدسي: «إن الله جل وعلا إذا أحب عبدًا نادى في السماء منادي: إن الله يحبه، فأحبوه. فينادى أهل السماء حتى يتناقل ذلك الملائكة طبقة طبقة، فينادى في الأرض: إن الله يحبه، فأحبوه. فيجعل الله جل وعلا له القبول». فالمؤمن إذا حقق حقيقة الإيمان، أعين بجوارحه، وأعين بمن حوله. بل حتى يعان من أعدائه، حتى أعداؤه إن انصفوا لم ينظروا له إلا نظرة إجلال وتقدير. وهذا حق. الآن الكافر إذا رأى مسلمًا فاسقًا، رأى مسلمًا متمسكًا بدينه، فهو -وإن كره المتمسك بدينه- لكنه ينظر له بعين الإجلال والتقدير، لأنه متمسك بدينه. وذاك بنظر الازدراء والاحتقار. فلذلك من أعظم ما يستعين به المسلم على طلب النصر: الحرص على ملازمة العمل الصالح واستيفائه. وكما يحرص المسلم في نفسه، يحرص كذلك في مجتمعه. ففي صحيح البخاري من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فيه «أن مثل هذه الأمة كمثل قوم استهموا على سفينة، كان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا الماء صعدوا إلى الأعلى، فقالوا: لو أننا لم نؤذِ من فوقنا وخُصصنا في نصيبنا هذا قرقًا. هذا رأي، ظنوا أنه يكون سببًا لصلاح أمرهم وعدم إيذاء من فوقهم». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فلو تركوهم وما أرادوا لهلكوا وهلكوا جميعًا. ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعًا». ثم قال: «ذلك مثل القائم في دين الله والواقع فيه». الحديث الشاهد من هذا: مثل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأمة بأهل السفينة. فحتى لا تغرق سفينتنا، فإنه لا يكفي الواحد منا أن ينجي نفسه، بل لا بد أن يستعين بالله ويأخذ بأسباب النصر، بإعانة المجتمع بأكمله على عدم الوقوع في أسباب الغرق. لأن غرقها غرق للأمة. نحن في سفينة واحدة، إذا خرقها واحد غرقنا جميعًا. فلذلك لا نترك هذا الواحد يغرق علينا سفينتنا، ولا نترك هذا الواحد كذلك يفسد علينا نصرنا. وهذا يدعونا إلى سبب آخر من الأسباب العظيمة، ونمر عليها على وجه الاختصار: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كذلك من الأسباب العظيمة التي يكون بها النصر. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فخيرية هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بل بعد ما ذكر الله عز وجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بيّن أن هذا هو سبيل الفلاح. فالفلاح والنصر يتحقق بهذا. وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾. فمن أسباب النصر: أن نستعين بالله جل وعلا، وبما علمنا الله أن نحقق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي يعين الأمة على النصر، وبالضوابط الشرعية التي أمرنا بها. فإن ذلك يتحقق به الإيمان لهذه الأمة. وفي حديث أبي سعيد في صحيح مسلم المشهور: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وفي رواية: «وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان». فإذا لم يحقق هذا المعنى، صار هذا معنى من معاني تخلف النصر عن هذه الأمة. وأنت تأمل -أيها الأحبة- مجتمعًا أهله حريصون على الدعوة والتعليم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتي هي أحسن. ومجتمعًا فيه أهل خير وصلاح، ويقول من فيه: نفسي نفسي. هذا الذي يقول: نفسي نفسي، ما يسلم، فضلًا أن تسلم تلك المجتمعات. بينما المجتمع الذي يصبر على ما فيه من أذى، ويحرص على دعوته وتعليمه، والأخذ بيده إلى ما فيه كماله وسلامته، يتحسن ويصبح. فما تمر الأيام والليالي إلا ويجد المسلم الفرق. وبه نعرف -أيها الأحبة- أهمية الثبات على الثوابت الشرعية في هذا الدين. فإنها صالحة، ومنهجية هذه الأمة سبب لتحقق نصرها. فإذا اختلت الموازين وتغيرت المعايير، فإنه عند ذلك لا يوضع الشيء في موضعه الذي يتحقق به النصر والتأييد. فربما وجد ناس يريدون الإصلاح ويريدون النصر لهذا الدين، لكن بمفاهيم خاطئة وبتصورات غير صحيحة. فربما بعضهم يعتني بتزكية النفوس -كما فعل من يزعم أنه سلك طريقة المتصوفة- وهؤلاء أشد منهم خطأً، لأنهم خلطوا مع تزكية النفوس الشرك. فلو كان حصر الإصلاح بتزكية النفوس لكان خطأً، لأن هذا معنى من المعاني الذي يكون به الإصلاح والنصر، ولكن ليس هو الكل. فكيف إذا انضاف معه ما ابتليت به تلك الطوائف من اللوثات الشركية والمناهج البدعية؟ فهذا أشد وأشد. وآخرون ظنوا أن معاني الإصلاح والنصر تكمن في العمل السياسي، فانشغلوا -علميًا وفكريًا وعمليًا- بالطرق السياسية، ولا سيما الخط السياسي. فشغلوا أنفسهم وشغلوا غيرهم، وصرفوهم عما ينبغي أن ينشغلوا به حقيقة. مع ما لا يخفى من محاذير كثيرة وقعوا فيها، بقواعد باطلة: الغاية تبرر الوسيلة. وهي -كما قال بعض العلماء- قاعدة شيطانية إبليسية. كيف الغاية تبرر الوسيلة؟ يعني إذا غايتك حسنة، فلا يهم أن تكون الوسيلة غير حسنة. وهذا ليس بالصحيح. وهكذا كذلك ربما طوائف أخرى لهم معان أخرى، ظنوا أنها يكون بها الإصلاح والنصر، وليس الأمر كذلك. تارة بكونها وسائل وأسباب غير صحيحة، وأخرى هي صحيحة لكنها ليست هي وحدها الكفيلة بالإصلاح. ولذلك -أيها الأحبة- نعلم معنى آخر عظيم من أعظم أسباب النصر: هو صحة وأصالة ومنهجية أهل هذا الدين. وكما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: تلك المقولة المشهورة التي صار العلماء يرددونها من بعده: «فما أصلح الله به أول هذه الأمة هو الكفيل بإصلاح آخر هذه الأمة، عقيدة وعبادة ومنهجًا وسلوكًا في جميع جوانب الحياة، نسير بسير السلف الصالح». فإن ذلك هو الذي يكون به النصر. بل ربنا جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾. التولي عن هذا المنهج الصحيح -منهج أهل السنة والجماعة، أتباع السلف الصالح- سبب للتفرق وللتمزق، وحصول الهزيمة. وهذا هو الواقع. فإن مبتلى هذه الأمة -حتى عند المصلحين فيها ممن ينادون بالنداءات الإصلاحية ويطالبون بالأخذ بأسباب النصر- إنما ابتليت به من التفرق والتمزق، هو سبب سببه الأعظم: هو اختلاف مصادر التلقي والتلقين، واختلاف وجهات النظر في المنهجية الصحيحة، والميزان الحق الذي به يكون الإصلاح. فإذا اتحدت الأمة في مصدر تلقيها وتلقينها، أعينت على الاجتماع الذي هو من أعظم أسباب النصر. وهو ما يذكر بعد ما سبق. فإن من أعظم أسباب النصر كذلك: الحرص على الاجتماع ما أمكن. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾. كذلك بيّن الله لكم آياته لعلكم تهتدون. فما حصل لأهل الإسلام من تأييد ومن نصر ومن قوة، كان من أعظم أسبابه: الاجتماع وعدم الافتراق والاختلاف. فلا بد من الائتلاف والاجتماع، ونبذ أسباب الفرقة. بل لا يدعى المسلم إلى ما فيه اجتماع إلا وحرص عليه، لأن ذلك من أعظم أسباب النصر. وليس معناه: لَفْلفة اجتماع على عقائد متناقضة ومناهج منحرفة. ولكن اجتماع بالضوابط الشرعية، بميزان الكتاب والسنة، وفهم سلف الأمة. ولا بد من التفريق بين مواضع الاجتهاد وغيرها. لا مانع أن نجتمع ويوجد هناك خلاف، لأن من المسائل ما يسوغ فيها الخلاف. هذا من الفقه. ونحذر من أسباب النزاع، فضلًا عن النزاع. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾. فمن أسباب ذهاب القوة وحصول الهزيمة: التنازع والتفرق. فالمسلم يجتنب ما يفضي إليه، فضلًا أن يقع فيه. ومن الأسباب المعنوية -والأسباب كثيرة- ونقتصر بإضافة ثلاثة أسباب من هذه الأسباب: الحرص على تحقيق الإخلاص لله عز وجل، وسلامة النية في كل أعمالنا، ومنها هذا المقصد العظيم. فإن ذلك من أعظم أسباب تحققه. قال ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾. لا بد أن تحتسب -أخي المسلم- ويا أيها المصلح ويا أيها الداعي إلى الله: لا بد من احتساب النية خالصة لله عز وجل في هذا العمل العظيم النبيل. احذر أن يشوب هذه النية شيء مما ينافيها. فإن ذلك من أسباب عدم تحقق النصر. لأن العمل إذا اختلطت فيه النية، أحبط. والعامل إذا أشرك في نيته، ترك وعمله، ووكل إلى نفسه الضعيفة. ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الله جل وعلا قال: «أنا أغنى شريك عن الشرك. من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه». فإذا صار النداء الكبير: نريد نصر دين الله، نريد نصر دين الله. ثم في طيات ذلك: أغراض وأعواض تنافي الإخلاص لله، هذا يريد كرسيًا، وهذا يطمع بشيء من أعراض الدنيا الزائلة، هذا يمثل حزبًا إسلاميًا يريد نصر دين الله. ثم في ثنايا ذلك تلك الأعواض والأغراض: هذا لأجل منصب، وهذا لأجل كرسي، وهذا لأجل بيت، وهذا قطعة أرض، وهذا سيارة، وهذا شيك، وهذا عطاء، وهذا وهذا. فتغيرت النية. وهنا قصة تذكر للعبرة لمعناها الصحيح -بغض النظر عن صحتها- يقولون: أن الشيطان تمثل لبعض الصالحين، وهو يحمي شيئًا من الفساد والشر. فجاء هذا الصالح آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، فزجره ونهاه. فصارعه فصارعه، فقال له: أما وقد فعلت، فأنا أكافئك بمكافأة. قال: لا أريد مكافأة. قال: خذها. فأخذها