الدرس في شرح رحلة اندنوسيا لعام 1426هـ، شرح رحلة اندنوسيا لعام 1426هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ كلمته بالحمد والثناء على الله، ويتحدث عن نعمة الإسلام وأهمية الاتعاظ من الرحلات إلى بلاد أخرى. يشير إلى أهمية معرفة قدر نعمة الله على المسلمين في بلادهم.
يؤكد المتحدث على أهمية التزيي بزي الإسلام والتمسك بصفته، ويشير إلى ضرورة تعلم اللغات الأجنبية للدعاة. يلفت الانتباه إلى أهمية توفير المطويات الإسلامية باللغات المختلفة لنشر تعاليم الإسلام.
يصف جهود أهل السنة في أندونيسيا في نشر الدعوة وتعليم العلم الشرعي، ويبرز انتشار مراكزهم الدعوية وتحصيلهم للعلم. يشير إلى رغبة الأندونيسيين في القدوم إلى اليمن لطلب العلم الشرعي وتأثير الدورات العلمية في المجتمع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخرج منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واستقوا الله الذي تساءلوا به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يغفر لكم ذنوبكم ويصلح لكم أعمالكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. إخواني في الله، إننا نحمد الله جل وعلا حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى. نحمده جل وعلا الذي أنعم علينا بنعمه التي لا تعد ولا تحصى، أنعم علينا بنعمه لو عبدناها لنستطع أن نعدها فضلا عن أن نشكر الله جل وعلا عليها. والأمر كما قال سبحانه: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ إن الإنسان لظلوم كفار. إن نعم الله لا تعد ولا تحصى، فضلا أن نشكر الله جل وعلا عليها. وإننا نحمده جل وعلا على ما أعطى وأهدى وأنعم سبحانه من نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ونحمده جل وعلا الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام نعمة السنة، هذه النعمة التي هي من أخص نعمه ومن أعظمها، والتي من وفق إليها فقد وفق لخير الدنيا والآخرة، فله الحمد والمنة على ما هدانا وأنعم علينا سبحانه. إن هذه النعمة عباد الله بالحقيقة نعمة جليلة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من رأى حال من افتقر إليها وحال من ثرمها. فإننا والله في نعمة لا تساويها نعمة، وإننا في هذا المقام نتذاكر شيئا مما كان في هذه الرحلة التي كانت إلى بلاد أندونيسيا، والمقصود من هذه الرحلة هو الاستفادة ووضع مواضع العبرة والاتعاظ مما يكون فيه النفع في ديننا وفي دنيانا. والله جل وعلا قد جعل للناس آيات شرعية، جعل آيات شرعية تكون بها العظة والعبرة، وجعل أخرى كونية تكون بها العظة والعبرة، كما جعل في قصص الأولين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والأمم وغيرهم عبرة، فكذلك في قصص الحاضرين كذلك عظة وعبرة. فالله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ما كان حديثا يفترى، ولا تكذيب الذي بين يديه. وهكذا كذلك بعض القصص وبعض الأخبار تكون فيها العظة وتكون فيها العبرة. وقد كان في هذه الرحلة شيء مما يفرح القلب ويفرج الصدر، وكان فيها شيء مما يحزن القلب ويكدر النفس في أحزان وأفراح، وفيها عبرة وعبرة للناس أجمعين. أول هذه الرحلة كانت زيارة لإخواننا في الله من أهل السنة في تلك البلاد البعيدة التي طالما سمعنا عنها وما رأيناها، وطالما رأينا من أهلها وما وصلنا إليها. زيارة لإخواننا في الله في تلك البلاد وتفقد لأحوال الدعوة دعوة أهل السنة والجماعة المباركة، تلك الدعوة المباركة في تلك البلاد البعيدة النائية. وهكذا دعوة إلى الله وأداء بعض ما أوجب الله في هذا الباب. وكان في هذه الزيارة كما قلنا فوائد كثيرة. فمن أعظم ما استفدناه من هذه الرحلة أن المرأة لا يعرف قدر نعمة الله جل وعلا عليه إلا إذا رأى حال من افتقر إليها. فلنعلم عباد الله ويعلم أهل هذه البلدة المباركة الطيبة أننا والله في نعمة عظيمة دنيا ودين، ليس فقط دنيا ليس فقط دين، بل وكذلك أقول دنيا على ما قد يشكو كثير من الناس مما فيه شدة وبؤس وفطر وفاقة وغلاء وغير ذلك، إلا أننا والله في نعمة عظيمة ليس فقط في الدين بل حتى في الدنيا. إننا في نعمة عظيمة، من يخرج إلى غير هذه البلاد يعرف قدر نعمة الله جل وعلا على أهل هذه البلاد الطيبة. إننا نتألم وحق للمسلم أن يتألم من بعض المنكرات وبعض المعاصي والذنوب والمخالفات الشرعية الموجودة في المجتمع، لكنها تهون وتزول وتذهب إذا رأيت حال الناس في الأرض، حال غير أهل هذه البلاد مثل تلك البلاد البعيدة وما مررنا عليها من بعض البلدان الأخرى. فإنك والله تتعجب لحال أهل الخير في تلك البلاد كيف وفقهم الله جل وعلا للصبر على الدين والتمسك به. حتى أنه يحق في ذهنك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أن القابض على ديننا كالقابض على الجمر». فإن هذا من أعظم ما يستفيده المسلم أن يعرف قدر نعمة الله جل وعلا عليه خصوصا فيما يتعلق بأمر الدين. وأننا بهذه البلاد والله في نعمة عظيمة، نعمة أولا في التوفيق إلى السنة وظهور أمرها على هذا المستوى العظيم، وهكذا كذلك ما يكون من أمر الدعاة إلى الله من أمر تبليغ هذا الدين. وهكذا كذلك ما يكون من أداء الواجبات، وإن كان يوجد تقصير في بعض الجوانب، إلا أنه لا شيء أمام المجتمعات الأخرى. فنحن في نعمة عظيمة وأحكام الإسلام ظاهرة وأسباب الشر خافتة منخفية، فهذا شيء عظيم ينبغي أن نعرف قدره وأن نستغل هذه النعمة التي من الله جل وعلا بها علينا فيما ينفع به هذا الدين. أول هذه الرحلة كانت من مطار صنعاء، وكان خروجنا منها بعد دخول وقت المغرب، وكادت البلاد أن تظلم، وما إن صعدنا على الطائرة وكنا متجهين إلى جهة المشرق أو المغرب إلى جهة المشرق، وكان المقصود من هذا التنبيه أننا متوجهون من جهة المغرب إلى جهة المشرق. فكنا في أول الطيران في ليل، فما إن صعدنا في الطائرة إلا وعاد الضوء مرة أخرى، إلا وعاد الضوء مرة أخرى، فاندهشنا من ذلك، وكان شيئا غريبا ما كنا نتوقع. والمراد من هذا التنبيه التنبيه على مسألة من المسائل التي ربما صار بها شك عند بعض الناس، وهي ما يذكر من مسألة كروية الأرض هذه التي أشار إليها أهل العلم. فإن الأرض كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذ ابن كثير وتلميذ ابن القيم وجماعة من الحفاظ ومن أهل العلم أنها مسطحة وكروية، لا تنافي بين الأمرين، واستدلوا على ذلك بمجموعة من الأدلة. وأن التكوين في هذه الأفلاك مكور كما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. حديث عمران بن حصين بالصحيح: «إذا سألتم الله الجنة فسألوه الفردوس الأعلى فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة»، قال: «لا يكون الشيء أعلى ووسط في نفس الوقت إلا أن يكون مكورا». وكان هذا الذي أخبرت به قرينا يؤكد هذا المعنى. فإن ظهور الضوء بعد غيابه يدل على تأكيد هذا الأمر. فلو كانت مسطحة بالمعنى الذي قد يفهمه بعض الناس بأنها ليس فيها تكوير، لما كان ممكنا أن يظهر الضوء بعد ذهابه وغيابه. وهكذا شيء آخر كذلك مما يدخل بهذا المعنى، كان خروجنا من مطار قطر مطار الدوحة الساعة العاشرة أو الحادي عشر ليلا، وبعد ساعتين ونصف تقريبا أو ثلاث ساعات ما أذكر، ولعل الشيخ سالم بعد ذلك يصوبني. دخل علينا الفجر، واختلف التوقيت، بدلا من أن يكون التوقيت على التوقيت الذي نعلمه، فإلى به فجر، والمفروض أن يكون في منتصف الليل، والمفروض أن يكون في منتصف الليل، وذلك لأن ذهابنا إلى جهة المشرق. وهذه قديمة أخرى وعاكد في رجوعنا من مطار جاكرتا إلى مطار الدوحة، خرجنا قبل الظهر، فمر بنا عصر، لم يمر في طول حياتنا ولا أظن مر على أحد عاش على الأرض لم يصعد في الطائرة مر عصر أكثر من ست ساعات وهو عصر، لأننا كنا نمشي في جهة الغروب، كنا نمشي في جهة الغروب. قالوا: «الشمس سريعا تغرب ونحن ندركها»، والشمس سريعا تغرب ونحن ندركها. فحتى قال الشيخ سالم عز الله: «ما تلاحظ مرة علينا عصر ما مرة مثله بطول حياتنا أكثر من ست ساعات عصر». وهذا لا يوجد مثله، وهذا كذلك يدل على المعنى المتقدم، يدل على المعنى المتقدم. وهكذا مما أدخر في هذا المقام نعمة الله جل وعلا علينا في أمر هذا الدين. فإننا بمجرد ما خرجنا من صنعاء ونزلنا مطار الدوحة، إلا وكأننا في بلاد أجنبية ليست في بلاد إسلام، وللأسف إلا القليل مما تراه من بعض أعضاء ربما الجمارك والعسكر ترى فيهم صفات المسلمين، وإلا أكثر العمالة هناك من غير المسلمين أو من المسلمين بالإسم، أن ظاهرهم لا ترى فيهم آثار الإسلام، لا تتعرف آثار الإسلام. وهنا تعرف يا أيها المسلم عظيم أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مجال مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر: «من تشبه بقوم فهو منهم». وفي حديث عند الطيالسي بإسناد حسن: «لا يشبه الزي الزي حتى تشبه القلوب القلوب». هذه حقيقة، فإن تنكر المسلمين لأزياء أهل الإسلام كان سببا في ضياع سمة الإسلام من تلك البلاد. تدخل إلى بلد مسلمة ولا ترى عليه آثار وصفة هذا الإسلام، وإذا رأيته تراه ضعيفا، تراه ضعيفا. حتى بما يعتز بثقافة الكفار يعتز بثقافة الكفار وبما كان من صفاتهم، كما قد رأينا من بعض المسلمين، وللأسف ربما يكون بالمطار بشكل فإذا نزل على الطائرة إن سلب من شكله الإسلام إلى ذات الشكل الذي يريد به التشبه بأعداء هذا الدين. وهذا يدلك أخي المسلم على ضعف الثقافة وكذلك المعرفة والواجب الديني الذي يجب أن يكون في قلب المسلم. فغدت المسلمين الثقافة الغربية والأفهام المعفوسة وضعف الوازع الديني في قلوب الكثير من المسلمين، حتى صار عندهم هذا الإعراض عما هو في الحقيقة حفاظ للمسلم. فإن الذهي الإسلامي في الحقيقة حصن يتحصن به المسلم في أي موضع كان، يتحصن به من أعداء هذا الدين ومن أن يتدنس هو نفسه بطريقة الانحراف الرذيلة. فإن هذا بعض أو من بعض فوائد التزيي بزي الإسلام أو أهل الإسلام. وكذا في أثناء هذه الرحلة الطويلة والتي كانت أكثر من تسع ساعات في الجو، فنحن بين خوف ورجاء، قلوبنا تحدثنا أحيانا أننا لا نرجع إلى بلادنا، ما تعودنا مثل هذا، نأخذ الأرق والأرق ولا ندري أنصر ونحن سالمون أو غير ذلك. لكن من الله جل وعلا ونطف حتى وفق للوصول بسلام. أقول: وفي أثناء هذه الرحلة استفدنا كذلك أن على طلاب العلم وأن الدعاة إلى الله يحتاجون أن يتزودوا بزاد آخر غير الزاد العلمي، وهو بعض الوسائل التي قد يحتاجها بمثل هذه المواقف في الدعوة إلى الله، كتعلم اللغة التي تنتشر بين الناس كاللغة الإنجليزية وإتقانها. عندنا بعض اللغة الإنجليزية كلمة وكلمتين، والشيخ سالم ما شاء الله أحسن منه هذا وأنا إذا طلب شيء أعجز أعذر، فتكلم الكلمة وحركاتي بالثانية، فما أعجز لما أقول. فتحصل مواقف تحتاج أن تدعى إلى الله فيها، يجلس بجانبك رجل كافر وقت طويل، ربما يستفسر يسأل عن بعض الشيء، فتحتاج أن تستعين بالمترجم، تقول: «إيش يقول فلان إيش يقول هذا ما تدري إيش يقول»، وتتمنى بذلك الموقف أنك عندك شيء من اللغة الذي تستطيع أن تدخل محافٍ هذا الدين على الأمثال هؤلاء الذين يعيشون عيشة البهائم. يذهبون إلى تلك البلاد التي يسمونها جنة الدنيا، يعني أندونيسيا، يذهبون إليها كما تذهب البهائم للرتع في الأماكن الطيبة، ليس لهم قصد إلا هو شهوة الدنيا والتمتع بملذاتها فقط. فمما أنبئ عليه أن الداعي إلى الله في الحقيقة يحتاج إلى تعلم مثل هذه اللغة، خصوصا إذا كان يخرج إلى مثل هذه البلاد، يحتاج إليها في التلطف والدعوة إلى الله والتعريف بالإسلام. فهذا كذلك مما أذكر نفسي وإخواني به في هذا المقام، ولعل كرمة هذه تبلغ الإخوان آخرين في غير هذا المسجد. أن الدعاة إلى الله مما ينبغي أن يتزود به في رحلاتهم المطويات الإسلامية التي تعرف بالإسلام. فكم تمنيت أني قد استصحبت بعض المطويات باللغات الأخرى بغير اللغة العربية. فإنك تقابل في الرحلات الطويلة أناس من أجناس شتى، هذا يتكلم بالإنجليزية، وآخر بالفرنسية، وثالث بالهندية، ورابع ربما بالإندنيسية أو الماليزية أو غير ذلك من اللغات الأخرى. وجهد أهل السنة في هذا ينبغي أن يكون له السبق. فأخذت نفسي وإخواني بهذا المقام على تغطية هذه الثغرة لتكوين عدد من المطويات الإسلامية التي تعرف بهذا الدين وتذكر محاسنه وتحذر من بعض المعاصي والذنوب وتذكر مساوئها الدينية والدنيوية، مما يظهر به صبر هذا الدين ونعمته على أهله، وأنه جاء ليكف ظلم الناس من شرور الدنيا وشرور الآخرة. فهذا شيء عظيم في الحقيقة يحتاج إلى اهتمام ورعاية. وآخر كذلك مما ينتبه له في هذا المقام واجب النصيحة بين المسلمين جميعا أمام شركات الطيران التي ربما لو وجدت نصيحة متكررة ووجدت كذلك كلمات متتابعة لغيرت لأجل الدنيا، لو لم يكن لأجل الدين. فإن أكثر هذه الشركات تهتم بمشاعر ركابها ولأجل هذا أدخلت بعض هذه الشركات القمار وللأسف في الطيران، وهي دول عربية ومسلمة. فلو أن كل مسلم يصعد فيرى مثل هذا المنكر ينكر بما تيسر، بأن يخاطب من يتكلم عربية بأن هذا لا يجوز وهذا محرم، فانحن نخاف من عذاب الله ونقمته وسخطه، أو كذلك إرسال الرسائل أو كتابة الخطابات أو غير ذلك. لو أن كل مسلم أدى ما أوجب الله عز وجل عليه لقل مثل هذا الشرك ولتسكر أول المنكر عن منكراتهم ولما أظهروا ولا تفشوا به. وهذا واجب على كل مسلم، لكن للأسف أكثر من يقعد في هذه الطائرات لا ينكر المنكر ولا يأمر بالمعروف ولا يذكر بما علم من دين الله عز وجل. فربما كان هذا السكوت في ظهور تلك المظاهر التي تناهي الإسلام. وهذا كذلك مما يذكر في هذا المقام ما يجب على المسلمين من الحرص والحذر من مكائد أهل أعداء هذا الدين. فإن أعداء هذا الدين يحرصون على مسخ الشخصية المسلمة في أي موضع وفي أي زمان ومكان. فتتعجب كيف استطاع أعداء هذا الدين أن يتغلغلوا بمظاهرهم وفي مظاهرهم بين أوساط المسلمين في مطارات دول عربية وإسلامية، لا تكاد تجد آثار الإسلام، يبهر وفي ثنايا الطائرات وفي غيرها من المواضع الأخرى. وهكذا كذلك ترى ذلك جليا في تلك البلاد البعيدة، ترى تسلط أعداء هذا الدين على البلاد المسلمة والتقوي بقوتها في فرض بعض النظم من قبل بعض من ينتسب إلى هذا الدين إثما وليس له حقيقة هذا المسمى، مثل تلك البلاد بلاد أندونيسيا، بلاد فيها أكثر من 250 مليون، ونسبة المسلمين فيها أكثر من 80%، ومع ذلك لا تكاد ترى آثار هذا الإسلام في المجتمع وفي الشارع العام، ما ترى إلا مظاهر التبرج والسفور. ومعاني كذلك الحرية المطلقة الخنوع في المطارات والتبرج والسفور على أقصى ما يمكن أن يوصف. ونحن في بلد إسلامية، وهذا إن دل على شيء دل على تسلط أعداء هذا الدين وجهل المسلمين بدينهم، حتى حصل مثل هذا الانحلال، وللأسف. ومما يبقى كذلك في هذا المقام الخير الذي رأيناه من إخواننا أهل السنة في تلك البلاد المباركة، والجهود الدعوية الطيبة التي يجتهدون فيها على قلة ذات اليد، وعلى كذلك تكالب الأعداء، وعلى كذلك تفرق البلاد، إلا أنهم في الحقيقة في جهد عظيم يشكرون عليه. مراكز أهل السنة في تلك البلاد منتشرة انتشارا عظيما، لا تكاد تجد بلدة إلا وفيها مجموعة من أهل السنة، إما مركز ومسجد وإما مركز من دون مسجد في بيت أو غير ذلك، المهم دعوة إلى الله وتعليم رجال ونساء وصغار وكبار. بعض المراكز ربما يوجد فيها أكثر من ثلاثمائة، وبعضها أقل من ذلك، وبعضها ربما أكثر، ويزداد الفرح ويعظم إذا وجدت الفارق العظيم بين ما يعيشه ذلك المجتمع من السقوط الأخلاقي والديني، ومع ذلك التحفظ والتمسك لدين الله جل وعلا على فهم سلف الأمة. هنا يزداد الفرح وتعظم نعمة هذه النعمة. فعلى سبيل المثال نزلنا في مدينة جاكرتا التي ما استطعنا أن نرى فيها أثرا من آثار الإسلام، إلا إذا رأينا مسجد وقليلا ما نرى، وفي ثنايا الطريق ربما ترى كنيسة أو ترى معبد أو ترى أصنام أو غير ذلك. وأما التبرج والسهور فلا تسأل عنها، فلا تسأل تجد، كما قلنا مظاهر الإسلام التي عرضتها في بلاد المسلمين إلا نادرا جدا، نادر جدا، حتى في الرجال هذا فيهم. وربما لأننا ما مشينا إلى الأسواق العامة وإلى المواضع الشعبية، لكن الشاهد أن هذه صفة وللأسف غالبة. وفي موضع قريب وأنا ربما ما أحفظ الأسماء ما أضبط الأسماء، ويصوبني الشيخ سالم. موضع قريب من جاكرتا في مركز من مراكز أهل السنة، وهي في منطقة لعل اسمها ليبوك. وهذه المنطقة فيها مركز من مراكز أهل السنة، قد أصبنا بالإحباب لما رأينا ذات المجتمع الملحل، ويعني ذات تلك المناظر المؤذية المؤلمة. فما إن دخلنا تلك البلاد إلا وانشرحت صدورنا برؤية إخواننا من أهل السنة، فعلنا في دماد ما شاء الله، القمصان واللحى والعمائم والنساء المحتشمات هناك، ما تجد ترى إلا اللحى تاجل، تجد السوق وهناك تجد الحشمة كاملة ما شاء الله، والصغيرات محتشمات ما شاء الله. وتدخل إلى المسجد، ترى ما يشرح الصدر من الصغار الكثير المتدينين، إن طلب العلم يحفظون القرآن، وتعلمون العلم الشرعي مثل دراسة الكتاتيب، كأنه لدماج مصنغرة، والغرض حوالين المسجد والبيوت المستورة. وهذا يأتي بدراجته، وهذا بالسيكل الناري، وآخر بسيارة، وآخر رجل ورباع، وأعظم يحمل اثنين من أولاده، واحد في الأمام ويعملون شجاعة، واحد من خلف ويأتي إلى المسجد، يجتمعون شيء يفلج الصدر ويفرح المسلم، خصوصا في مثل ذلك المجتمع. وما علمناه من دروس وجهود علمية ومحاضرات مع بعض مشايخ أهل السنة، بل اتصالات العاتفية وغير ذلك من وسائل أخرى حديثة كالبالسوق وغيره، كذلك تزداد فرحا أن هذه الدعوة متصلة بأهل العلم، وفيها هذا الخير. وحين تسأل ما شاء الله، حفاظ القرآن من الرجال، وهكذا حظ ما تيسر من النساء، ودروس النساء شيء عظيم، وهذا يبشر بإذن الله تعالى بخير عظيم في تلك البلاد، وهكذا بلاد أخرى كثيرة. تمر إلى مدنها فترى ذات الفساد والانحلال، فتأتي إلى مراكز أهل السنة فترى ما يقر العين ويفرح المسلم من التمسك بالسنة والحرص عليها والفرح بأهل السنة والالتفاف والاستبشار والسؤال عن الدعوة. وكلهم يتمنى يأتي إلى اليمن، وللأسف أهل اليمن الكثير منهم زاهدون في مراكز أهل السنة. وأهل أندونيسيا إن قلت بالمئات لا أبالغ، أنهم يريدون أن يأتي إلى اليمن يتعلموا العلم الشرعي ويدرسوا في مراكز أهل السنة، ليس فقط الأبناء بل الآباء، حتى الآباء رب وعظيم يقول: «استطيعوا تأخذوا ولدي معكم». وهذا عنده ولد يريدون أن يرسلونه إلى مراكز أهل السنة في اليمن يتعلمون العلم الشرعي ويحفظون به الدين. وهنا نرى الكثير وللأسف في زهد عظيم عن هذه المراكز، عن هذا العلم الشرعي. ولعل الأمر كما ذكر: «أنه من لم يعرف الجاهلية لم يعرف فضل الإسلام». فربما الكثير لم يعرف الجاهلية التي يعيش هذا العصر، فصار زاهدا بالإسلام. وهذا الخير الذي والله نشكره أن تحرموا هذه البلاد يوما من الأيام فيندم كثير من المسلمين على هذه النعمة التي فاتت، وقد كانت يوما من الدور. ولم يصل إليها ولم يحرم عليها. وهكذا أتينا مناطق أخرى فوجدنا مثل هذا الخير بالمثل في مدينة أخرى يقال لها جفجة أو جفجة كارتا. أعد الأخوة هناك أعدوا هناك دور علمية للأساتذة لمدة عشرة أيام، دروس علمية في عشرة أيام، فترة يسيرة لكن حرص عند الأخوة هناك حرص على العلم وحب لتحصيله. اجتمع الأساتذة من مناطق كبيرة من أندونيسيا، مجموعة كبيرة من الأساتذة. ظللنا أن هؤلاء أهل السنة، قلنا: «ما شاء الله كثير». فإذا بهم يقول لنا: «هناك دورة أخرى دورة أخرى لعموم طلبة العلم لمدة يومين»، محاضرات متوالية في متون علمية متنوعة، يومين بعد كل صلاة، وفي الضحى من الصباح إلى الظهر، محاضرات كلمات، تكلم الشيخ سالم وتكلم أنا وتكلم بعض الأخوة. وإذا تكلمنا يترجم لنا بعض الأخوة، أما الأساتذة أكثرهم يعرفون العربية. فلما جاء وقت هذه الدورة لجميع طلبة العلم، قالوا: «في المسجد يقال له مسجد سليمان، يعتبر الجامع في تلك المدينة، وهي مدينة جامعية فيها جامعات كثيرة». وهذا المسجد حين ذهبنا إليه ظنناه جامع من ضمن الجوامع، فلما جئنا فوجئنا بالعدد الهائل الذي سمع بذلك، من مسجد ما حوله، ظننا أنه حج من كثرة الناس، من كثرة الناس استغربنا أول ما دخلنا في الحوش، ظننت أن الناس جاءوا لشيء آخر، يمكن هنا جامعة أو شيء ما، ظننت أن هذا لأجل الدورة. فإذا بي أتبين كل ما أنغمس بين الناس، أتأكد أن هؤلاء جاءوا للدروس وللمحاضرات، فتعجبت: «إيش هذا الجمع؟» فقالوا: «هؤلاء جاءوا من شتى مناطق أندونيسيا». فدخلت المسجد، بمسجد جامع عظيم يشبه جامع الخيف، تعرفون مسجد الخيف في منى من ذهب إلى الحج يعرفه، مسجد ضخم، وهذا يشبهه. والناس هناك مثل الحج، فرش وشنط وحول المسجد سوق، لأن جزاهم الله خير، معتمدون على أنفسهم في الطعام والشراب، حتى الحمامات ما كفت، فأتى الأخوة بحمامات متنقلة، سيارات كبيرة حمامات حول المسجد، عدد هائل. تريد تنظر آخر المسجد ما تستطيع ترى آخر المسجد من كثرة الناس، فتتعجب على هذا الإقبال العظيم الذي يبشر بخير عظيم لتلك البلاد المباركة. مع أنك لو مشيت أماكن ترى الفارق العظيم بين أولئك الذين وفقهم الله لهذه النعمة العظيمة، وبين الكثير من يجهل الدين، وللأسف يجهل الدين. وهذا لعله أكثر حال المسلمين هناك لجهلهم بالدين، فهم في انحلال عظيم وفي تفسخ وفي بعد عن دين الله عز وجل في جوانب كثيرة، ربما. وهذا مما يدلك على الجهل والتناقضات، وأن المسلمين إذا لم يتداركوا أنفسهم بتعلم العلم الشرعي وبثه، فإنه سيصل حال كثير من البلاد المسلمة إلى حال تلك البلاد بسبب الجهل بدين الله عز وجل. فالجهل داء فتاك يفتك بالأمم، وقد طبّق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ يقول كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر: «إن الله لا يقبض هذا الدين انتزاعا ينتزع من صدور العلماء، ولكن بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وهذا الذي وقع في تلك البلاد. إخواننا أهل السنة يدعون ويعلمون ويرجعون، لكن يوجد بالمجتمع من علماء السوء والضلال من يبث المفاهيم المعوجة المغلوطة، حتى رسخ في أذهان الكثير من النساء أن الحجاب إنما هو للعربيات ليس للعجم، وأن الحجاب إنما هو في الصلاة ليس خارج الصلاة، وأشياء كثيرة، وأشياء كثيرة صار يبث في المجتمع، يبث في المجتمع تدين غريب، لعلك لن تبالغ إذا قلت أنه تدين علماني، تدين بمعنى ترك التدين الحقيقي، إنما مسمى فقط الإسلام، اسم اسمه مسلم، وأما عن فعل المحرمات واجتنابها فلا تسأل عن ذلك. ومن عجائب ما رأيت أننا أدركنا صلاة الفجر في مسجد، هنا المساجد في سفر ونحن في سفر، فعجوز خرجت من المسجد، عجوز ما تقول المرأة مراهقة، عجوز يوجد في المساجد هناك، فوط تعرفون الفوطة، وشيء يلبس من فوق الرأس يسمونه روكو، مثلا الجلباب يغطي الرأس إلا الوجه، أبيض سبيل هذا في المساجد، لأن أكثر النساء متبرجات، الذي تريد تصلي تدركها الصلاة، والغالب ما ينقل المساجد إلا العجائز. فإذا بعجوز تخرج، نحن نصلي صلينا الجماعة، خرجت من مكان النساء، عجوز ببنطلون قصير، خلعت الفوطة والروكو، انتهت الصلاة، خلعت الفوطة والروكو، وعلقتها في الساتر الذي بين الرجال والنساء، وخرجت ببنطلون قصير والفانيلة الكتفي. فإن لله وإن إليه راجعون، لو امرأة صغيرة ربما تقول: «امرأة قاه فتنة وصاحبة شر». لكنها عجوز، امرأة عجوز، يمكن في سن جدتي، ومع ذلك حالهم على هذا، لا يرون في ذلك بأسا. فسبحان الله كيف يجتمع هذا بسبب الجهل بالدين، وفي وجود علماء سوء يبثون من هذه المفاهيم في ذلك المجتمع، بأن الحجاب في الصلاة فقط، أو الحجاب إنما هو للعربيات، أما أنتم لا عليكم حجاب، أما أنتم ليس عليكم حجاب، ونحو ذلك من المفاهيم المغلوطة. وهكذا وعكذا في ذلك المجتمع. أو ذلك الاجتماع كانت أسئلة، وكانت محاضرات نافعة، وترجمة طيبة، بعض إخواننا. ثم كذلك تتعرف على كثير من الإخوان الذين أتوا من المواضع البعيدة، فربما بعضهم مشى ثلاثة أيام لأجل أن يصل لمثل هذه المحاضرة، حرص وحب للخير. بينما تجد من إخواننا من العلم في نفس المسجد، ولا يحضر الدرس، وأولئك ربما مشوا ثلاثة أيام، بل أخبرت عن جماعة أسبوع كامل، وهم يمشون بين بحر وبر وبر، حتى وصلوا إلى موضع المحاضرة، بعضهم جاء من جزر يسمى جزر الملوك. وفي تلك البلاد كذلك من نعم الدنيا التي نحمد الله عز وجل عليها، التي من علينا أن المسافات القليلة تصير عندهم كثيرة من شدة الزحام. فإنك تمشي في بلاد ما ترى بر، كلها بلاد، يقولوا: «دخلت المدينة الفلانية وخرجت من المدينة الفلانية»، وأنت في بنيان من بنيان إلى بنيان، وربما كذلك الذي يزيد في ذلك الزحام ضيق بعض الشوارع التي بين المدن. فمسافة خمسمائة وخمسين كيلو، مسافة خمسمائة وخمسين كيلو، فمسافة خمسمائة وخمسين كيلو المبارك مما في عشرين ساعة، يعني أقل من عدن إلى مكة، من عدن إلى مكة ستمئة وعشرين، وتقضى في عشر ساعات، وهناك تقضى في عشرين ساعة، عشرين ساعة تقوم وتنام وتقوم وتنام. فنحن في نعمة. وكذا كذلك مما يذخر أن هذه الدعوة المباركة كان لها أثر حتى في بعض البلاد النائية، فقد تيسر الدعوة لبعض الجزر الأخرى غير جزيرة جاوة التي فيها العاصمة جاكرتا، فتيسر الدعوة لجزيرة سومطرة، وهي جزيرة أخرى تعتبر أكبر من جزيرة جاوة، وظننا وظننا أن الدعوة في تلك البلاد في جاوة فقط، وإذا بسومطرة ما شاء الله فيها خير آخر كثير. ففي نفس المدينة يوجد مجموعة من أهل السنة في معهد تعظيم السنة لأحد إخواننا، والأساتذة الأفاضل هناك، وما شاء الله مجتمع في ذاك الانحلال الذي قد علمت، وفي ذلكم المجتمع تلك الوجوه النيرة التي فيها آثار السنة، قميص ولحى وعمائم، كبار وصغار، أولاد صغار، والحجاب الكامل ما شاء الله، شراشف، بين مسجد تلتفت يمن ويسرة، عالم آخر، كأنها صورة مركبة، ما تظن أنها لذلكم الفارق العظيم بين هذين المظهرين. وهكذا كذلك في جزيرة أخرى يقال لها جزيرة باتام، وهي من الجزر الصناعية قريبة من سنغافورة وماليزيا، بل ترى سنغافورة بالعين لقرب المسافة بينهما، ويكثر فيها الصينيون وأهل تلك البلاد الكافرة. ومع ذلك بفضل الله فيها مركز من مراكز أهل السنة، وما شاء الله تلك الوجوه النيرة، وتلك المظاهر الإسلامية الصافية التي تشرح الصدر في ظل ذاك الانحلال والانحراف. واجتهاد لطلب العلم وحفظ القرآن، تجد ولد ثمان سنوات وهو يحفظ ما شاء الله أربعة عشر جزءا من القرآن. فربما إذا كلمت بالعربية ما يعرف العربية، تقول له: «اقرأ من سورة كذا»، ويقرأ ما شاء الله، يقرأ مثل النا، يقرأ هذا، يقرأ في سورة كذا، ولا يقرأ في سورة كذا. وعاكذا كذلك في منطقة أخرى من مناطق جاء يقال لها سورابايا. وفيها كذلك من إخوان أهل السنة ما تتعجب لو أنك تعرفت على أولئك، لظنت أن أولئك أهل السنة في البلاد في كل البلاد الإندونيسية، فكيف إذا علمت أن كل منطقة فيها من أمثال أولئك كثير. فهذه نعمة عظيمة في الحقيقة، ويدل على اجتهاد عظيم يبذله الإخوان هناك، وصبر شديد في مواجهة الأعداء ومواجهة أهل الأهواء. بل يخبرني بعض الإخوان الذين أم قد يبتلوا بشيء من هذا البلاء. ووحد الأساس، ووحد الأساس يقال له خطيب في منطقة يقال لها شيئا أميس.