شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 40

شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 40

الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 40، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني

آداب تلاوة القرآن وهيئات القارئ

يستحب للقارئ استقبال القبلة والجلوس بخشوع وسكينة ووقار حال تلاوة القرآن خارج الصلاة، وإن جازت القراءة في سائر الهيئات من قيام وقعود واضطجاع. وتترتب الأفضلية في الأجر على القيام ثم القعود ثم الاضطجاع اقتداءً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم ودلالة الآية الكريمة.

أحكام الاستعاذة ومشروعيتها في التلاوة

تُشرع الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم قبل تلاوة القرآن استحباباً لا وجوباً عند الجمهور، وتكون في كل ركعة على الراجح بصيغتها المأثورة أو ما يقوم مقامها. ولا تُشرع الاستعاذة عند قراءة الآيات للاستدلال أو في الخطب والمواعظ، بينما تستحب في صلاة الجنازة لوجود القراءة فيها.

أحكام القراءة والاستعاذة في صلاة الجنازة

لا يشرع دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة لكونها مبنية على التخفيف والإيجاز، بخلاف سائر الصلوات. أما الاستعاذة والبسملة فتُشرعان فيها لعموم وجوبهما أو استحبابهما في الصلاة، وقد دلّت الآية الكريمة على مشروعية الصلاة على الميت.

التفريغ النصي الكامل

موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى. الرحمن الرحمن، والحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال رحمه الله: قال: فصل: يستحب لقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة. فقد جاء الحديث: «خير المجالس ما استقبل به القبلة». نعم، هذا الحديث ضعيف، وصح موقوفًا على سليمان بن موسى الأشدق، ومكحول، ومغيث بن سمي. لا يصح مرفوعًا، وأيمن حديث بهريرة وابن عباس وابن عمر، ولكن صح موقوفًا على سليمان بن موسى الأشدق، ومكحول، ومغيث بن سمي، كما في «تبيض الصحيفة بأصول الحديث الضعيف» لمحمد بن عمر بن عبد اللطيف، برقم خمسة عشر. كتاب مفيد جدًا: «تبيض الصحيفة بأصول الحديث الضعيفة»، برقم خمسة عشر. قال: ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مطرق الرأس، ويكون جلوسه وحدة في تحسين أدب وخضوعه كجلوسه بين يدي معلمه، فهذا هو الأكمل. يعني هذا تقدم في الدروس الماضية أنه ينبغي أن يختار المجالس الجيدة لحلق العلم والقرآن. وأما هذا الحديث فلا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خير المجالس ما استقبل به القبلة»، لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن قوله: «يجلس متخشعًا بسكينة ووقار»، يعني في هيئة الأدب، السكون في نفسه والتسكين لأطراقه، ولا يجلس جلسة المتكبرين مثلاً، يضع رجلًا على رجل أو نحو هذه الجلسات. قال: ويكون جلوسه وحدة في تحسين أدب وخضوعه كجلوسه بين يدي معلمه. لماذا؟ لأنه يختلي لربه سبحانه وتعالى فيكون على غاية المهابة، كما أنه يهاب المدرس. قال: كجلوسه بين يدي معلمه. كما أن الطالب... وهذا كانت عادة عند المتقدمين أن يهاب المدرس، وأن يتأدب مع المدرس. يقول: لا فرق في الجلوس للقرآن بين أن تكون منفردًا أو أن تكون في جماعة بين يدي المدرس. وكما أنك تحرص على حسن التصرف وكمال الأدب وإعطاء المدرس حقه، فهكذا ينبغي لو جلس الإنسان وحده فإنه يجلس بين يدي الله سبحانه وتعالى، فإنه ينبغي أن يكون على غاية المهابة والأدب في جلوسه بين يدي الله سبحانه وتعالى. قال: ولو قرأ قائمًا أو متكئًا أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال جاز، وله أجر، ولكن دون الأول. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾. وجه الشاهد من الآية أن الله سبحانه وتعالى قدم القيام، فدل على أنه أفضل: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا﴾، ثم بعده القعود: ﴿وَقُعُودًا﴾، فيدل على أنه بعد القيام القعود، ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، فيدل على فضل تلك الحالات على الترتيب: القيام، ثم القعود، ثم الاضطجاع. قال: ثم في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري، وعن حائض فيقرأ القرآن. رواه البخاري ومسلم. وفي رواية: يقرأ القرآن ورأسه في حجري. يعني فيه جواز تلاوة القرآن متكئًا، يقرأ قائمًا، يقرأ قاعدًا، يقرأ على جنب، يقرأ متكئًا. حقيقة يعني أفضلية القراءة من قيام على القراءة من قعود ليس هناك دليل، لأن الآية لا تدل على الأفضلية، لكن إنما ذكرت ما دل به من الآية على هذه المسألة. وإلا ففيه أن الذاكر يذكر الله سبحانه وتعالى على أي هيئة، على أي هيئة. لكن في مجالس العلم لا شك أن الجلوس هو أفضل، في مجالس العلم فالجلوس أفضل من القيام، وأفضل من الاضطجاع، والاتكاء أيضًا جائز، يستدل بهذا الحديث، فهو صريح الدلالة على تلاوة القرآن متكئًا. وأيضًا يستدل بعموم حديث عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحوال. وتقدم كلامه عن العلم أن المراد بقوله: «على كل أحوال» يعني طاهرا وقاعدًا ومضطجعًا، محدثًا وطاهرًا، ماشيًا وقاعدًا، ماشيًا وواقفًا. فهذه الأحوال كلها يشملها الحديث: يذكر الله على كل أحوال. وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: إني لأقرأ القرآن في صلاتي وأقرأ على فراشي. في التحقيق الأثر، أخرجه البخاري بنحوه عن أبي موسى. وفي أنه عاد فقال لأبي موسى: كيف تقرأ القرآن؟ قال: قائمًا وقاعدًا على راحلتي، وأتفوقه تفوقًا. قال: وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إني لأقرأ حزبي وأنا مضطجعة على السرير. فحاشية ثار صحيح، رجع عبد الرزاق. قال رحمه الله: فصل: فإذا أراد الشروع في القراءة استعاذ، فقال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هكذا قال الجمهور من العلماء. وقال بعض السلف: يتعوذ بعد القراءة، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وتقدير الآية عند الجمهور: فإذا أردت القراءة فاستعذ. أيضًا مما يشرع قبل القراءة: الاستعاذة قبل أن يقرأ، أن يستعذ عملًا بالآية: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾، يعني إذا أردت قراءته فاستعذ. وبعض السلف جعل الاستعاذة بعد القراءة، بعد أن يكمل القراءة يستعيذ. قال: ولكن القول الراجح هو قول الجمهور. قال: ثم صفة التعوذ... يعني بعد القراءة؟ لعله إذا بدأ يقرأ يستعيذ. قال: ثم صفة التعوذ كما ذكرنا، يعني: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وكان جماعات من السلف يقولون: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا بأس بهذا، ولكن الأفضل هو الأول. الاستعاذة تجوز بكل ما يحصل به امتثال الأمر: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، ممكن يقول: أعوذ، ممكن يقول: أستعيذ، ممكن يقول: نستعيذ، ممكن يقول: استعذت. فكل ما يحصل به امتثال الأمر، لأن الله يقول: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾، ممكن يقول: أعوذ، أو أستعيذ، أو نستعيذ، أو استعذت. فهذا كله يشمل قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾. لكن الأفضل عند جميع القراء، وعليه عامة الفقهاء، هي هذه الصيغة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يعني من حيث الرواية، القراء من حيث الرواية عندهم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وعليه عامة الفقهاء. الصحابة هذه أو تفضيل هذه الصيغة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أيش الدليل عليها؟ ظاهر القرآن: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، على ظاهر القرآن. قال: ثم إن التعوذ مستحب، ليس بواجب، وهو مستحب لكل... قال: سواء كان في الصلاة أو غيرها. نعم، الراجح أن الاستعاذة مستحبة وليست بواجبة، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ القرآن في أحوال مختلفة ولم ينقل عنه أنه كلما قرأ القرآن استعاذ. هذا هو حصر للأمر عن الوجوب إلى الاستحباب. وهل هذا الاستحباب يعني سنة كفاية أو سنة عين؟ يعني إذا كانوا في مجلس وجماعة يقرؤون، خمسة أو عشرة، هل يكتفون باستعاذة القارئ الأول؟ إذا كانوا في مجلس وجماعة يقرؤون بالدور، هل يكتفون باستعاذة القارئ الأول، أو على كل واحد أن يستعيذ على سبيل الاستحباب؟ الجواب الراجح عند أهل العلم أنه على كل واحد أن يستعيذ، لأن المقصود هو أن يعتصم بالله من شر الشيطان الرجيم فينجو من شروره وغوائله وسواسه، فهذا لا يحصل باستعاذة الأول. كل يريد أن يستعيذ ويسلم من شر الشيطان الرجيم. فإذا كانوا في مجلس، إذا جاء الدور يستعيذ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقرأ، وكان في قراءة. نعم، قال: ويستحب... نعم، وهو مستحب لكل قارئ، سواء كان في الصلاة أو غيرها. ليست هذه مقصورة على الصلاة فقط، بل هي عامة في الصلاة وغيرها لعموم الأمر: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. قالوا: يستحب في الصلاة في كل ركعة، على الصحيح من الوجهين عند أصحابنا، وعلى الوجه الثاني إنما يستحب في الركعة الأولى، فإن تركه في الأولى أتى به في الثانية. نعم، الراجح أن الاستحباب يكون في كل ركعة على سبيل الاستحباب، لعموم الآية: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾، وقرأ القرآن في الركعة الأولى، ثم ركع، وأتى بأذكار الركوع، ثم رفع، ثم سجد، ثم جلس، هذه تنخلل القراءة، فإذا عاد مرة أخرى إلى القراءة فيشرع له أن يستعيذ. والاستعاذة لا تشرع عند الاستدلال بالآية والآيتين في الخطب أو في الموعظ، فإن هذا لم يكن يفعله النبي صلى الله عليه وسلم. إذا كنت في فتوى، إذا كنت في استدلال على مسألة فقهية، إذا كنت في موعظة، إذا كنت في خطبة، أراد أن يستدل على حقارة الدنيا: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ. يعني إذا قرأ الآية والآيتين للمواعظ أو لتبعييف الخطبة، فليتنبه لذلك. هذا ما يتعلق... قالوا: يستحب التعوذ في التكبيرة الأولى من صلاة الجنازة، على صحيح الوجهين. لا، نعم، صلاة الجنازة صلاة، وفيها قراءة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾. نعم، الاستفتاح لا يشرع في صلاة الجنازة لأنها مبنية على التخفيف. دعاء الاستفتاح لا يشرع في صلاة الجنازة لأن الصلاة مبنية على التخفيف، لكن الاستعاذة والبسملة هذه مطلوبة للعموم لأنها صلاة. قال: ﴿صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمُ﴾، الصلاة على الجنازة. طيب، نكتفي بهذا إلى هنا. الحمد لله.