الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 39، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يبيّن المقطع كراهة السلف استعمال آيات القرآن في الحديث الدنيوي، ويستحب قراءة القرآن في مكان نظيف مختار. وتعد المساجد أفضل البقاع لتدارس القرآن لنزول السكينة والرحمة وحضور الملائكة وذكر الله لهم، مع مشروعية النية للاعتكاف عند دخول المسجد.
يناقش المقطع قول شيخ الإسلام ابن تيمية بعدم ثبوت نية الاعتكاف لمجرد دخول المسجد. ثم يستعرض خلاف العلماء في قراءة القرآن في الحمام بين الجواز بلا كراهة والكراهة استناداً إلى تعظيم شعائر الله، مع التفريق بين الحمام القديم ودورات المياه الحديثة.
يبيّن المقطع أن المساجد موضوعة للذكر وتلاوة القرآن لا لقضاء الحاجة، ويستحب تجنب القراءة في مواضع النجاسة والأماكن الصاخبة. وتجوز القراءة في الطريق ما لم يلهَ القارئ، وكرهها بعض السلف لكن لا دليل قاطع، كما يُنهى عن القراءة عند النعاس مخافة الخطأ.
يحث المقطع على اغتنام أوقات الطريق بذكر الله وقراءة القرآن أو مطالعة العلم، مستشهداً بهدي السلف والعلماء الذين كانوا لا يفارقون الكراسات في أسفارهم. ويختتم بالدعاء بالتوفيق للجميع في استغلال أوقاتهم بالطاعات.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فقد أخذنا في الفصل الماضي بعض المسائل المتعلقة بالطهارة لتالي القرآن، وهنا مسألة ذكرها: قال أصحابنا: وكذا إذا قال الإنسان: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وقصد به غير القرآن فهو جائز. ذهب بعض السلف إلى المنع من ذلك، واعتبروه من الاستخفاف بالقرآن، من هؤلاء أبو عبيد القاسم بن سلام. يعني ذكر مسألة وهي: أن الرجل إذا لقي صاحبه على غير ميعاد فقال: جئت على قدر يا موسى، قال: هذا من الاستخفاف بالقرآن، ذكره في كتابه فضائل القرآن. وهكذا يقول إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يتلو الآية عند أمر من أمور الدنيا يعرض له، أو كما قال، وسنده صحيح. هذا على سبيل التنبيه أن بعض السلف كره أن يستعمل القرآن للحديث بين الناس. قال رحمه الله: فصل، ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، وذلك تعظيما للقرآن؛ لأن القرآن هو أفضل الذكر، فتعظيما وتشريفا للقرآن ينظر له المكان الطيب النظيف الطاهر المهيأ. قالوا: لهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعا للنظافة وشرف البقعة، ومحصلا لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف؛ فإنه ينبغي لكل جالس في المسجد أن ينوي الاعتكاف، سواء كثر جلوسه أو قل، بل ينبغي له أول دخوله في المسجد أن ينوي الاعتكاف. وهذا الأدب ينبغي أن يعتنى به ويشاع ذكره وتعريفه للصغار والعوام، فإنه مما يغفل عنه. نعم، استحب أن تكون القراءة في المسجد، يعني الأفضل في مدارسة العلم، ومن أعظم العلم مدارسة كتاب الله سبحانه وتعالى وتعلمه، أن يكون في أفضل البقاع، ألا وهي المساجد؛ فإنها أحب البقاع إلى الله سبحانه وتعالى. والدليل على ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فهذه الفضائل الأربع ينالها المتعلمون والمعلمون لكتاب الله سبحانه وتعالى، فبركة إلهية جعلت في المساجد، فأفضل بقاع في تعلم العلم هي المساجد. لكن لا يعني أن الإنسان لا يقرأ ويتحرى أن يقرأ في المسجد فقط، لا؛ الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، فيقرأ في بيته، ويقرأ في طريقه، ويقرأ في دكانه، ويقرأ في سيارته، ويقرأ في المسجد. لكن إذا كانت هناك حلقات تعقد وأوقات كثيرة تصرف في القرآن، فالأفضل لمن تيسر له أن يجعل محل التدارس هو بيت الله سبحانه وتعالى: «ومجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده». فهذه الفضائل الأربع لم تذكر لتدارس العلم في موضع إلا في المسجد، ومجتمع قوم في بيت من بيوت الله. وذكر فضيلة أخرى وهي الاعتكاف: أنه إذا دخل ينوي الاعتكاف. إلى آخرين، هذا لم يره بعض العلماء لعدم ثبوته، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كما في كتاب الاختيارات للبعلي، قال: ولم يرَ أبو العباس نية الاعتكاف إذا دخل المسجد. فهذا مما لم يره بعض العلماء وذلك لعدم ثبوته. ما هو الدليل على أن من دخل في أي وقت ينوي الاعتكاف؟ لا دليل على ذلك، لو كان خيرا لسبق إليه السلف الصالح، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالوا: أما قراءته في الحمام فقد اختلف السلف في كراهتها، فقال أصحابنا: لا تكره، ونقلوا عن الإمام المجمع على جلالته أبي بكر بن المنذر في الإشراف عن إبراهيم النخعي ومالك، وهو قول عطاء. قالوا: ذهب إلى كراهته جماعات، منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه عنه ابن أبي داود، وحكاه ابن المنذر عن جماعة من التابعين، منهم أبو عيل، وشقيق بن سلمة، والشعب، والحسن البصري، ومكحول، وقبيصة بن ذؤيب. قالوا: روينا أيضا عن إبراهيم النخعي، وحكاه أصحابنا عن أبي حنيفة رضي الله عنهم أجمعين. نعم، القراءة في الحمام: الحمام ليس هو محل قضاء الحاجة من غائط أو بول، لا؛ المراد بالحمام المكان الذي يستحم فيه ويغتسل فيه. كانت الحمامات تطلق على تلك الأماكن التي فيها المياه الحرة، لكن توسعوا وصار الموضع الذي يغتسل فيه ليس مهيأ لقضاء الحاجة يقال له حمام. فما حكم القراءة في الحمام؟ فيه قولان لأهل العلم: فالقول الأول كما ذكر النووي رحمه الله أنه جائز بدون كراهة، ودليلهم: لأنه لم يرد في الشرع شيء يدل على كراهته، فهو كسائر المواضع، وهذا هو الراجح. ليس هناك دليل في الشرع يدل على المنع أو على الكراهة من قراءة القرآن في الحمام. ليس هذا الحمام الذي عندنا، هذه الحمامات متخذة لقضاء الحاجة من غائط أو بول، لكن المراد الأماكن التي يستحم فيها. فالقول الأول: أنه لا كراهة. ما هو الدليل؟ لعدم ورود ما يفيد الكراهة أو المنع في الشرع، فإذا هو كسائر المواضع، وهذا هو الراجح. والقول الثاني بالكراهة لكن لا دليل، قال الشعبي. نعم، نواصل القراءة. قال رحمه الله: قال الشعبي: تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواضع: الحمامات، والحشوش، وبيت الرحا وهي تدور. وهذا أخرجه ابن الضريس في الفضائل بإسناد صالح. قال: عن الحشوش هنا تعليق للنووي: قال: مواضع العذرة والبول المتخذة له، واحدها حش بضم الحاء وفتحها لغتان. الحشوش هي في الأصل البساتين؛ لأن كانت عادة العرب أنهم يقضون حوائجهم في البساتين، فلما اتخذوا الكنف وتركوا البساتين قيل لهذه الكنف بأنها حشوش، أطلق عليها مجازا بأنها حشوش خلفا عن المواضع التي كان يقضون الحاجة فيها. قال: نعم، هذا. وأيضا بيت الرحا: يعني الموضع الذي اتخذ لطحن الحبوب، ترتفع فيه أصوات المطاحن، فلا يكون الموضع مهيأ لقراءة القرآن. ثلاثة مواضع: الحمامات وتقدم، والحشوش يعني موضع قضاء الحاجة من غائط أو بول، فهذا يجتنب ذكر الله عز وجل فيها. ما هو الدليل؟ ﴿وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾، ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. فالإنسان إذا كان في هذا الموضع ينزل هذا الموضع عن ذكر الله سبحانه وتعالى. وقد يستدل بحديث أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء الأعرابي بال، قال: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا الغائط، إنما هي لذكر الله وتلاوة القرآن»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، رواه مسلم. فجعل موضع البول موضعا مغايرا لموضع تلاوة القرآن وذكر الله سبحانه وتعالى. ويستفاد من هذا الحديث أن ذكر الله، وأن تلاوة القرآن الذي هو أعلى الذكر، يجتنب أماكن البول والغائط، يجتنب أماكن البول والغائط، فينبغي أن لا يذكر الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع. المتقدمون ما تقدم معنا: أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقضي الحاجة، أو وهو يبول، فلم يرد عليه حتى انتقل من الموضع فرد عليه. وبيت الرحى: يعني محل طحن الحبوب، ترتفع الأصوات، فلا يتشوش القارئ ولا يدري ماذا قرأ، فهذا هو المقصود. يعني يجتنب القرآن المكان الذي هو لا يليق بعظمة هذا الكتاب، وشرف ومكانة هذا الكتاب في السمو. من هذا: أن أماكن اللغطحيانا، أماكن اللغط، لو ذهب يقرأ حصل تشويش، وكذا. لكن لو كان يقرأ مع نفسه جيد، لكن أن جماعة يقرأون مع وجود اللغط وارتفاع الأصوات فهذا قد يدخل في أثر الشعبي وبيت الرحى. قالوا: عن أبي ميسر قال: لا يذكر الله إلا في مكان طيب. في الحاشية أو في التحقيق: هذا أثر ضعيف. قال: وأما القراءة في الطريق فالمختار أنها جائزة غير مكروهة إذا لم يلتهي صاحبها، فإن التهى صاحبها عنها كُرِهت، كما كره النبي صلى الله عليه وسلم القراءة للناعسين مخافة من الغلط. نعم، الكلام واضح: يعني القراءة في الطريق لا تكره إلا إذا التهى، ينظر إلى المناظر ويتحدث وينشغل ويلتهي عن القراءة، فحينئذ يعني ينبغي أن يمسك عن القراءة إذا كان قد التهى بالمناظر، بالحديث، بالبيع، بالشراء. قال: كما كره النبي صلى الله عليه وسلم القراءة للناعسين مخافة من الغلط. يعني أن كما في الحاشية ذكر الحديث، رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم من الليل فاستعجم القرآن على لسانه فلم يدر ما يقول فليضطجع»، وله روايات. قال: وروى ابن أبي داود عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه كان يقرأ في الطريق، وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه أذن فيها. هذان الأثران لم يطعن عليهما. قال ابن أبي داود: وحدثني أبو الربيع قال: أخبرنا ابن وهب قال: سألت مالكا عن الرجل يصلي من آخر الليل فيخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرأ فيها شيء، فقال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق، وكره ذلك. وهذا إسناد صحيح عن مالك رحمه الله. نعم، بعض السلف كما نشاهد كره القراءة في الطريق، ولكن لا دليل على الكراهة، لا دليل على الكراهة. كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أهينة، قال العلماء: يشمل حال الطهر والحدث، والقيام والقعود والجلوس. قوله: يذكر الله على كل أهينة، يشمل هذه المواضع كلها. هنيئا لمن وفقه الله لذكره أثناء الطريق، بدلا من أن تمضي عليه الأوقات في غير نفع، فيقرأ مثلا أو يقرأ قرآنا أو يذكر الله سبحانه وتعالى بأنواع الذكر. هذا فعله جماعة من السلف، وكان ديدن عدد من العلماء، ما يكاد يمر في طريق إلا في يده كراسة أو شيء من العلم يقرأ فيه في أثناء طريقه. وفق الله الجميع. إلى هنا والحمد لله.