الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 31، الدرس الحادي والثلاثون:من( وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق ... بل الكل فقراء إلى الله في كل شؤونهم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ الحديث الذي يرويه الطبراني ويبين تفسير العلماء له على أنه إما فيما لا يقدر عليه إلا الله أو حماية لحمى التوحيد. يفصل أقسام الاستغاثة إلى جائزة وممنوعة ويبين ضرورة الامتناع عن الجائز إذا أفضى إلى الشرك.
يناقش مسائل متعلقة بالاستغاثة ودعاء غير الله، مشيرا إلى أن دعاء غير الله شرك أكبر ويستدل بآيات قرآنية. يوضح أن طلب الرزق والاستغاثة ينبغي أن يكون من الله وحده.
يتناول تحليلا للشرك وخطورة دعاء غير الله، ويشير إلى أن دعاء الأصنام والأوثان عبث وضلال. يبين أن الشرك ينشأ من الغواية التي يزينها شياطين الجن والإنس وأن الاستغاثة بغير الله شرك أكبر.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. تتمة لما سبق ذكره فيما ذكر بباب من الشرك أن يستغيث بغير الله ويدعو غيره، ومر معنا الكلام على أوائل هذا الباب، وتتم قوله جل وعلا: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، فوجه الشاهد منه قوله سبحانه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، فإذا كان كذلك هو يجيب المضطر، فإذا ينبغي أن يدعى وحده، لا يدعى معه غيره. والواقع أن المشركين دعوا غير الله سبحانه وتعالى. وهكذا قوله: وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: «قوموا بنا نستغيث». هذا الحديث كما ترون قد أشار المعلق إلى ضعفه، أصله عند الطبراني كما ذكر الهيثمي رحمه الله، وهو من حديث عباد بن الصامت، ولكنه من طريق ابن لهيعة، وهو ضعيف بسبب اختلاطه واحتراق كتبه، إلا من نص العلماء أنه روى عنه قبل الاختلاط، كما مر معنا وتقدم في دروس سابقة. وليس هذا من هذا الباب، كما أن فيه علة أخرى، وهو أن الراوي عن عبادة رجل مبهم لم يسمى، فالحديث ضعيف لا يصح. وراه الإمام أحمد بلفظ: «لا يقام لي، إنما يقام لله تبارك وتعالى». حتى أن بعضهم قال: إنه لم يقف عليه بلفظ «لا يستغاث به»، لكن الهيثمي ذكره رحمه الله بهذا اللفظ في «المجمع»، فإذا هو وقف عليه، وأحال إلى الطبراني، فلعله بالجزء المفقود من «معجم الطبراني». ووجه الشاهد من الحديث هو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يستغاث به، إنما يستغاث بالله». وقد فسره العلماء على تفسيرين: التفسير الأول: لا يستغاث به أي فيما لا يقدر عليه إلا الله. والتفسير الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد حماية حمى التوحيد، بخشية وقوع أو بخشية وقوع معنى ينافي كمال التوحيد في هذا الموضع. فإنه وإن كان يجوز الاستغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه، لكن من علم أن هذه الاستغاثة وإن كانت فيما يقدر عليه، يخشى منها التعلق والتعظيم الذي يفضي إلى ما ينافي كمال التوحيد، فإنه ينبغي أن يمتنع. مثل أن يخص إنسان لصلاحه في شيء ليس من شرطه الصلاح، فيظن أن التعلق به لا لأجل أنه إنسان كسائر الناس، ولكن لمعنى آخر يفضي إلى التعظيم والغلو المنافي لكمال التوحيد، بل قد المفضي إلى شيء من الشرك. فعند ذلك حماية لحمى التوحيد يمنع مثل هذا النوع من الاستغاثة. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا الحديث، وذكر قبله ما معناه أن الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه هذا لا ينكره مسلم، يعني هذا أمر متفق عليه. وذكر أن نظائر ذلك ثابتة في الأحاديث الصحيحة الكثيرة، وذكر الاستسقاء وغيرها من الأحاديث التي تدل على استغاثتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فيما يقدر عليه. قال: وأما الاستغاثة فيما لا يقدر عليه فلا يجوز، لا من النبي عليه الصلاة والسلام ولا من غيره. ثم قال ما معناه: فلما كان بعض الناس لا يفهم مراد الله ومراد رسوله، كان من سنته حماية حمى التوحيد، يعني منع الجائز خشية الوقوع في الممنوع، منع الجائز خشية الوقوع في الممنوع. وهذا يتأكد إذا وجدت القرينة التي تدل على احتمال وقوع هذه الفتنة. فمثلا لو أن إنسانا في بلد يكثر فيه الشرك، فيأتيه من يقول: ارق لنا في هذا الماء، الرقيا بالماء وبالزيت وما كان بمعناه، أجازه بعض أهل العلم، وإن كان الأولى والأكمل تركه، لكنه يتأكد المنع منه في مثل هذا المقام، لأن التعلق بالراقي في مثل هؤلاء القوم أعظم من تعلقهم بالرقيا. تعلق هؤلاء بالراقي أعظم من تعلقهم بالرقيا، ولذلك تجد في بعض المواضع يخصون أناسا بأنواع من الرقاة، وربما صار معه من الشرك ما الله به عليم من ذاك الباطل. فإذا نحن نستفيد من هذا أن أهل العلم قسموا الاستغاثة إلى قسمين: قسم جائز، وقسم ممنوع. ومع ذلك فالقسم الجائز إذا كانت هناك ذريعة وقرينة قد تفضي إلى وقوع الشبهة، وكذلك شائبة الشرك فيه، فإنه ينبغي الامتناع منه، وينبغي المنع منه حتى لا تحصل هذه الشبهة وهذه الشائبة حماية لحمى التوحيد، كما قال شيخ الإسلام. فإن الكثير من عامة الناس، أو قال: من الناس لا يفهم مراد الله ومراد رسوله. وهذا لو تأملته كثير في باب الرقاة، وفي باب الدعاء، وفي باب كذلك، يعني ربما كذلك مس الرجل على يد الرأس المريض أو نحوه، مما هو أصله جائز ومشروع، لكنه في مواضع قد يكون فيه شيء من شائبة الشرك، مما يخشى من الغلو في بعض الأشخاص، فينبغي أن يمتنع أو يمنع مثل ذلك. وربما يقال منه: منع التخصص في الرقاة، أن يفتح إنسان محل خاص بالرقية، إذ يلتبس على الناس أمر المشعود والكاهن، بين الراقي الذي يرقي على وجه صحيح. وإذا كان كذلك، فسدا لمثل هذه المفسدة يمنع. وأما ما ذكر من مسائل رحمه الله تعالى، قوله الأولى: أن عطف الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، تقدم معنا في أوائل الباب وجه العموم والخصوص بين الدعاء والاستغاثة. وقوله الثاني: تفسير قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾، معناه أنه لا يجوز دعاء غير الله، ولا مع الله فيما ينفع ويضر، فإنه يدعى الله وحده. وإذا كان الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، وهو أصلح الناس، أتقى الناس، فمن دونه من باب أولى. وقوله الثالث: أن هذا والشرك الأكبر، إشارة إلى أن الشرك يقع في هذا المقام، بل هو من أكبر الشرك، إذ أن الدعاء هو العبادة، كما تقدم. فإذا كان الشرك في الدعاء، فهو شرك في العبادة، ومن الدعاء الاستغاثة. وقوله الرابع: أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين، يعني في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، مع أن هذا الفعل قد يكون عن غير اعتقاد، هذا الفعل قد يكون عن غير اعتقاد؛ لأنه قال: «فعلت»، وليس «اعتقدت». فإذا كان كذلك، ففعله ولو على غير الاعتقاد، ما دام أنه بهذا المعنى، فإنه يصيره من الظالمين. وتعرفون المشركون عرضوا على النبي عليه الصلاة والسلام أن يدعو آلهتهم عاما، ويدعون الله، أو يعبدون الله عاما. فهذا هو قوله: «إرضاء لغيره»، يعني ولو كان من غير اعتقاد، وإرضاء للغير ظنا أن فيه مصلحة، فهذا يصيره من الظالمين. فإذا كان هذا في حق أصلح الناس، وأتقى الناس، وهو نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو المنزه، فمن دونه من باب أولى. وقوله الخامس: تفسير الآية التي بعدها، يعني قوله سبحانه: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾، ومعنى أنه لا يملك كشف الضر إلا الله سبحانه وتعالى. وقوله السادس: كون ذلك لا ينفع في الدنيا مع كونه كفرا، أي دعاء غير الله لا ينفع، فإذا لا فائدة فيه، فلا يفعل. وكونه كفرا أدلة ذلك كثيرة، كقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى أن قال في آخر الآية: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، وسمى فعلهم هذا كفرا. وقوله السابع: تفسير الآية الثالثة، يريد: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾. وقوله الثامن: أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا تطلب إلا منه، يعني أن الشيء يطلب ممن يملكه. فما دام أن المخلوق لا يملك الرزق، فكذلك ينبغي أن يدعى الله عز وجل. وما علاقة هذا في باب الاستغاثة؟ علاقته أن المخلوق هو لا يملك فيما لا يملكه إلا الله، فإذا استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، كما قال العلماء. واستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة المسجون بالمسجون، هل المسجون يستطيع أن يخرج غيره وهو مسجون؟ وهل الغريق يستطيع أن يخرج غيره وهو غريق؟ فهكذا استغاثة المخلوق من المخلوق أو بالمخلوق، فهي استغاثة من لا يملك ممن لا يملك. فما دام أن الجنة لا يملكها إلا الله، فلا تطلب إلا من الله. والرزق لا يملكه إلا الله، فلا يطلب إلا من الله. فكذلك الاستغاثة لا تطلب إلا من الله؛ لأنه لا يملكها إلا الله، يعني فيما لا يقدر عليه إلا الله. حتى ما يقدر عليه المخلوق، لا ينبغي أن يكون تعلق بالمخلوق كما تقدم، بل أنت تطلبها من الله، وتأخذ بالسبب إن وجد مخلوق يملكه، أخذته منه. وقوله التاسع: تفسير الآية الرابعة، يعني: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾، أو قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، ومعنى أنه لا يجلب نفعا ولا يدفع ضر، أي المخلوق لا يملك جلب نفع، ولا دفع ضر، فإذا يكون ذلك بالتوجه إلى الله وحده. وقوله العاشر: أنه لا أضل ممن دعا غير الله، وهذا معناه أن دعاء غير الله من أضل الضلال؛ لأنه من الشرك، بل من أكبر الشرك، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وقوله الحادي عشر: أنه غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه، يعني من دعي من غير الله، فإنه يدعو من لا يدري بدعائه. فإن كان من الموتى، فقد قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ﴾. وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾. وإن كان من الأصنام والأوثان، فمن العجب أن الإنسان العاقل القوي القادر بحسبه، يطلب من العاجز الذي لا ينطق ولا يسمع ولا يبصر ولا يغني شيئا. وهذا هو: فهو غافل عن دعاء الداعي، لا يدري عنه، فضلا أن ينصره ويغيثه. وقوله الثاني عشر: أن تلك الدعوة سببا لبغض المدعو للداعي وعداوته له، يعني إذا كان من الإنس ممن يعقل، فإنه تكون بينهم عداوات يوم القيامة، كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾. والثالث عشر: قال: تسميت تلك الدعوة عبادة للمدعو، يعني ولو زعم أنها ليست بعبادة، فهي عبادة. وقوله الخامس عشر: أو الرابع عشر: كفر المدعو بتلك العبادة، كما مر معنا في الآية: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وقوله الخامس عشر: أن هذه الأمور سبب كونه أضل الناس، وهي خمسة أمور: كونه أضل الأعمال، وكون المدعو غافل، وكون الدعوة سببا للبغض والعداوة. وكون هذه الدعوة سميت عبادة، والعاقل يعلم أنها لا تكون إلا لله. والخامس: كون هذا الفعل كفر، فهذه خمسة أمور هي سبب في كون فاعل ذلك يكون أضل الناس. قال السادس عشر: تفسير الآية الخامسة، يعني: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾، فهذا معناه أنه ينبغي أن يدعى من يجيب المضطر، وهو الله عز وجل، فكيف يدعى غيره، وهو يعلم أي هذا الداعي أنه لا يجيب المضطر إلا الله وحده. وقوله السابع عشر: الأمر العجيب، وهو إقرار عبادة الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ولأجل هذا يدعونه في الشدائد مخلصين. ومع ذلك فهم ماذا يريد أن يقولوا؟ مع ذلك فهم يدعون غير الله. والسبب في هذا هو وجود من يعين على هذا الباطل من شياطين الجن والإنس. فلذلك أغلق هؤلاء عقولهم وفطرهم، ونظروا إلى ما يشاهدون. وفي حديث خالد بن الوليد حين أرسله النبي عليه الصلاة والسلام لقطع السمرات، وقطع الشجرة، وقتل الجنية التي كانت تخرج لمن يعبد هذه السمرات. ومعناه أن شياطين الجن والإنس قد تتصلب على بعض المشركين حتى يظهروا لهم فيلبس عليهم دينهم، ويوقعونهم في الشرك. وهذا تفسير لبعض ما يدعيه بعض أهل الشرك من أنهم يجدون استجابة، وأمور أخرى كثيرة، تفسيرها أن الجن وأعوانهم من الإنس، من شياطين الجن والإنس، هم ممن يغوي هؤلاء. أول الغواية من العبد، ثم تكون بعد ذلك من شياطين الجن والإنس، فلما زاغوا، وزاغ الله قلوبهم، والله لا يهدي القوم الفاسقين. وقول الثامن عشر: حماية المصطفى حمى التوحيد، والتأدب مع الله، يعني على أحد التفسيرين للحديث، بأن المراد بالاستغاثة ها هنا الاستغاثة فيما يقدر عليه عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك امتنع منه النبي عليه الصلاة والسلام، حماية لحمى التوحيد، وتأدبا مع الله سبحانه وتعالى. وسببه كما مر: حتى لا يفهم الناس فهما خلاف مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم في المشروع من الاستغاثة والجائز. وكذلك لأجل أن يعلم أن الجائز كذلك ينبغي أن يكون الطلب من الله، ولو كان سببه عند المخلوق، فلا ينبغي أن يتعلق بالمخلوق. ومر معنا كلام شيخ الإسلام في معناه. قال الشارح رحمه الله تعالى: والفرق بين الدعاء والاستغاثة أن الدعاء عام في كل الأحوال، والاستغاثة هي الدعاء لله في حالة الشدائد. وكل ذلك يتعين إخلاصه لله وحده. ومر معنا الكلام على هذا في أوائل الباب. قال: وهو المجيب لدعاء الداعين، المفرج لكربات المكروبين. فإذا كان كذلك، وجب أن يدعى وحده، لا يدعى معه غيره، فضلا أن يترك ويدعى غيره. قال: ومن دعا غيره من نبي أو ملك أو ولي أو غيرهم، أو استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فهو مشرك كافر. وهذا الشرك شرك أكبر، والكفر كفر أكبر. وذكر الحكم على الأشخاص يختلف بحسبهم. قال: وكما أنه خرج من الدين، فقد تجرد أيضا من العقل؛ فإن أحدا من الخلق ليس عنده من النفع والدفع مثقال ذرة، لا عن نفسه ولا عن غيره، بل الكل فقراء إلى الله في كل شؤونهم. ومر معنا أن طلب الاستغاثة من المخلوق هي طلب ممن لا يملك، كيف يطلب من لا يملك ممن لا يملك مثله؟ فهذا شيء نافي العقل، فضلا عن الشرع. واستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، واستغاثة السجين بالمسجون، واستغاثة من لا يملك ممن لا يملك، فكله عبث ولا ينفع. ومر معنا التمثيل بالجنة والرزق، فكما أن الجنة لا تطلب إلا من الله؛ لأنه هو الذي يملكها وحده، فكذلك الرزق لا يطلب إلا من الله، هو الذي يملك وحده. وهكذا الاستغاثة تطلب من الله؛ لأنه الذي يملكها وحده. واستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، واستغاثة السجين بالمسجون، فكله عبث. ومر معنا في المسألة السابعة عشرة: الأمر العجيب في إقرار العبد، إقرار عبدة الأوثان أو عباد الأوثان أنه لا يجيب المضطر إلا الله، ومع ذلك يدعون غيره في غير الشدائد. وأشد منه فعل العباد القبور في هذا الزمان، وزمن المؤلف، بدعائهم غير الله حتى في الشدائد. وهذه من أحد الخصال الثلاث التي فيها شدة شرك المشركين في آخر الزمان عن شركهم في أول الزمان، يعني في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن قبله.