الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 47، الدرس السابع والأربعون:من( باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد ... وتكميلها لتكمل لهم السعادة والفلاح وشواهد هذه الأمور كثيرة معروفة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح كلام الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي حول حماية النبي للتوحيد وسده للطرق التي توصل إلى الشرك. الكتاب والسنة يحثان على تعزيز التوحيد.
يذكر الكاتب أن الكفار ينصرون الفرق الضالة مثل الصوفية والباطنية، ويشير إلى أمثلة من الهند واليمن حيث دعمت الحكومات الكافرة هذه الفرق.
نهى النبي عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، وعن زيارة القبور في أول الإسلام، وعن البناء عليها وتجصيصها وتزيينها لقطع الأسباب المفضية إلى الشرك.
إذا كانت القبور القديمة خالية من الموتى ولكن يوجد بها بقايا عظام، فيجوز جمع العظام في قبر واحد ودفن ميت جديد معها أو في قبر منفصل حسب الضرورة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال الشيخ العلام عبد الرحمن مناصر السعدي رحمه الله في كتابه «القول السديد في مقاصد التوحيد»: قال: «باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك». قال: «من تأمل نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب، رأى نصوصا كثيرة تحث على القيام بكل ما يقوي التوحيد وينميه ويغذيه، من الحث على الإنابة إلى الله، وانحصاره في تعلق القلب بالله رغبة ورهبة، وقوة الطمع في فضله وإحسانه، والسعي لتحصيل ذلك، وإلى التحرر من رق المخلوقين، وعدم التعلق بهم بوجه من الوجوه، أو الغلو في أحد منهم، والقيام التام بالأعمال الظاهرة والباطنة، وتكميلها، وخصوصا حث النصوص على روح العبودية، وهو الإخلاص التام لله وحده. ثم في مقابلة ذلك، نهى عن أقوال وأفعال فيها الغلو في المخلوقين، ونهى عن التشبه بالمشركين؛ لأنه يدعو إلى الميل إليهم، ونهى عن أقوال وأفعال يخشى أن يتوصل بها إلى الشرك، كل ذلك حماية للتوحيد». كل هذه إشارات منه رحمه الله إلى أشياء جاء ذكرها بالكتاب والسنة، فهو يذكرها هاهنا على وجه الإجمال. فقوله، مثلا: «من تأمل نصوص الكتاب والسنة في هذا الباب، رأى نصوصا كثيرة تحث على القيام بكل ما يقوي التوحيد وينميه ويغذيه» إلى آخر كلامه رحمه الله، يشير إلى كل نص فيه الأمر بأحد أعمال التوحيد، كالتوكل على الله عز وجل، والأعمال التي تدخل تحته، فهذا مما يقوي التوحيد وينميه ويغذيه، والاستعانة ونحوها، ﴿وَإِذَا اسْتَعَنْتُمْ فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ﴾، وهكذا في ذكر الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فهم الذين «لا يتطيرون ولا يسترقون وعلى ربهم يتوكلون»، وغير ذلك من الأدلة في هذا الباب. وأما قوله: «ثم في مقابلة ذلك، نهى عن أقوال وأفعال فيها الغلو في المخلوقين»، كذلك يشير إلى أدلة أخرى تدل على هذا المعنى بهذه الإشارة المجملة. فمن الأقوال إنكار النبي صلى الله عليه وسلم، إنكاره على من قال له: «يا سيدنا وابن سيدنا، ويا خيرنا وابن خيرنا»، فقال: «قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان»، يعني: «إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: رسول الله، نبي الله». وتركوا مثل هذا القول. وكقولي عليه الصلاة والسلام: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد الله ورسوله، فقولوا: عبد الله ورسوله». وهكذا كذلك الأفعال، كسجود معاذ رضي الله عنه، فقال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: «يا رسول الله، إني وجدت أهل الروم يصنعون ذلك، فأنت أحق بهذا منهم». فقال: «يا معاذ، لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها؛ لعظم حقه عليها، ولكنه لا يسجد إلا لله». وهكذا النهي عن التمائم وغير ذلك من الأفعال، كالتطير وما كان بمعناه. ونهى عن التشبه بالمشركين؛ لأنه يدعو إلى الميل إليهم، كذلك حماية لحمى التوحيد. فنهى عن التشبه بهم في أقوالهم، وفي أفعالهم، وفي أخلاقهم، وفي عباداتهم. ومن تتبع الأدلة في هذا، فنهى عن السجود عند طلوع الشمس وعند غروبها، وهكذا كذلك عند وقت الزوال؛ حماية لحمى التوحيد، ألا تقع المشابهة للمشركين في شركهم، فيكون بذلك اللبس وتكثير سواد أهل الشرك. وهكذا كذلك ما مر معنا من النهي عن بناء القبور على المساجد ونحوها؛ لأنه يدعو إلى الميل إليهم؛ لأن الميل إليهم، ولو لم يقصد صاحبه الشرك، أدى إلى حصول التوافق في الظاهر الذي يؤدي إلى التوافق في الباطن. ولهذا تجد النصارى يميلون إلى الفرق الضالة من أهل البدع في المسلمين، وينصرونهم ويؤيدونهم؛ لأنهم يرونهم ماذا يتشبهون بهم ويسيرون بمثل سيرهم، مثل الصوفية وضوائف الباطنية. فلو تأملت وتتبعت تاريخ هذه الفرق، تجد أنها فرق مدعومة ومعانة من النصارى؛ الدعم الحسي والمعنوي، وكلنا يعرف ذلك في تاريخ الكفار مع هذه الفرق. ففي الهند ذكر عدد من المحققين من أهل العلم والمؤرخين تلك المواقف التي وقفتها الحكومة البريطانية في أيام احتلالها للهند مع تلك الطوائف الضالة التي تنتسب للإسلام، وهي على هذا المسلك: قبوري، صوفي، باطني، وغير ذلك. بل صار إلى يومنا هذا الصلة والدعم لها بذلك. وهكذا عندنا في اليمن، في مدينة عدن وما حولها، في أيام الاستعمار وإلى يومنا هذا، حتى أنك ترى هذا الدعم الصريح للطرق الصوفية والباطنية إلى يومنا هذا. فهذه الطريقة الأحمدية في مدينة عدن، في الشيخ الثمان، وما يأتيها من دعم مباشر من السفارة البريطانية إلى يومنا هذا، حتى أنهم في يوم زيارتهم يسدون الطريق ويوزعون الطعام ويفعلون أشياء، وهذا كله تصديق لما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأنه يدعو إلى الميل إليهم، وهذا وقع. وهذا من ذهب إلى بلاد الكفار، فمثلا في بعض المدن التي فيها مساجد في بريطانيا، كما ذكر الإخوان: أكبر المساجد وأضخمها هي مساجد القبورية والقاديانية، وصائر الطوائف الباطنية، بينما مساجد أهل السنة أصغر المساجد، ربما تجده غرفة صغيرة أو بدروم تحت الأرض، أو ربما يستأجرون مكانا ما يستطيعون يكملون الإيجار، فإذا به بعد سنة يؤخذ عليهم بكثرة الغرامات وكثرة ما يتبعهم. وأما هذه الطوائف فيدعم دعم وتعان؛ لماذا؟ لأي وجه التشابه بينهم والتوافق، ولأنهم يعلمون أن هؤلاء ليسوا على الدين الحق الذي يخافون منه. قال رحمه الله: «ونهى عن أقوال وأفعال يخشى أن يتوصل بها إلى الشرك، كل ذلك حماية للتوحيد». ومنها ما جاء في هذه الأحاديث التي أشار إليها المؤلف رحمه الله. والمؤلف بهذا التبويب، كأنه يقول: «باب ما جاء من عدم جواز كثرة زيارة قبره، وأن يتخذ عيدا»، كأنه قال هذا، لكنه لو قال هذا يمكن يحرق كتابه رحمه الله في زمانه، ولا يقبل، وربما كذلك اشتدت النقمة والعداوة. لكن من فقهه رحمه الله أنه أتى بمثل هذه العبارة: «باب ما جاء في حماية المصطفى جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك». وبهذا يستفيد طالب العلم أنه أحيانا في بعض المسائل التي يحتاج أن يطرحها على المجتمع، لا يطرحها بعينها؛ لأن وضعها وطرحها بعينها قد يسبب له فتن ومفاسد، لكن ربما اكتفى بذكر بعض التنبيهات والتلميحات العامة التي يندرج تحتها ذاك المخصوص الذي يريد ذكره، فيكون فيه ثلاثة فوائد. الأولى: ذكر كل ما كان بمعنى ما يريد النهي عنه والتحذير منه، من عين المسألة التي يريد التنبيه عليها، وغيرها مما هو بمعناها. والفائدة الثانية: أنه كذلك يراعي بذلك جهل الجاهلين، أن لا ينفروا، وأن لا يعرضوا بما يكون من عدم التنصيص على ما يريد التنصيص عليه بالذكر والتبويب، فيكون هذا من مراعاة المصالح ودرء المفاسد، ومن تحديث الناس بما يعرفون، حتى لا يكذب الله ورسوله. والمصلحة الثالثة فيه: الإبقاء على نفسه ومن معه من أهل الحق، فكون صوت أهل الحق باقيا، ولو بتلك الإشارات والإجمالات، أفضل من أن ينقطع. ما أنك تستطيع أن تتدرج فتوصل إليهم المقصود، ولو ضمنا أو بالتدرج بعد حين. وهنا ضمن المؤلف رحمه الله هذا الباب الأحاديث التي تدل على المقصود، فحصل المقصود بدون أن يصرح، بينما لو صرح ربما حصلت مفاسد أكبر. وهذا من فقه رحمه الله تعالى. وقد نص العلماء على هذا المعنى، فقالوا: معنى هذا الباب: نهي المؤلف رحمه الله عما كان يقع في زمانه؛ لأن المدينة لم تكن في أول الأمر تحت أيدي دولة التوحيد، فكأنه يقول: ما يفعله الناس من كثرة زيارة قبره واتخاذه عيدا، هذا منافي لما أراده النبي عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: «ونهى عن كل سبب يوصل إلى الشرك، وذلك رحمة بالمؤمنين، يتحقق بالقيام بما خلق له من عبودية الله الظاهر والباطن، وتكميلها؛ لتكمل لهم السعادة والفلاح». وشواهد هذه الأمور كثيرة معروفة. وكما قلنا: هو يشير بهذا إشارات إلى بعض ما وردت به الأدلة في هذا الباب. فمن هذا: أنه نهى عن كل سبب يوصل إلى الشرك؛ رحمة بالمؤمنين. نهيه صلى الله عليه وسلم عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، ونهيه صلى الله عليه وسلم في أول الأمر عن زيارة القبور، قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور»، يعني: في أول الإسلام، وعند خشية وقوع الناس في الشرك. ولكن حين علم الناس الدين وتعلموا التوحيد، أذن لهم، قال: «فزوروها»، أي: الآن؛ فإنها تذكركم الآخرة. وهكذا كذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن -أي: معنى النهي- في المقابر، كما مر معنا قريبا، قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورا؛ فإن الشيطان لا يدخل البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة». وهذا كذلك من باب قطع الأسباب المفضية والموصلة إلى الشرك. ونهى عليه الصلاة والسلام أن يبنى على القبور، وأمر بتسويتها؛ كل هذا حماية لحمى التوحيد، وقطعا لأسباب الشرك. ونظائر هذا كثيرة في الكتاب وفي السنة. ولكن أشار المؤلف الشارح رحمه الله بهذه الإشارات المجملة؛ ليبين أن هذا الكثير الذي أجمله هاهنا يدل على أن المقصود ليس الحصر، ولكن كل ما كان بمعنى ذلك فإنه يمنع؛ حتى لا يقول قائل: هذا الباب منحصر بما ذكر في الأدلة فقط، وليس كذلك، بل هذا الباب يمنع منه كل ما يفضي إلى ما دلت عليه هذه الأدلة بمعانيها، لا بأعياني وأفرادي ما ذكر فيها. فمثلا: تجصيص القبور وتزيينها، هذا يدخل في النهي الوارد عن بنائها، وعن تشييدها، وعن كذلك تجصيصها، ونحو ذلك. وضع التوابيت خشبية أو غير ذلك، وضع السقائف -تعرفون السقيفة: ضلة توضع على بعض القبور- كذلك كله يدخل في هذا النهي. لا يكون بعض الناس ظاهريا -وهي ظاهرية متعمدة، والمقصود منها الإصرار على الباطل، الإصرار على الباطل- بعض المتصوفة وعباد القبور إذا قيل له: لا يجوز وضع السقائف، قال: أين الدليل؟ أين الدليل أنه لا يجوز وضع السقيفة؟ الحديث جاء في النهي عن البناء، أما السقيفة لا! هذه ظاهرية. معنى السقيفة يدخل في معنى ما جاء من النهي عن البناء، مع أنه جاء عن بعض الصحابة النهي عن ذلك. لكن المقصود أن أمثال هؤلاء مجادلون بالباطل؛ لأن ما جاء النهي عنه ليس هو محصورا بما ذكر، بل كل ما كان بمعناه فهو يدخل في هذا النهي. هل يجوز أن يقبر الرجل ويدفن في بيته أو مزرعته، أم يجب دفنه في مقابر المسلمين؟ الواجب دفنه في مقابر المسلمين؛ حتى لا يفتتن به، ولا يعرضه للامتهان، ولا غير ذلك. أما النبي عليه الصلاة والسلام، فهي قضية عين خاصة. وقد علمنا أنه دفن في بيته؛ لسببين: السبب الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «أن الأنبياء يدفنون حيث قبضوا». والسبب الثاني: خشي الصحابة أن دفن في مقابر المسلمين أن يفتتن الناس بعدهم بقبره، فأرادوا أن يحفظوه من أن يفتتن بقبره أحد، ويكون القبر مستوليا عليه من قبل الصحابة كابرا عن كابر، فيحمون قبره عليه الصلاة والسلام من أن يقع فيه شيء من الغلو. يقول: القبور القديمة، هل يجوز أن تنبش ليدفن غيره فيها للزحام، علما بأنه لا زال يوجد في هذه القبور بقايا عظام ونحو ذلك؟ إذا لم يوجد إلا هي، فتجمع العظام في قبر، ويدفن فيه ميت جديد، أو يوضع الميت الجديد مع عظام القبر الأول، بحسب المشقة والضرورات تبيح المحظورات.