القول السديد في مقاصد التوحيد  79

القول السديد في مقاصد التوحيد 79

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 79، الدرس التاسع والسبعون:من( باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله ...ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟!فقلت بلى قال فتلك عبادتهم رواه أحمد والترمذي وحسنه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم شرك الطاعة وتحليل المحرمات

يناقش شرك الطاعة حيث يطيع الناس العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل، ويستدل على ذلك بأقوال السلف مثل ابن عباس وأحمد بن حنبل.

تحذير الإمام أحمد من التقليد الأعمى

يتناول تحذير الإمام أحمد بن حنبل من مخالفة أمر الله ورسوله وذم التقليد الأعمى للأئمة دون النظر في الدليل الشرعي، ويبين أن هذا التقليد يعد معصية وسببًا للفتنة.

ضوابط طاعة المخلوقين وحدودها

يتناول تفاصيل حول مفهوم الشرك في الطاعة، ويوضح ضوابط طاعة العلماء والأمراء والمخلوقين عموما، مشيرا إلى أن طاعتهم لا تجوز في معصية الله.

أحكام الحكم على الكافر والمسلم

لا يجوز الجزم بأن شخصا معينا في النار إلا إذا مات على الكفر، أما المسلم فإنه يرجو له الخير إن أحسن ويخاف عليه إن أساء، والعلم عند الله تعالى.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه "كتاب التوحيد"، باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا من دون الله. وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. وقال أحمد بن حنبل، رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وأن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال: فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ قال: فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم. قال: رواه أحمد والترمذي وحسنه. قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية النور، الثانية تفسير آية براءة، الثالثة التنبيه لمعنى العبادة التي أنكرها عدي، الرابعة تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان، الخامسة تغير الأحوال لهذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه. قال: ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين. أورد المؤلف، رحمه الله تعالى، هذا الباب في سياق ذكر الأبواب التي فيها ما ينافي التوحيد، ومراده هاهنا ذكر نوع من أنواع الشرك، وهو شرك الطاعة. فقوله: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا من دون الله، أي: من الشرك طاعة المخلوق على حساب طاعة الله، فقد يكون شركا أكبر، وقد يكون شركا أصغر. فشرك اليهود مع أحبارهم ورهبانهم، أو أهل الكتاب عموما مع أحبارهم ورهبانهم، شرك طاعة من النوع الأول، وهو الشرك الأكبر؛ لأنهم حللوا ما حرم الله وحرموا ما أحل الله، وكذلك غلوا فيهم. فهذه ثلاثة أمور استوجبت الشرك والكفر الأكبر. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. فمعنى الربوبية في التحليل والتحريم والعبادة بالغلو فيهم. ثم ذكر أثر ابن عباس، وأثر ابن عباس روي بأسانيد فيها ضعف، لكن لكثرة ما تناقله العلماء وتشهد له عمومات تلقاه الكثير من أهل العلم بالقبول، وصاروا يستدلون به. فلا تكاد تجد كتابا يذكر معنى هذا الباب من كتب السنة وشروحها إلا ويذكرون مثل هذا الأثر أو يذكرون هذا الأثر بعينه. ومعنى الأثر ظاهر: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر. يعني: لا يجوز أن يعترض على الدليل والحق بقول من قال كائنا من كان. فإذا كان هذا في أبي بكر وعمر فمن دونهما من باب أولى، فمن دونهما من باب أولى. وسبب قول ابن عباس هذا في اعتراض من اعترض عليه في متعة الحج، فإن أبا بكر وعمر كانا ينهيان عن متعة الحج اجتهادا منهما، رضي الله عنهما، ضنا منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله لعلة وزالت العلة فيبقى الأمر على ما ظنوا أنه ينبغي يبقى عليه. وليس الأمر كذلك، بل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت العمرة في الحج إلى أبد الآبدين». وتفاصيل ذلك في كتب الفقه. وقول أحمد بن حنبل، رحمه الله، كذلك فيمن يذهب إلى رأي سفيان ويترك الأحاديث. يعني: وردت في بعض المسائل الأحاديث صحيحة، ثم يذهب بعض أتباع سفيان، رحمه الله تعالى، إلى قول إمامهم وشيخهم. ما علمهم بما ورد في هذا الباب من أحاديث؟ قد يكون لهم عذر حسن ظنهم بشيخهم وغير ذلك، لكن هذا العذر غير مقبول بعد قيام الحجة وبلوغها ووصولها. كما قيل: إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا. ففي قوله: ومن يعص الله ورسوله، دل على أن ترك أمر الله وأمر رسوله بعد العلم به معصية. وفي الآية التي أوردها الإمام أحمد ظهور كذلك هذا المعنى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. فترك أمر الله وأمر رسوله سبب للفتنة في الدنيا وفي الآخرة والعذاب كذلك، فهو من المعاصي. وأما قول الإمام أحمد: الفتنة الشرك. قال بعض أهل العلم: ذكر الإمام أحمد المنتهى، فبذكر المنتهى -يعني- أعلى شيء. فمن باب أولى الابتلاء بالأقل إذا كان الشرك قد لا يسلم منه والعياذ بالله، فما دونه من باب أولى أنه يخشى عليه أن يبتلى به. وعلله بقوله: لعله إذا رد بعض قولي أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ووجه ذلك الكبر، وكذلك العناد الذي يستوجب التشبه بالمشركين. وفي هذا كذلك ذم التقليد. ومن خلق المشركين التقليد: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿إِنْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾، وفي الآية الأخرى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾. وحديث عدي بن حاتم الذي أشار إليه كذلك حديث صحيح. وقد أشار المعلق إلى تصحيحه، صححه الألباني وغيره، وشيخنا الوادعي كذلك في مواضع من كتبه. والشاهد منه أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر لعدي بن حاتم الآية، فعدي بن حاتم حصر معنى العبادة، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام أن العبادة أوسع مما يظن. وكون النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا لا يعني عدم وقوع الأكبر، كونه ذكر تحليل الحرام وتحريم الحلال لا يعني عدم وقوع الأكبر. وقد وقع الأكبر بدلالة نصوص الكتاب والسنة الأخرى. فقد وقع الشرك في الأحبار والرهبان بعبادتهم من دون الله، ليس فقط في التحليل والتحريم، بل وكذلك في الغلو فيهم، وفي الغلو فيهم واعتقاد النفع والضر، واتخاذهم وسائط. وهذا كثير عند أهل الكتاب. ومن ذلك جعلهم عزيرا ابن الله، والمسيح ابن الله. ولهذا كان في الآيات قبلها: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. فتبين بهذه الآيات وما قبلها وما بعدها أن شرك المشركين من اليهود والنصارى لم ينحصر في التحليل والتحريم فقط، بل وفي غيره. ولكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هذا فلا يمنع أن يكون غيره مما هو أولى منه قد وقع. وهذا هو المقصود في هذا الباب: أن من الشرك ما يكون في الطاعة، فطاعة العلماء والأمراء. وذكر العلماء والأمراء خاصة لكثرة الابتلاء بهم. فالعلماء إذا كانوا علماء ضلال فلا يجوز طاعتهم في معصية الله، إنما الطاعة بالمعروف. والأمراء إذا كانوا أمراء زيغ وفساد فلا يجوز طاعتهم على حساب طاعة الله، إنما الطاعة بالمعروف. ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. فإن وقعت هذه الطاعة المنافية لطاعة الله لم يخلو من أن يكون شركا أصغر أو شركا أكبر. فإن كان على وجه يكون معه الإقرار بالتحليل والتحريم ولكن خوفا ومجاملة ومداهنة تكون طاعتهم، فهذا شرك أصغر. على اعتبار أن كل ما يوصل إلى الشرك الأكبر فهو ماذا؟ شرك أصغر. وأما إذا كانت طاعتهم على وجه التغيير والتبديل، بجحد ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وتغيير الحلال بالحرام والحرام بالحلال، فهذا من الكفر الأكبر والشرك الأكبر. كونه يعلم أن هذا حرام فيحله بتحليل العالم أو الأمير له. فلو نادى أمير قال: أحللت للناس الخمر. أو قال عالم: أحللت للناس الخمر. أو: الخمر في دين الله حلال. وقد علم المسلمون علما ضروريا بدلالة الكتاب والسنة أن ذلك حرام. فطاعتهم في ذلك على وجه المجاملة والمداهنة مع اعتقاد وبقاء الحرمة يعتبر معصية وكبيرة وشرك أصغر. كونه يشرب أو يفتي مع اعتقاده أنه حرام، هذا الشرك أصغر وكبيرة من الكبائر. لكن إذا غير وبدل فقال: أبدا هذا حلال. فهذا هو الكفر والشرك الأكبر. هذا هو الكفر والشرك الأكبر. يعني بعد بلوغ العلم. فهذا الحكم ذكره رحمه الله لتناوله هذا المعنى العظيم الدقيق الذي قد يبتل به الناس والمجتمع في مسألة الطاعة. فإن منه أو فيه يكون الشرك. وليس هذا خاصا بالعلماء والأمراء، بل في كل مخلوق. حتى الأب والأم طاعتهم في طاعة الله، ولا تجوز طاعتهم في معصية الله. فإن طاعتهم في معصية الله فذلك من المعاصي، وقد يصل إلى الشرك الأصغر، بل قد يكون أعظم من ذلك أن يصل إلى الشرك الأكبر بحسب حال المسألة. يقول: هل هناك فرق بين هذه الأقوال: أنت كافر، أنت مشرك، أنت منافق؟ نعم، هناك فرق. الكافر غير المشرك غير المنافق. وعلى كل حال لا يجوز أن يقوله إنسان لمسلم. ومن قاله لمسلم فقد باء بها أحدهما. يقول: هل يجوز أن نقول بالتعبير لشخص مات على الكفر أنه في النار كما يجوز أن نقول أن أبا لهب في النار بدليل القرآن؟ لا، لا يجوز. لا يجوز أن تعين إنسانا بعينه أنه في النار إلا إذا استيقنت أنه مات على الكفر، فتقول: الذي نعلمه أن كل من مات على الكفر فهو في النار، والعلم عند الله. هذا هو الأصل في الكافر. أما المسلم فلا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. والله تعالى أعلم.