القول السديد في مقاصد التوحيد 26

القول السديد في مقاصد التوحيد 26

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 26، الدرس السادس والعشرون:من( باب من الشرك النذر لغير الله ... الثالثة:أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

النذر وحكمه في الإسلام

النذر عبادة لله تعالى وصرفه لغيره شرك، ونهى النبي عنه لأنه لا يأتي بخير. إلزام النفس بالنذر قد يدخل المشقة والحرج.

أحكام النذر المشروط والوفاء به

النذر المشروط مكروه ويجب الوفاء به إذا نذر طاعة لله، ولا يجوز الوفاء بنذر المعصية. النذر لغير الله شرك أكبر أو أصغر حسب النية.

حدود الوفاء بالنذر وكيفيته

يجب أن يكون النذر خالصا لله ولا يجوز أداؤه في معصية أو مكان يعبد فيه غير الله. تجب كفارة يمين على نذر المعصية.

  • 20 جمادى الآخرة 1430هـ - 13/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من الشرك النذر لغير الله. وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». قال: فيه مسائل: الأولى وجوب الوفاء بالنذر، والثانية: إذا ثبت كونه عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك، الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب بعد ما سبق من أبواب في ذكر أنواع من الشرك التي يجب أن تكون هذه العبادات خالصة لله سبحانه وتعالى، وصرفها لغير الله من الشرك. فناسب أن يذكر بعد ذلك -أي بعد الذبح وما سبق- النذر؛ لأنه عبادة من العبادات، ولأنه يقترن كثيرا بهذه العبادات السابقة كالذبح والتقريب ونحوه. وقوله رحمه الله: «باب من الشرك» إشارة منه رحمه الله أن خصال الشرك كثيرة، وهذا من الشرك. وإشارة كذلك إلى ما سبق في الأبواب المتقدمة أن الشرك ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر. وهكذا النذر الذي هو إلزام المرء نفسه بعمل تعظيما لمن نذر له. وبعضهم يقول: إلزام المكلف نفسه تعظيما لمن نذر له. ولما كان هذا معنى النذر صار عبادة من العبادات، ولهذا ذكر في نصوص الكتاب والسنة ما يدل أنه معنى العبادة أو معنى من معاني العبادة؛ لأن العبادة كما تقدم اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. وهذا له معنى ظاهر وباطن، ومما يحبه الله ويرضاه فصرفه لغير الله شرك. والنذر يحبه الله جل وعلا -يعني الوفاء به- وأما ابتداؤه فالله جل وعلا لا يحبه، ولهذا جاءت النصوص بمدح الوفاء بالنذر، ولم يأت في النصوص مدح أي ابتداء النذر، بل العكس جاءت النصوص في ذنب ابتداء النذر. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن النذر لا يأتي بخير، إنما يستخرج من البخيل». جاء معنى من حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر، وصح عنه عليه الصلاة والسلام عن عدد من الصحابة النهي عن النذر. من حديث ابن عمر وغيره أنه نهى عن النذر، وهذا يشمل مطلق النذر أنه منهي عنه، سواء كان نذر مطلق أو كان نذر مشروط. المطلق أن يقول مثلا: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر. والمشروط أن يقول: لله علي أن أصوم ثلاثة أيام إن شف الله مريضي أو إن عاد غائبي أو نحو ذلك. وكلا النوعين من النذر على القول الصحيح من أقوال أهل العلم منهي عنه لا يجوز. وهل هو للكراهة والتحريم؟ الصحيح أنه للكراهة، وأنه إذا كان مشروطا فقال جماعة من أهل العلم أنه للتحريم. لماذا للكراهة؟ لأنه جاء أولا النهي عنه في النصوص مطلقا، وثانيا لأن معناه تدل عمومات النصوص أنه مكروه. ووجه ذلك أن معنى النذر إلزام النفس بما لم يلزمها الله سبحانه وتعالى. فإذا ألزم النفس المرء نفسه بما لم يلزمه الله أدخل المشقة على نفسه والحرج، والله عز وجل قال: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، الله ما يريد لك الحرج ولا يريد لك المشقة، فلماذا تدخل نفسك في حرج ومشقة ما ألزمك الله بصيام ثلاث أيام من كل شهر فلماذا تلزم نفسك؟ فإن قال قائل: أنا أريد بهذا التقرب إلى الله والشكر لله. فيقال: تقرب إلى الله واشكره بغير إلزام، يعني صم ثلاث أيام ما دمت مستطيعا من دون أن تلزم نفسك؛ لأن الإلزام يدخلك في الحرج. ولهذا كان من لازم من نذر نذرا ولم يستطع الوفاء به ماذا؟ أنه لا يخرج منه إلا بكفارة يمين كما قال عليه الصلاة والسلام: «كفارة النذر كفارة يمين». لماذا؟ لأنه ألزم نفسه، فلما ألزم نفسه لم يخرج من هذا الإلزام إلا بكفارة يمين حتى ولو كان غير مستطيع. بخلاف لو أنه فعل ذلك على وجه الشكران فإنه متى ما استطاع فعل ومتى ما لم يستطع لم يفعل ولم يكن بذلك عليه حرج. وبهذا نعرف وجه الكراهة من جهتي الدليل والتعليل. وتزداد هذه الكراهة إذا كان النذر مشروطا مثل ما سبق، يقول: إن شف الله مريضي فلله علي أن أتصدق بكذا وكذا أو أن أصوم كذا وكذا أو أن أصلي كذا وكذا أو أن أفعل كذا وكذا من العبادات والطاعات. هذا أشد حتى ذهب بعض أهل العلم لأنه محرم. وإذا وقع يجب الوفاء به لماذا؟ قالوا: محرم لأنه فيه سوء الظن بالله سبحانه وتعالى، فإنه ظن بالله ظن السوء كأن الله لن يجيب دعاءه إلا أن يعطيه شيئا، كأنه يعاوض الله معاوضة: اعطيني وأنا سأعطيك، والله عز وجل غني عن طاعتي هذا الذي يريد أن يطيع وعن شرط هذا الذي اشترط. ولهذا قال من قال من أهل العلم أن هذا النوع من النذر مكروه، وهذا قول جمهور أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أنه محرم لما فيه من معاملة الله عز وجل بالمعاوضة، وهذا سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى. فلذلك لا ينبغي للمسلم أن يعقد النذر المشروط، بل والأحسن لا يعقد أي نوع من أنواع النذر. فعقد النذر مكروه، وتتشدد أو نقول تزداد هذه الكراهة ويشدد فيها إذا كان هذا النذر مشروطا. كل نذر مكروه، وإذا كان مشروطا فهو أشد كراهة. وأما إذا نذر المسلم فيجب عليه عند ذلك الوفاء، إذا نذر يجب عليه الوفاء؛ لأن الوفاء لا بد منه ما دام قد ألزم نفسه. ولهذا أثنى الله عز وجل على من يوفون بالنذر: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. وهكذا قال: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. ومعناه: أنتم ألزمتم أنفسكم بهذا النذر فهو يعلمه، كيف صدر وما ينبغي أن يكون الوفاء به. فالشاهد النذر على هذا التفصيل، والوفاء بالنذر يحبه الله وعقده نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل أن الله لا يحب عقده؛ لأنه سبحانه رحيم بعباده. فإذا كان كذلك فصرفه لغير الله يعد من الشرك، ولهذا خصه المؤلف رحمه الله بالذكر بباب خاص؛ لأن الكثير من المفتونين بعبادة القبور في زمن المؤلف رحمه الله وإلى زماننا هذا ينذرون للأموات، ينذرون للأموات. وهذا النذر يكون فيه شرك أو لوثة شرك. إما شرك صريح فبعضهم ربما يقرب القرابين نذرا لهذا الميت أن يشفي مريضه، وهذا الاعتقاد كفر إذا كان يعتقد أن الميت يملك النفع والضر والشفاء المرضى بهذه النذور فهذا من الشرك أي الشرك الأكبر. وإذا كان يفعل ذلك لله ويظن أن تقريبه لهذا الميت يحبه الله فهو من اتخاذ ما لم يجعله الله سببا سببا، وهو من الشرك الأصغر. فلا يخلو أن يكون شركا أكبر أو شركا أصغر. وإذا كان هذا النذر في مكان يذبح وينذر فيه لغير الله فهو كذلك على الصحيح من الشرك الأصغر، يعني تأتي فتنذر لله في مكان ينذر فيه لغير الله مثل القباب والتوابيت ومواضع الزيارات وتقول: أنا نذرت لله وأردت الصدق لله. فيقال: ولو أردت ذلك لا تفعله في هذا المكان؛ فهذا المكان يعبد فيه غير الله وتقدم نذور لغير الله، فتأذية ذلك في هذا المكان يجعلك تعين على هذه الطريقة السيئة التي يفعلها هؤلاء، وهذا من التعاون على الإثم والعدوان ومن سن السنن السيئة. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل فيه عيد من أعيادهم؟» وقال قبله: «هل فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟» فلا يجوز الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله أو يعبد فيه غير الله، وكذلك النذر لا يجوز أداء النذر أو عقده في مكان فيه هذا المعنى. وبهذا يعلم أن النذر ينبغي أن يكون خالصا لله بكل أوجهه، فمنهم من يصرفه لغير الله فيكون شركا أكبر مع تلك العقائد الفاسدة في هذا المندور له. ومنهم من يجعله لله لكنه بوسيلة وطريقة توصل إلى الشرك الأكبر، وهذا له صور وكيفيات كثيرة. ومنها ما سمعتم، ومنها كذلك أن ينذر في مكان يظن أن النذر فيه أكثر أجرا وأكثر بركة مثل أن ينذر عند قبر فلان أو قبة فلان أو في المسجد الفلاني الذي فيه القبر الفلاني ونحو ذلك. وهذا يدخل في نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن اتخاذ القبور مساجد. فإن من معاني اتخاذ القبور مساجد أن يتعبد لله عند هذه القبور على ظن أن هذه العبادة يحبها الله، لم يسجد لها لم يصل إليها ولم يجعلها قبلة له، ولكنه عبد الله عند هذا القبر: قرأ قرآن أو تصدق بصدقة. ومنه أن ينذر بنذر فإنه يدخل في معنى هذا النهي الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. وقد نص على هذا المعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه. وقوله رحمه الله تعالى: «وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». الشاهد أن النذر من الطاعة لله إذا كان في الطاعة فهو يحبه الله ويرضاه، فإذا كان عبادة فيجب أن يكون لله خالصا وصرفه لغير الله شرك؛ لأن العبادات كلها يجب أن تكون لله سبحانه وتعالى خالصة. وسبق علي منا قبل قليل أن من نذر أن يطيع الله فليطعه -يعني ما دام يستطيع- فإذا لم يستطع فكفارة النذر كفارة يمين. ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه. نذر أن يعصي الله كم رأى نذرت إذا جاء غريبها وغائبها أن تشق الجيوب أو تحلق رأسها كما يفعل أهل الجاهلية، هذا من نذر المعصية. أو تشرب الخمور أو تضرب المعازف. نذر هذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به. وهل به كفارة في هذا خلاف بين أهل العلم، وردت أحاديث يحسنها بعض أهل العلم بمجموع طرقها: «من نذر أن يعصي الله فلا يعصه وكفارته كفارة يمين». حسنه العلامة الألباني رحمه الله بمجموع طرقه. وكثير من الحفاظ يضعفون هذه الزيادة. وكما ترون رواية الصحيح ليس فيها ذكر الكفارة. فإن كفر فلا شيء عليه على تصحيح هذه الرواية، وإن لم يكفر على قول من يقول أنه لا يلزم فيها كفارة فإن شاء الله لا حرج عليه. ومن نذر المعصية كذلك نذر اللجاج والغضب الذي يقصد منه المنع أو الحمل على الشيء أو التصديق أو التكذيب، فهذا لا يوفى به ما دام فيه مضرة إنسان. وقت غضب نذر أنه لا يدخل بيت فلان أو كذا وكذا من المعاني التي فيها إيذاء وإضرار بالآخرين كالطلاق والمقاطعة والهجران وعدم صلة الأرحام وغير ذلك، فكل هذا لا ينبغي له أن يفي به؛ لأنه من معصية الله. وهل به كفارة يمين قولان مشهوران لأهل العلم. وإن كفر لتحسين تلك الروايات التي وردت فلا شيء إن شاء الله في ذلك. قال رحمه الله: فيه مسائل: الأولى وجوب الوفاء بالنذر. وهذا ظاهر؛ لأن الله امتدح الوفاء بالنذر. وانظر إلى فقه رحمه الله بقوله: وجوب الوفاء بالنذر؛ لأن عقد النذر في ابتدائه ليس مما يستحب فضلا عن أنه يجب، ليس مما يستحب فضلا عن أنه يجب، بل هو على الصحيح كما سمعتم مكروه. وقوله الثاني: إذا ثبت كونه عبادة لله فصرفه إلى غيره شرك؛ لأن هذه الأدلة الثلاثة تدل أنه عبادة؛ لأن الله يحبه -أي الوفاء بالنذر-. وقوله في الثالثة: أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، نهى عن ذلك. طيب نكتفي بهذا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. طيب نترك الأسئلة إلى غد إن شاء الله. شكرا.