القواعد والأصول الجامعة 88

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 88، الدرس الثامن والثمانون : من : ( القاعدة التاسعة والأربعون ... لأن هذه الأشياء بمنزلة قوته الضروري والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الحوائج الأصلية والمال الفاضل

تناول المقطع شرح مفهوم الحوائج الأصلية والمال الفاضل في الإسلام، موضحًا أن الحاجات الأساسية لا تعتبر مالا فاضلا ولا تجب فيها الزكاة. كما أنها لا تعتبر في وجوب النفقة على الأقارب المحتاجين أو في وجوب الحج.

أحكام الزكاة والنفقة على الأقارب

يشرح هذا الجزء أحكام استخدام المال الفاضل في الواجبات مثل الزكاة والنفقة على الأقارب، بينما الحوائج الأصلية لا يجب بيعها لأداء هذه الواجبات. كما استعرض شروط إعطاء الزكاة للأغنياء في حالات معينة.

أحوال خاصة للغني في أخذ الزكاة

يشرح هذا الجزء أحوالا خاصة يجوز فيها للغني أخذ الزكاة، مثل الغازي في سبيل الله والعامل عليها. كما يبين أن هناك حالات خاصة يصبح فيها الغني مستحقا للزكاة.

شروط طلب المسألة وجوازها

تناول هذا الجزء شروط جواز طلب المسألة، موضحًا أنها تجوز عند الضرورة بشروط معينة، وما عداها فهو سحت لا يجوز طلبه. كما أوضح أن أحوال الصدقة تنتهي بالمسألة وهي أضيقها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى: القاعدة التاسعة والأربعون: «قال الحوائج الأصلية للإنسان لا تعد مالا فاضلا». قال: وذلك أن الذي تعلقت به حاجة الإنسان في حكم المستهلك، مثلا البيت الذي يحتاج للسكنة، والخادم الذي يحتاج لخدمته، ومركوبه، وآثاث بيته، وأوانيه، وفرشه، ولباسه المحتاج إليه، كل ذلك ليس بمال فاضل يمنع صاحبه أخذ الزكاة إذا كان فقيرا ونحوه. وكذلك لا زكاة به، ولا يلزمه بيع شيء من ذلك ليحج فرضه؛ لأن الاستطاعة تعتبر فيما زاد عن الحوائج الأصلية. وكذلك لا يجب عليه فيه نفقة قريب محتاج؛ لأن هذه الأشياء بمنزلة قوته الضروري. والله أعلم. هذه القاعدة دليلها هو قول النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة». فقوله عليه الصلاة والسلام: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة»، استدل به العلماء أن الحوائج الأصلية للإنسان لا تعد من المال الفاضل، بل من المال الأصل الذي لا يمكن للإنسان الاستغناء عنه؛ لأنه يتضرر بالاستغناء عنه. فإذا كان كذلك، فنظر العلماء إلى هذا المعنى وتأملوه، فوجدوه مضطردا في أربعة أحوال. الحالة الأولى في الزكاة، وجدوا أنه يسقط حكم الزكاة، فلا زكاة في هذا المال، ولو غلا ثمنه. مثلا رجل عنده بيت يساوي ملايين كثيرة، لكنه هو بيته الأصل الذي يسكن فيه، ليس فيه زكاة. أو عنده عمارة كاملة للسكنى له ولأولاده ولضيوفه، فكذلك ليس فيه زكاة. لهذا الحديث: «ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة»، فمن باب أولى البيت، وهكذا السيارة، لو كانت السيارة التي هي مركوب هذا الإنسان أعدها للركوب فقط، كذلك ليس فيها زكاة، ولو بلغت نصاب الزكاة عشرة أضعاف أو عشرين ضعفا. كذلك خادمه الذي يخدمه، ليس فيه زكاة. أما إذا أعده للبيع والشراء، فقد استدل بعض أهل العلم بهذا الحديث على أن ما أعد للبيع والشراء ففيه الزكاة؛ لأن عبده أي الخاص المستخدم لحاجته الأصلية، وهكذا في فرسه. أما الفرس الذي أعد للبيع والشراء، ففيه زكاة على القول الصحيح، وتدل عليه عمومات وأدلة أخرى. الحالة الثانية أنهم نظروا إلى هذا المعنى، فوجدوه كذلك في مسألة استحقاق الزكاة، فإذا كان هذا من الحوائج الأصلية، إذن لا يعد هذا غنى، بل يكون غنى من وجه. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾، فسماهم الله مساكين مع أنهم يملكون سفينة، والسفينة شيء ليس بالسهل في ذلك الزمان، وهو كذلك في هذا الزمان. اليوم الذي يملك سفينة تسافر من بلد إلى بلد، هل يعد فقيرا؟ ما يعد فقيرا، لكن إذا صار هذا الذي عنده سفينة ما عنده عمل، عنده سفينة ولا يدخل عليه شيء، هل يستحق الزكاة؟ الجواب نعم يستحق الزكاة؛ لأنه في هذه الحال هو من المساكين، فهو غني من وجه وفقير من وجه، غني باعتبار أنه يملك هذا الشيء، وفقير لأنه لا يجد ما يكفيه نفقة نفسه، فلهذا يسمى من المساكين فيستحق الزكاة. وهذه الآية دليل على أنهم سماهم ربنا جل وعلا مساكين، إذن هم من الأصناف الذين تصح فيهم الزكاة. الحالة الثالثة كما ذكر رحمه الله: «وكذلك لا يلزمه بيع شيء من ذلك ليحج فرضه». كذلك الحج، قال الله عز وجل فيه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾. قد يفهم الإنسان من استطاع إليه سبيلا: ما دام تستطيع وعندك سيارة بيع سيارتك، ما دمت تستطيع وعندك بيت فبع بيتك. قد يقول قائل: ليس من الشرط أن يكون عندك بيت يساوي كذا وكذا مليون، بيع البيت واشتر بيتا أرخص منه لأجل أن تحج، هل يجب هذا؟ الجواب لا، ما يجب. من استطاع إليه سبيلا بالمال الفاضل عن الحوائج الأصلية، أما الحوائج الأصلية فلا يلزم على القول الصحيح، ولو كان ذلك الشيء ذا درجات. لأننا قد نقول: البيت يوجد بيت بسعر غال وآخر أرخص وآخر وسط، فهل يلزم أن يأخذ البيت الوسط؟ الجواب لا، ما يلزم. مادام هو على هذه الحالة، فالشرع يقره على ما هو عليه. بخلاف لو أن رجلا عنده بيت واسع مع أسرته، فأراد أن يشتري بيتا بما هو أرفع من هذا البيت، ليس له حاجة إلا التوسعة، فهنا نقول: قدم الحج؛ لأنك الآن عندك مال فاضل، قدم الحج ثم اشتر ما زاد. وهذا كذلك جاءت به آثار عن الصحابة تؤكد هذا المعنى، وعمومات الأدلة تدل عليه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، والقياس الصحيح يقتضيه. لأن الشرع لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق. الحالة الرابعة كذلك أن نفقة الأقارب يجب على كل قريب أن ينفق على قريبه المحتاج، ينفق عليه من أين؟ هل من أصل المال أو من مما فضل؟ الجواب مما فضل. لو كان ما عنده إلا ما ينفق على أولاده، إذن ينفق على أولاده. لو كان عنده زيادة، يجب أن ينفق من الزيادة على قريبه. وهكذا الحوائج الأصلية لا يلزمه أن يبيعها لأجل أن ينفق على القريب. لماذا؟ قال العلماء: لأنه إذا كان لا يلزم لأجل الزكاة ولا فيها زكاة، فكذلك من باب أولى أن لا يبيعها لأجل النفقة على القريب. اللهم إلا أن يكون بذلك ضرورة، ولا تنتفع الضرورة إلا به، فقد يكون هذا من الواجبات العينية. مثل ابن أو أخ عنده أخ آخر مريض، ولا أحد يستطيع أن ينفق عليه لعلاجه إلا هو، وهو ليس عنده مال فضل، لكن عنده مركوب يستطيع أن يستغني عنه، هل نقول له: إنه يقف معه في هذا؟ نعم يقف معه في هذا. وهنا كذلك مبحث آخر نستفيده من هذه القاعدة: «الحوائج الأصلية للإنسان لا تعد مالا فاضلا». قال العلماء: إن من تصح لهم الزكاة قد يكون ممن عنده غنى مبعض، وهو من يكون غنيا من وجه وليس غنيا من وجه آخر. فتخرج على هذا أن من يعطى الزكاة على أربعة أحوال: منهم من يمنع مطلقا، وهم الأغنياء، فهؤلاء لا يعطون من الزكاة. والمرتبة الثانية منهم من يعطى من الزكاة ولكن يعطى بشرط، وهم الأغنياء إذا صار لهم وصف آخر مما يجيز الشرع أخذهم الزكاة فيه. ودليل ذلك ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم، وذكره الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء وصححه، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة». قال: «إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله»، ولو كان غنيا، من يخرج للغزو في سبيل الله، يجوز أن يعطى من الزكاة؛ لأن الله يقول: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فيجوز أن يعطى من الزكاة ولو كان غنيا. وهكذا كذلك ألحق به بعض أهل العلم طالب العلم؛ لأنه في باب من أبواب الجهاد في سبيل الله، فيجوز أن يعطى بما يعان به على شراء الكتب والمراجع وما يعينه في جهاده في هذا الباب في العلم. وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى يعطي من الزكاة لطلبة العلم في شراء الكتب، ويرى أن سلاح طالب العلم المكتبة، من ليس عنده مكتبة يعينه بمكتبة. هذا بعشرة آلاف، وهذا بعشرين ألفا، وهذا بأقل، وهذا بأكثر. لماذا؟ لأنه سلاح طالب العلم، سلاحه الكتب؛ لأنه المراجع التي يستعين بها في بحثه وفي مواصلته وفي تعليمه وتعلمه، وفي الرد على أهل الباطل من كفار ومن أهل بدع وغير ذلك. من أين يأتي بالمعلومات؟ من الكتب، فهو مما إن شاء الله يكون في معنى في سبيل الله. وهكذا كذلك النوع الثاني: «أو لعامل عليها»، العاملين في أبواب الزكاة، منهم من هو غني، لكنه يؤتى به للعمل لأمانته، قد لا يجدون رجلا أمينا، أو لخبرته، لا يجدون رجلا عنده خبرة إلا غني، فمن أين ينفق على هذا الغني؟ من الزكاة يجوز. والعاملين عليها كذلك للآية وهذا الحديث. «أو لغارم»، كذلك الغني قد يغرم، يصاب بمصيبة، تاجر كبير من أكبر التجار في البلد يبتلى بمصيبة فيقع عليه دين، فجوز أن يعطى من الزكاة. الجواب نعم يعطى من الزكاة في ذلك الوصف الخاص. قال: «أو لرجل اشتراها بماله»، كذلك الرابع، رجل اشترى هذه الصدقة بماله، يجوز. عرضت الصدقة لأن تباع لأجل أن تقسم بين اثنين، يجوز أن يشتريها إنسان بماله. مثل الرجل وجبت عليه زكاة إبل، فرأى أن يقسم هذه الإبل على فقراء مجموعة من الفقراء، هل يجوز أن يبيعها فيشتريها إنسان؟ بعض الناس قد يتحرج أن يشتري ما أخرجت زكاة عنه. الجواب ما في حرج، اشتر هذه وانت إن شاء الله فعلت خيرا. وهكذا كذلك قال: «أو لرجل كان له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهداها المسكين للغني»، رجل مسكين أعطيت له صدقة فأهداها هذا المسكين لجاره هدية، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «هو لها صدقة ولنا هدية». فآل البيت لا تحل لهم الصدقة، لكن لما أتيت لبعض أزواجه قبلها النبي عليه الصلاة والسلام: «هو لها صدقة ولنا هدية». فكذا في قصة بريرة. فتلخص من ذلك: الحالة الثانية أن الغني له أحوال خاصة يصبح أن يأخذ من الزكاة. الحالة الثالثة هي التي مرت معنا أن يكون الغنى من وجه والفقر من وجه، مثل أصحاب السفينة المساكين. والحالة الرابعة وهو أضيق هذه الأحوال، وهو من لا تحل له الصدقة، لا يحل له أن يأخذ إلا على وجه ضيق جدا، وهي في المسألة. فإن المسألة لا تحل إلا لثلاثة، قلاصتها في الحديث الآخر: حديث أبي هريرة: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي»، فالصدقة لا تحل. وهكذا كذلك المسألة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «إن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لا بد منه». فإن كان في أمر لا بد منه ضرورة وفاقه، يشهد له طائفة من أهله، أو رجل تحمل حمالة، وما كان بمعناه مما هو أمر لا بد منه، فهذه هي المسألة التي تحل للإنسان، وما سوى ذلك فهو سحت لا يجوز للإنسان أن يسأل يعني يطلب المسألة. فأعلمنا بذلك أحوال الصدقة، وآخرها المسألة، وهي أضيق. فإن المسألة بابها ضيق جدا.