القواعد والأصول الجامعة 3

الدرس في القواعد والأصول الجامعة 3، الدرس الثالث : فيه من قوله ( فقد جمعت هذه الآية أصول المأمورات ... والمنهي عنها بالمفاسد). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

نعم الله تعالى على عباده وآثار الطهارة

شرح الآية التي تبين نعم الله على عباده وأهمية الطهارة الحسية والمعنوية في جلب الخير والبر. يُظهر أن أوامر الله تعالى هي من نعمه العاجلة والآجلة.

إعجاز القرآن في الأحكام الشرعية ومقارنته بقوانين البشر

يُبرز إعجاز القرآن في تشريعه وأحكامه المحكمة التي تهدف إلى المصلحة وتجنب المفسدة. يُقارن ذلك بقوانين البشر التي تحتاج إلى تغيير وتعديل باستمرار.

حكمة الله في شرعه وأثرها على عباده

يُبين أن حكم الله تعالى محكم ومثقل، ويزداد الإنسان تعظيمًا له كلما تعمق فيه. يُظهر أن الآيات القرآنية تحتوي على أوصاف للمؤمنين الصالحين وجزاءهم.

تعليل الأحكام الشرعية بالمصالح والمفاسد

يعلل الفقهاء الأحكام الشرعية بالمصالح والمفاسد، حيث ترتبط الأوامر بالمصالح والمنهيات بالمفاسد. يختلف التعليل باختلاف نوع الحكم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: فقد جمعت هذه الآية أصول المأمورات ونبهت على حسنها، كما جمعت الآية التي بعدها أصول المحرمات ونبهت على قبحها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: ولما ذكر الله الأمر بالطهارة للصلاة من الحدث الأكبر والأصغر، وذكر طهارة الماء، ثم طهارة التيمم عند العدم أو الضرر بمرض ونحوه، قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فأخبر أن أوامره وشرائعه من أكبر نعمه العاجلة المتصلة بالنعم الآجلة. النعم العاجلة لأنها سببا للطهارة الحسية والطهارة المعنوية. الطهارة الحسية بما يكون من التطهر بالماء والتطهر بالتراب، والطهارة المعنوية ما يكون كذلك من إزالة الآثام وأثرها على الجسد وعلى القلب، ومن ذلك كذلك الخير والبر على القلب وعلى الجسد بما يكون من تحصيل هذه الطاعات من الطهارة والصلاة وما بمعناها. وأما الآجلة فالأجر العظيم عند الله، ودخول العبد في جنة الله سبحانه ورضوانه. قال: ثم تأمل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنْ الْحِكْمَةِ﴾، فعلم أن هذه الأوامر التي أمر الله عز وجل بها أمر بها لحكمة، وهي التي أشار إليها في هذه القاعدة. قال: وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾. انظر إلى ما في هذه الآيات من الأوامر التي بلغت نهاية الحسن، وما اجتمعت عليه من الخير والعدل والرحمة، والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة. وكذلك ما اجتمعت عليه من المنهيات التي ضررها عظيم وشرها جسيم. قال: وهذه الشرائع مأموراتها ومنهياتها من أعظم معجزات القرآن، يعني ما فيه من الأحكام المتقنة في الأوامر والنواهي من إعجاز هذا القرآن، ومن إعجاز هذه الشريعة؛ لأنه وضع الشيء في موضعه على أكمل الوجود، فطار الشرع لا يأمر إلا بمصلحة خالصة أو راجحة، ولا ينهى عن شيء إلا ما فيه مفسدة خالصة أو راجحة. قال رحمه الله تعالى: «والرسول صلى الله عليه وسلم وأنها تنزيل من حكيم حميد»، يعني من أعظم معجزات القرآن ومن أعظم معجزات الرسول عليه الصلاة والسلام أن ما يتكلم به من أوامر ونواهي محكمة غاية الإحكام؛ فإنه لا يأمر بشيء في الشرع إلا ما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى عن شيء إلا ما مصلحته خالصة أو راجحة. قال: وهذا شيء عظيم على كثرة الأحكام وتجدد الزمان والمكان، تجد هذه الشريعة محكمة مسقنة. انظر إلى قوانين أهل الأرض تجدها في كل سنة يغيرونها، فربما ما عندهم قانون مثل الساحر الذي قبضوا عليه قريبا، قالوا: ما عندنا في القانون مادة كيف نفعل به؟ أخذوه وسجنوه، قالوا: ما عندنا مادة، خلقوا ما عندنا مادة في القانون، إذن يخرج. وهكذا كذلك قوانين أهل الأرض مهما كان أهلها فإنهم يحتاجون إلى تغيير وتبديل وتقديم وتأخير. أما حكم الله جل وعلا فهو مثقل محكم، صالح لكل زمان ومكان. قال: ومع ذلك لا يزداد الإنسان فيه غوصا وتعلما ومعرفة وتطبيقا إلا ويزداد به انبهارا وتعظيما وإجلالا لما فيه من الحكمة العظيمة، وكذلك الدقة الواسعة. قالوا: «أنها تنزيل من حكيم حميد»، يعني هذا يدل على أنها منزلة من عند الله. قال: ووصف الله فيه خواص عباده وفضلاءهم في قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾. والمعنى أن في هذه الآيات أمر الله جل وعلا بأشياء ونهى عن أشياء، وهذه التي أمر بها أي في سورة الفرقان كلها ما مصلحتها خالصة أو راجحة، وما نهى عنها ما مفسدتها خالصة أو راجحة. قال: والمؤلف الآن ينتقل من آية إلى آية ومن دليل إلى دليل ليبين رحمه الله ويبرهن أن هذا الذي ذكره رحمه الله له واقع في الشريعة. قال: وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ثم عدد أوصافهم الجليلة، ثم قال في جزائهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قال: وكذلك قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾. والمؤلف رحمه الله لا شك يريد الاختصار، لكن هكذا نبه العلماء أنه ليس هذا بطريقة سليمة وصحيحة. قال: فكل ما في هذه الآيات من الأوصاف التي وصف الله بها خيار خلقه قد علم حسنها وكمالها ومنافعها العظيمة. ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. وجميع ما في الشريعة من العبادات والمعاملات والأمر بأداء الحقوق المتنوعة تفاصيل وتفاريع لما ذكر الله في هذه الآيات. قال: وجميع ما فصله العلماء من مصالح المأمورات ومنافعها ومضار المنهيات ومفاسدها داخل في هذا الأصل، يعني هذه القاعدة. قال: ولهذا يعلل الفقهاء الأحكام المأمور بها بالمصالح، والمنهي عنها بالمفاسد، يعني تعليل المراد به في التحريم والمنع أو الوجوب والأمر، سواء أمر وجوب أو أمر استحباب، أو نهي تحريم أو نهي كراهة.