شرح مختصر السيرة 64

شرح مختصر السيرة 64

الدرس في شرح مختصر السيرة 64، الدرس الرابع والستون:من( وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر ... قال:ذاك حمزة بن عبدالمطلب قال:ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة ومعركة بدر

يتناول بداية مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر وقيادته الحكيمة للمعركة. يُظهر المقطع تفاصيل مهمة حول مشورة الحباب بن المنذر ونزول المطر الذي ثبت الأقدام.

دور الملائكة ونصر الله

استجاب الله لدعاء نبيه بإمداده بألف من الملائكة، مما أدى إلى هزيمة المشركين في غزوة بدر. قُتل وأُسر عدد كبير من المشركين، وكان من بين القتلى قادة من قريش.

تفاصيل وأحداث المعركة

يصف تفاصيل معركة بدر، حيث يبرز دور الإيمان والعزيمة في تحقيق النصر. يذكر أحداث هامة مثل رمي الرسول التراب في وجوه المشركين، وقتل أبي جهل، وأسر أمية بن خلف.

تعليقات على أحداث بعد المعركة

يتحدث عن تعليق على حادثة قتل شنيعة، ووصفها بفعل شنيع وذريع. يشير إلى أنه سيتم التطرق إلى المزيد من التفاصيل في درس لاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قال: وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر، والمراد ببدر أي الموضع المعروف المسمى ببدر، وهي بلدة معروفة اليوم بين المدينة وجدة من طريق الساحل، وفيها الآبار التي سيأتي الكلام عليها. قال: وخفض أبو سفيان، فلحق بساحل البحر. وبدر في الحقيقة هي في جهة الساحل، لكن ليست على مستوى الساحل، فهي وسط بين أسفل الساحل وبين طريق الهجرة الذي هو اليوم طريق المدينة مكة وجدة السريع. ومعناه أن أبا سفيان انخفض كثيرًا إلى الساحل؛ لأجل أن يبتعد من المدينة. قال: فلحق بساحل البحر، وكتب إلى قريش أن يرجعوا؛ فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم. فأتاهم الخبر -يعني لا داعي لأن تخرجوا للقتال وقد نجت القافلة- قال: فأتاهم الخبر، فهموا بالرجوع، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا، فنقيم بها، نطعم من حضرنا، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان -يعني الجواري- وتسمع بنا العرب، فلا تزال تهابنا أبدًا وتخافنا. فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع، فلم يفعلوا، فرجع بنو زهرة، فلم يزل الأخنس في بني زهرة مطاعًا بعدها؛ لكونه أتى برأي رشيد كان فيه السلامة لقومه. قال: وأرادت بنو هاشم الرجوع، فقال أبو جهل: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع -يعني هذه الجماعة حتى نرجع- فساروا إلى طالب بن أبي طالب، فرجع. وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل على ماء أذنى مياه مياه بدر، وكان ذلك في قصة المشورة التي وقعت، والمشورة هو أصل القصة في الصحيحين، وبعض هذه التفاصيل فيما جاء في الصحيحين من حديث أنس وغيره، وبعضها مما ذكره أهل السير، فهو بالجملة معناه صحيح. قال: فقال الحباب بن المنذر: إن رأيت أن نسير إلى قُلُبٍ قد عرفناها كثيرة الماء عذبة، فننزل عليها، ونغور -أو قال وتغور- ما سواها من المياه. ومعنى تغور: يعني تدفن وتضيع الماء؛ حتى يشرب المسلمون ولا يشرب الكافرون. قال: وأنزل الله تعالى تلك الليلة مطرًا واحدًا، صلب الرمل، وثبت الأقدام، وربط على قلوبهم، كما قال سبحانه: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾. وفسر ذلك بأن هذا الماء كان منشطًا -أي المطر منشطًا للصحابة- في تلك الليلة التي نزلت عليهم، فأصبحوا وهم في غاية من النشاط، وهكذا كذلك صلب الأرض، فتثبت الأقدام مع صلابة الأرض. قال: ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضع المعركة، وجعل يشير بيده، ويقول: «هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان إن شاء الله». فما تعدى أحد منهم موضع إشارته صلى الله عليه وسلم، كما جاء في صحيح مسلم من حديث أنس؛ فإنه عليه الصلاة والسلام حدد لهم مواضع يموت فيها أفراد من كفار قريش، فوقع بمثل ما أخبر عليه الصلاة والسلام. قال: فلما طلع المشركون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم هذه قريش قد جاءت -أو جاءت بخيلائها وفخرها- جاءت تحادك وتكذب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم الغداة» -يعني أنزل بهم الهزيمة- قال: وقام ورفع يديه، واستنصر ربه، وبالغ في التضرع، ورفع يديه حتى سقط رداؤه -وهو ما يوضع على أعلى الجسد من الثوب- قال: وقال: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك، اللهم إن تهلك هذه العصابة لن تعبد في الأرض بعد». فالتزمه أبو بكر الصديق من ورائه، وقال: «حسبك مناشدتك ربك يا رسول الله؛ فوالذي نفس بيده لينجزن الله لك ما وعدك». لما علم من استجابة الله عز وجل لدعاء نبيه عليه الصلاة والسلام؛ فإن من علامات الأنبياء استجابة الدعاء، والحديث أصله في صحيح مسلم كما أشار المعلق. قال: واستنصر المسلمون الله واستغاثوه، فأوحى الله إلى الملائكة: «أني معكم فثبتوا الذين آمنوا، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان». وأوحى الله إلى رسوله: «أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين». قال: «بكسر الدال وفتحها» -يعني يجوز براءتان مردفين ومردفين- قال: «إردافًا لكم». ومعنى الإرداف: يعني التعزيز. قال: «وقيل: يردف بعضهم بعضًا، لم يجيئوا دفعة واحدة» -يعني جاء الملائكة دفعات- وقد صحت أحاديث كثيرة في مشاركة الملائكة للمسلمين في تلك الغزوة، كما قال العباس حين أسر في غزوة بدر وأتي به -وهو عم النبي عليه الصلاة والسلام وكان كافرًا ثم أسلم- وقد أسر وأتي به إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: «من أسره؟» فقال رجل من الأنصار: «أنا يا رسول الله». فنظر إليه العباس، فقال: «والله ما هذا أسرني، ولكن رجل ضخم من صفته كذا وكذا» وذكر أشياء، وذكر ما سمع من أصوات وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على أن المسلمين في تلك الغزوة أُيِّدوا بالملائكة. قال: فلما أصبحوا أقبلت قريش في كتائبها، وقلل الله المسلمين في أعينهم؛ حتى قال أبو جهل -لما أشار عتبة بن ربيعة بالرجوع خوفًا على قريش من التفرق والقطيعة إذا قتلوا أقاربهم-: «إن ذلك ليس به» ولكنه -يعني عتبة- عرف أن محمدًا وأصحابه أكلت جزور -وفيهم ابنه- فقد تخوفكم عليه -يعني صار المشركون يطعن بعضهم في بعض في شجاعته وفي كذلك لزوم هذا القتال والبقاء فيه- قال: وقلل المشركين أيضًا في أعين المسلمين؛ ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. وأمر أبو جهل عامر بن الحضرمي -أخو عامر بن الحضرمي- أن يطلب دم أخيه، فصاح وكشف عن استه، يصرخ: «عمراه، عمراه». فحمي القوم ونشبت الحرب، وهذا من فعل أهل الجاهلية من الفرع والخيلاء والتحامل بشدة القتال. قال: وعدل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفوف، ثم انصرف، وغفى غفوة. وأخذ المسلمين النعاس، وأبو بكر الصديق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرسه، وعنده سعد بن معاذ وجماعة من الأنصار على باب العريش. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبي في الدرع -يعني خرج مسرعًا- ويتلو هذه الآية: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾. ومنح الله المسلمين أكتاف المشركين، فتناولوهم قتلًا وأسرًا، فقتلوا سبعين وأسروا سبعين. وخرج عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة يطلبون المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار، فقالوا: «أكفاء كرام، ما لنا بكم من حاجة، إنما نريد من بني عمنا» -يعني ما يريدون من الأنصار يريدون من أهل مكة من القرشيين- قال: فبرز إليهم حمزة -أي عم النبي صلى الله عليه وسلم- وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وعلي بن أبي طالب، فقتل علي قرنه الوليد، وقتل حمزة قرنه شيبة -يعني مقارنه- قال: واختلف عبيدة وعتبة بربتين، كلاهما أثبت صاحبه، فكر حمزة وعلي على قرن عبيدة فقتله، واحتمل عبيدة قد قطعت رجله. فقال: «لو كان أبو طالب حيًا لعلم أن أولى منه بقوله: ﴿وَنَسْلَمُ حَتَّى نَصْرَعَ حَوْلَهُ وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ﴾». قال: ومات بالصفراء -يعني اسم موضع- وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الآية. فكان علي رضي الله عنه يقول: «أنا أول من يجثو للخصوم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة» -يعني أن الله ينصف المتخاصمين من أهل الإسلام يوم القيامة- وهذه الخصومة من كان محقًا ومن كان مبطلًا، فأهل الإيمان هم أهل الحق ولو قتلوا المشركين فقتلوهم بحق. قال: ولما عزمت قريش على الخروج ذكروا ما بينهم وبين بني كنانة من الحرب، فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك، فقال: «لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم». فلما تعبأوا للقتال ورأوا الملائكة فر ونكص على عقبيه، فقالوا: «إلى أين يا سراقة؟» فقال: «إني أرى ما لا ترون، إني أخاف الله، والله شديد العقاب». وظن المنافقون ومن في قلبه مرض أن الغلبة بالكثرة، فقالوا: «غر هؤلاء دينهم». فأخبر الله سبحانه أن النصر إنما هو بالتوكل على الله وحده. ولما دنى العدو قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعظ الناس وذكرهم بما لهم في الصبر والثبات من النصر. وفي هذا دليل على أن جيوش المسلمين لا تستغني عن الإيمان والعلم به والتذكير بآيات كتاب الله وأحاديث رسوله، وهو ما يسمى من القوة المعنوية؛ فإنه مما يعين على النصر. قالوا: إن الله قد أوجب الجنة لمن يستشهد في سبيله. فأخرج عمير بن الحمام بن الجموح تمرات من قرنه يأكلهن، ثم قال: «لئن حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة» -يعني رغبة في الشهادة لما ذكرهم بفضلها النبي عليه الصلاة والسلام- والحديث في صحيح مسلم من حديث أنس. قال: وقاتل حتى قتل، فكان أول قتيل. قال: وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ملء كفه ترابًا فرم به بوجوه القوم، فلم تترك رجلًا إلا ملأت عينيه، فهو قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. قال: واستفتح أبو جهل، فقال: «اللهم اقطعنا للرحم، آتنا بما لا نعرف». فأحنه الغداة. ولما وضع المسلمون أيديهم في العدو يقتلون ويأسرون، وسعد بن معاذ واقف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجال من الأنصار في العريش، رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه سعد الكراهية، فقال: «كأنك تكره ما يصنع الناس؟» قال: «أجل والله يا رسول الله، كانت أول وقعة أوقعها الله في المشركين، وكان الإدخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال» -يعني لم ير أن يبقى من أسر بل يقتل الجميع- قال: ولما بردت الحرب وانهزم العدو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ينظر لنا ما صنع أبو جهل؟» فانطلق ابن مسعود، فوجده قد ضربه معوذ وعوف ابنا عفراء حتى برد، فأخذ بلحيته، فقال: «أنت أبو جهل؟» فقال: «لمن الدائر اليوم؟» قال: «لله ورسوله». ثم قال له: «هل أخزاك الله يا عدو الله؟» قال: وهو فوق رجل -قال- وهو فوق رجل قتله قومه، فاحتز رأسه عبد الله بن مسعود، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم -يعني استكمل قتله- قال: فقال: «قتلته الله الذي لا إله إلا هو» ثلاثًا، ثم قال: «الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». انطلق فأرنيه. فانطلق، فأريته إياه، فلما وقف عليه، قال: «هذا فرعون هذه الأمة». فأصل الحديث في الصحيحين من حديث أنس -يعني قصة قتل ابن مسعود- وكذلك ضرب معوذ وعوف ابني عفراء لأبي جهل قبل ابن مسعود. وأما زيادة قوله: «هذا فرعون هذه الأمة» رواها الإمام أحمد من طرق، ومدارها على أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود، وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه، لكن له متابعة من طريق الأعمش عن ابن مسعود، حسنها به بعض أهل العلم. قال: وأسر عبد الرحمن بن عوف أمية بن خلف وابنه عليًا، فأبصره بلال، وكان أمية يعذبه بمكة، فقال: «رأس الكفر أمية، لا نجوت إن نجأ». ثم استحمى جماعة من الأنصار، واشتد عبد الرحمن بهما يحجزهما منهم، فأدركوهم، فشغلهم عن أمية بابنه علي، ففرغوا منه، ثم لحقوهما، فقال له عبد الرحمن: «أبرك» فبرك، وألقى عليه عبد الرحمن بنفسه، فضربوه بالسيوف من تحته حتى قتلوه، وأصاب بعض السيوف رجل عبد الرحمن. وليس حماية عبد الرحمن لأجل حبه إياه، ولكن لما علم من أمر النبي صلى الله عليه وسلم باستيفاء الأسرى على الرأي الذي رآه، ونزل فيه القرآن. قال: وكان أمية قد قال قبل ذلك: «من الرجل في صدره بريش النعام؟» فقال له: «ذاك حمزة بن عبد المطلب». قال: «ذاك الذي فعل بنا الأفاعيل» -يعني أنه قتلهم قتلًا شنيعًا ذريعًا-. طيب نكتفي بهذا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم، شكرًا.