الخطبة بعنوان ماذا بعد حج بيت الله الحرام، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 24 ذو الحجة 1446هـ الموافق 20 يونيو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الخطبة تناقش أهمية الحج ومقاصده العظيمة في توحيد الله وتصحيح العقيدة وتحسين العبادة والمعاملة. يشدد الخطيب على ضرورة تطبيق مبادئ الحج في الحياة اليومية بعد العودة من الحج.
الحج ليس فقط مناسك محددة، بل هو مدرسة تعلم المسلمين الأخلاق الحسنة والتعاون على البر والتقوى. ينبغي للحاج أن يعود بعد الحج وقد تغير حاله إلى الأفضل، وأن يكون قدوة حسنة في مجتمعه.
يجب على المسلم أن يحرص على التوبة والابتعاد عن الذنوب والمعاصي، وأن يتبع السيئة بالحسنة ليغفر الله له، كما أن الحج والعمرة سبب للتوبة والرجوع إلى الله.
المقطع يبدأ بدعاء الله لإصلاح الأمة وطلب العون، ثم يتحول إلى ثناء على الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، مع التعبير عن الامتنان والشهادة بوحدانية الله و رسالة محمد.
الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة. ويقفها كل مسلم مع نفسه وقفات: ماذا بعد حج بيت الله الحرام؟ مما ينبغي أن يعيد أهل الإسلام النظر فيه: أين فريضة الحج وحكمته العظيمة بتوحيد الله عز وجل بأقوالنا وأفعالنا وقلوبنا؟ بأن نرجع إلى مجتمعاتنا وفيها الكثير مما يناقض عقيدة التوحيد، وفيها الكثير مما ينافي تعظيم رب العبيد، تعظيم الله سبحانه وتعالى. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى، كانت بتاريخ الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة لعام ألف وأربعمائة وستة وأربعين من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرصها الله. العبادة في روح الإسلام، فمن ليس له عبادة فهو جسد بلا روح، ميت، وإن سمى نفسه مسلمًا. إن الحمد لله، نحمد الله تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهديه الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى الحكيم الرحيم جعل لنا في ديننا من مواسم الخيرات، ومن مواضع وأصناف الطاعات والقربات ما هي كفيلة بإصلاح هذا الإنسان في دنياه وأخرى. ومن ذلك فرائض أركان هذا الدين العظام، ومن هذه الأركان حج بيت الله الحرام. حج بيت الله الحرام الذي هو ركن عظيم من أركان الإسلام، ومبنى من مبانيه العظام، جعله الله عز وجل ركنًا من أركان هذا الدين، ومبنى من مبانيه، لما فيه من المصالح الكثيرة الدينية والدنيوية التي يصلح بها حال الإسلام والمسلمين. أيها المسلمون، عباد الله، الحج عبادة عظيمة، ولكن ماذا بعد حج بيت الله الحرام؟ وقفات نقفها مع حج بيت الله الحرام، وقفات نقفها مع أنفسنا، يقفها الحاج مع نفسه، ويقفها كل مسلم مع نفسه. وقفات: ماذا بعد حج بيت الله الحرام؟ أيها المسلمون، عباد الله، الحج فريضة عظيمة شرعها الله عز وجل لمقاصد جليلة، من أعظم مقاصدها وأجل حكمها أن جعلها الله عز وجل سببًا لتثبيت أس عظيم من أسس هذا الدين، وأصل كبير من أصوله، ألا وهو توحيد الله عز وجل. «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ»، يذهب الحاج وهو يقول: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ»، ويرجع وقد كان ينبغي أن حقق هذه العقيدة لله عز وجل بالتوحيد في قلبه، وفي لسانه، وفي جوارحه. ولكن القليل من ينتبه إلى ذلك. ليس من الصواب أن نسمع كلمة التوحيد وننادبها، ثم نرجع إلى مجتمعاتنا وإلى حياتنا وقد وجدنا الكثير من الوثنيات والشركيات والبدع والخرافات التي تنافي عقيدة التوحيد. أين فريضة الحج وحكمته العظيمة في توحيد الله عز وجل بأقوالنا وأفعالنا وقلوبنا؟ بأن نرجع إلى مجتمعاتنا وفيها الكثير مما يناقض عقيدة التوحيد، وفيها الكثير مما ينافي تعظيم رب العبيد، تعظيم الله سبحانه وتعالى. وإن من الوقفات كذلك، أيها المسلمون، عباد الله، الحج مدرسة عظيمة في تقرير العبادة لله رب العالمين، وإصلاح النفس والمسلمين. إقبال الحجيج على الله سبحانه وتعالى في هذه الفريضة بأداء ما أمر الله عز وجل بأدائه من مناسك الحج المتنوعة التي تتضمن الصلوات، وتتضمن أنواعًا من الأنساك والعبادات القولية والفعلية والقلبية. كلها موذنة ومشعرة بعظيم منزلة العبادة لله سبحانه وتعالى في هذا الدين. العبادة هي روح الإسلام، فمن ليس له عبادة فهو جسد بلا روح، ميت، وإن سمى نفسه مسلمًا. كم من المسلمين اليوم لا يعرفون العبادات إلا في المواسم، لا يعرفون الطاعات إلا مع الناس في بعض المناسبات، وغير ذلك مما اعتاده الكثير من المسلمين وللأسف. أليس الله سبحانه وتعالى الذي عبدناه في رمضان، وفي عشر ذي الحجة، وتعبدنا له بحج بيته الحرام، هو الذي كذلك يستحق العبادة في سائر الأسابيع والأشهر والأعوام؟ فهو رب هذه الدنيا بمن فيها سبحانه وتعالى. أيها المسلمون، عباد الله، من عبد الله سبحانه وتعالى وراء منزلة العبادة في هذا الدين العظيم، علم أنه يحتاج أن يعيد النظر في كثير من مواقفه وأمور حياته، فضلًا عن حال الكثير من المسلمين. أيها المسلمون، عباد الله، إن حج بيت الله الحرام يُعتبر مدرسة عظيمة لإصلاح العقيدة وتصحيحها، وإصلاح العبادة وإقامتها، وإصلاح المعاملة وتقييمها. إن من أسرار وحكم الحج، أيها المسلمون، عباد الله، وهي وقفة أخرى للحجيج ولكل المسلمين، أن يعلموا أن دين الإسلام دين يشمل جميع أهل الإسلام، عربهم وعجمهم، يشمل أسودهم وأبيضهم، غنيهم وفقيرهم، يشمل الرؤساء والمرؤوسين، الراعي والرعية. دين يشمل الجميع بتوحيد الله عز وجل، وعبادته، وحسن المعاملة مع خلقه، وحسن الخلق، وإقامة هذا الدين بالدخول فيه من جميع أبوابه، وتتبع جميع أوامر رب سبحانه وتعالى، ومواضع طاعته. أيها المسلمون، عباد الله، وإن من ذلك أن يستفيد الحاج وجميع المسلمين ما ينبغي أن يكون بين أهل الإسلام من الأخوة والمحبة والألفة والرحمة، والتعاون على البر والتقوى، ولين الجانب، وخفض الجناح، وغير ذلك من الأخلاقيات والسلوكيات التي ينبغي أن نقيمها في سائر أيامنا، وفي أمورنا، وفي حياتنا. ليس من الصواب أن يذهب الحاج وقد وطن نفسه على أن يحسن معاملته لألا يفسد حجه مع من حوله من الحجيج في سفره بذهابه وأيابه، فإذا رجع إلى حياته بعد الحج رجع على ما كان عليه من الظلم والبغي والعدوان، وقطيعة الأرحام، وعدم بر الوالدين، وأخذ أموال الناس بالباطل، والتعامل بالربا، أو أعظم من ذلك من الرجوع إلى الكبائر والموبقات، أو غير ذلك مما هو أعظم من الشركيات والوثنيات. إن الحج مدرسة تعلمنا، تعلم الحجيج وجميع المسلمين كيف ينبغي أن يكون المسلم في حياته كلها، ليس فقط في أيام الحج، بل إذا رجع كيف يكون قدوة حسنة مع نفسه، ومع أهله، ومع أبنائه، ومع والديه، وجيرانه، ومع كل من يتعامل معه. «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي»، «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، حَتَّى الْوَلِيُّ الْأَمْرُ فَهُوَ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ بِمَا يَكُونُ مِنْ أَمَانَتِهِ وَدِيَانَتِهِ وَحُسْنِ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْمَسْئُولِيَّةِ الَّتِي تَحَمَّلَهَا». هذا هو الإسلام، الاستسلام لله رب العالمين في جميع أوامر هذا الدين. وإن من الوقفات، أيها المسلمون، عباد الله، أن نعلم أن الحج مدرسة الأخلاق الكريمة التي يكون بها المسلم قدوة حسنة في نفسه وفي مجتمعه. كيف ترتقي بنفسك أن تصل إلى أعالي الدرجات في حسن خلقك؟ وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا». وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الجنة، قال: «تَقْوَى اللَّهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ». فشمر يا أيها المسلم، ويا أيها الحاج خاصة، أن تكون بعد حجك قدوة حسنة في الأخلاق الحسنة الكريمة، أن تكون مفتاح خير ومغلاق شر. وإن من الوقفات، أيها المسلمون، عباد الله، وقفة أخرى مع حقيقة الحج وثمرته، وعظيم أثره ومنزلته. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور الصحيح في الصحيح: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ». سئل الحسن البصري رضي الله عنه: ما الحج المبرور؟ قال رحمه الله تعالى: «أَنْ تَرْجِعَ زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الْآخِرَةِ». أن ترجع من حجك أيها الحاج زاهدًا في الدنيا راغبًا في الآخرة. أما علامته فحسن أدائه على السنة والوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. وأما أمارته ودليل قبوله: تغير حال صاحبه بما يكون بعد الحج وقبله. وهكذا معاشر المسلمين، من لم يتيسر له الحج، تيسرت له عشر ذي الحجة التي جعلها الله عز وجل موسمًا عظيمًا من مواسم الخيرات، وموضعًا من مواضع التنافس في الطاعات. فينبغي أن يكون ما كان بعد هذه العشر أعظم مما كان عليه قبل العشر. ولذلك جعل الله عز وجل أعياد أهل الإسلام بعد هذين الموسمين العظيمين من مواسم الطاعات والقربات والتنافس في الحسنات والدرجات. عيد الفطر بعد موسم عظيم وهو شهر رمضان، وعشر عظيمة وهي العشر الأخيرة من رمضان. وهكذا جعل الله عز وجل عيد الأضحى، وهو العيد الأكبر الذي يجتمع فيه أهل الإسلام جميعًا بالعيد. روي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، ونحوه عن أبيه عمر، وجاء معناه عن شريح: أنه رأى بعض الحجيج وقد وقع منهم بعض المخالفات، فقال: «مَا أَكْثَرَ الرَّكْبَ وَأَقَلَّ الْحَجِيجَ». أو «أَقَلَّ الْحَجَّاجَ». وفي رواية: «الرَّكْبُ كَثِيرٌ وَالْحَجَّاجُ قَلِيلٌ». أي: أن من انتفع بالحج فهو الحاج الذي انتفع به في موضع موسمه، وصلاح حاله بعده. كما تقدم معنا بأن له علامة وأمارة، علامة لصحته، وأمارة لقبوله. وكذلك أنت أيها المسلم، لئن دعا الحاج في عرفة، جعل الله عز وجل لك دعاء عشية عرفة، ولو لم تكن مع الحجاج. لو جعل الله عز وجل مناسك للحج، جعل لك أنواعًا من الطاعات في عشر ذي الحجة. كما جاء في حديث ابن عباس وغيره: أنه لا شيء أعظم منها فضلًا وأجرًا، إلا رجل ذهب بماله ونفسه ولم يرجع من ذلك بشيء. رواه البخاري وغيره بمعناه. وهكذا أيها المسلمون، سائر الطاعات والقربات، هناك فرق بين من يؤديها وبين من يقيمها. ولهذا كان من دعاء نبي الله إبراهيم أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام: «رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي». انظر ماذا دعا؟ لم يدعُ أن يكون من المصلين، ولا ذريته أن تكون من المصلين، ولكن أن يكون من مقيمي الصلاة. فهناك فرق بين من يصلي ومن يقيم الصلاة. فالمصلون كثير، ولكن المقيم للصلاة قليل، وهو الذي ينتفع بهذه الصلاة، وهي التي قال الله عز وجل عنها بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر. والتي تنهى عن الفحشاء والمنكر هو إقامتها. ولهذا قال الله عز وجل: «وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ». فاحرصوا يا أهل الإسلام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، لا على أدائها وإسقاطها ورميها من على أعناقكم. بل أدائها على الوجه الذي يحبه الله سبحانه وتعالى ويرضاه. وإن من الوقفات -والوقفات كثيرة- وحسبنا بهذه نختم بها: أن الحج مدرسة عظيمة في مراعاة المصالح من المفاسد في جوانب كثيرة. الحج موسم عظيم من مواسم العبادات، ومع ذلك لحاجة الناس إلى الطعام والشراب والتزود في أيام الحج، رفع الله عز وجل الحرج في البيع والشراء والجناح، لكنه بما لا يزاحم ولا يطغى على أداء هذه الفريضة، مراعاة للمصالح والمفاسد بموازين شرعية وضوابط ربانية. وهكذا أخلاق أهل الإسلام تشمل المسلمين جميعًا، برهم وفاجرهم، سنيهم وبدعيهم، ولكن هناك فرق بين الاحتواء والتمكين. نحتوي ولا نمكن، نؤاخي ونصلح ولا نتميع ونتنازل. وهكذا ينبغي أن تكون حياتنا في سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى، في الجوانب العلمية والدعوية والإدارية والسياسية كلها تقام بهذه الموازين والضوابط الشرعية. وإن من الوقفات، أيها المسلمون، عباد الله، أن نستفيد من وقفات مع الحج أنها سبب عظيم للتوبة إلى الله سبحانه وتعالى والرجوع إليه. فما جعل الله عز وجل هذه الفرائض العظام ومباني هذا الدين إلا لأجل أن نتوب إليه ونرجع سبحانه وتعالى. وفي حديث ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الذُّنُوبَ وَالْخَطَايَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ». فحرص أيها المسلم على أن تتبع السيئة الحسنة لتمحوها، وأن تتبع المعصية بالتوبة ليغفر الله عز وجل لك فيها. وجاء في صحيح مسلم: أن رجلًا قبل امرأة، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو حزين مكروب، يسأل النبي صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم -بعد أن سكت حين نزلت عليه قول الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾- قال: «أَلَيْسَتْ لَكَ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً». ويا أيها الحاج، ويا أيها المسلم، اعلم أن الله عز وجل من رحمته ورفقه وحكمته وعلمه بحال خلقه وضعفهم وعجزهم وافتقارهم إليه، جعل لهم هذه المواسم العظيمة من مواسم الطاعات، وهذه القربات، وهذه كذلك الواجبات والمستحبات من أبواب الحسنات، سببًا لتكفير السيئات ورفع الدرجات والرجوع إليه سبحانه وتعالى. فإن حصل منك تقصير مرة أخرى، وتجتهد أن لا يكون، فعجل بإتباع السيئة الحسنة لتمحها، كما سمعنا في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. فإن معنى ما سبق: أن تتبع السيئة بالحسنات الكثيرات المكفرات الماحيات لهذه السيئة. وفي مسند الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا نُكِتَ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِنْ هُوَ تَابَ وَاسْتَعْتَبَ سُقِلَتْ تِلْكَ النُّكْتَةُ». فبين النبي صلى الله عليه وسلم: أن الذنوب لها أثرها على قلوبنا، حسًا ومعنى، وعلى أقوالنا وأعمالنا. ولذلك ينبغي أن نحرص على طهارة قلوبنا وأعمالنا، أعظم من طهارة أجسادنا، وطهارة كذلك ملابسنا. أن نحرص على لباس التقوى، أعظم من ستر عوراتنا باللباس الحسي. فعورتك الحسية ليست بأعظم من عورتك المعنوية التي بها خسارة الدنيا والدين، وهي الخسارة الأبدية والعياذ بالله. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾. أيها المسلم، ويا أيها الحاج خاصة، أرأيت لو أن رجلًا بنى بيتًا فأحسن البناء ونظفه وجمله، فأحسن التنظيف والتجميل، فجاء آخر بعده فخرب ذاك البناء الجميل، ولوث ذاك البيت النظيف؟ ماذا نقول عن ذلك الرجل الذي أفسد ما أصلح الذي قبله؟ سنقول: إنه رجل ظالم، وباغٍ، قليل الرحمة، قليل المروءة، دنيا الأخلاق، وغير ذلك من الكلمات والعبارات. فما ذلك إذا كان هذا الرجل هو نفسه الذي بنى ذلك البيت وجمله ونظفه وأحسنه؟ هكذا نحن معاشر المسلمين، نبني لأنفسنا بيوتًا في مواسم الخيرات والطاعات، وبعد مثل هذه القربات. الحاج يرجع وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه، فبنى لنفسه بيتًا جميلًا عظيمًا نظيفًا مطهرًا. فما إن يرجع إلا ويخرب ذلك البناء، ويلوثه ويشوه ذاك الجمال. أيعقل مثل هذا؟ كذلك سائر المسلمين، ينبغي أن يتفكروا بهذا المثل، لأجل أن لا نقع في مثل هذا المعنى الذي لا ينبغي أن يقع فيه عاقل، فضلًا عن مسلم. وهكذا معاشر المسلمين، إن من هذه الوقفات، وقفة في تتبع التقوى. فإننا نرى أن الله عز وجل أمر بالتقوى في طاعات كثيرة وقربات عديدة. قال في الصيام: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. وقال في الحج: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾. المقصود من هذه القربات والطاعات: الارتقاء بأنفسنا لأن نصل إلى أعلى الدرجات في التقوى، أن نزكي أنفسنا كما أمرنا الله بقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾، أي: بالطاعات وبالحسنات والقربات، وتقوى الله، وتكفير السيئات. وقد خاب من دساها، أي: دنسها بالسيئات والخطيئات والمعاصي والذنوب والإصرار على معصية الرب والبعد عنه سبحانه وتعالى. ولا تزال تتقرب إلى ربك، فيتقرب الله عز وجل إليك. وكما جاء في الصحيحين، من حديث أبي هريرة: «أَنَا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ عَبْدِي بِي». فأحسن الظن بالله، بالتقرب إليه والارتماء بين يديه، والسجود له، والدعاء والإنابة إليه، حتى يقبلك ويدخلك ويعينك ويوفقك لما فيه خير الدنيا والدين، ولما فيه حسن المآل والحال في هذه الدنيا والآخرة. فتكون بإذن الله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. جاء في الصحيح: أن رجلًا جاء للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدْعُ اللَّهَ أَنْتَ أَنْ يَجْعَلَنِي مَعَكَ فِي الْجَنَّةِ». قال: «وغير ذلك؟» قال: «بَلْ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ». قال: «فَأَعِنِي عَلَى ذَلِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ». نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على إصلاح أنفسنا وإصلاح أحوالنا وحوال أمتنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. اللهم أصلح حوائجنا وحوائج المسلمين في كل مكان. اللهم أصلح حوائجنا وحوائج المسلمين في فلسطين وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم عليك بالكافرين، اللهم عليك باليهود والصهاينة المعتدين. اللهم عليك بأعداء هذا الدين من الكفار والمبتدعة والرافضة والحوثيين وغيرهم من أعداء هذا الدين. اللهم اجعل الدائرة على جميع أعداء الدين، وهلك الظالمين بالظالمين، وأخرج المسلمين والمستضعفين ناجين. اللهم اجعل الدائرة على كل أعداء الدين، والغلبة لأهل السنة المسلمين. اللهم آمين. اللهم أصلح أمتنا، ولا تؤاخذنا، واجعل ولايتك فيمن خاءنك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.