عاشوراء حِكم وأحكام

عاشوراء حِكم وأحكام

الخطبة بعنوان عاشوراء حِكم وأحكام، والتي كانت بدار الحديث بالفيوش بتاريخ 9 محرم 1447هـ الموافق 4 يوليو 2025م ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية صيام يوم عاشوراء ومخالفة أهل الكتاب

يشرح أهمية صيام يوم عاشوراء ومخالفة أهل الكتاب، ويبين أن النبي صلى الله عليه وسلم حث على صيامه. هناك ثلاث مراتب لصيام عاشوراء وأفضلها صيام يوم قبله ويوم بعده.

سنة الله في نصر المؤمنين وتنكيل الكافرين

يشرح سنة الله في نصر المؤمنين وتنكيل الكافرين بعد امتحان وابتلاء، ويبين أن النصر له أسباب شرعية وقدرية. يحث على التوبة والاستقامة وإعداد العدة للنصر.

دعاء بالمطر النافع والرحمة الإلهية

يتضمن دعاءً بالمطر الغزير النافع الذي يحيي العباد وينفع المسلمين، ويطلب من الله المطر النافع غير الضار. الدعاء يشمل طلب الرحمة من الله وطلب الغيث الذي يكون بلاغًا إلى حين.

التفريغ النصي الكامل

الموقع الرسمي لدار الحديث بالفيوش والشحر يقدم لكم هذه المادة. وإن من حكمة الله عز وجل في أمر عاشوراء أن يستنى أهل الإسلام بسنة النبي عليه الصلاة والسلام بأحزانهم وأفراحهم، لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع صيام ذلك اليوم لما شرع لنا أن نصومه. وبإمكاننا أن نعرف خطأ تشريع بعض الناس بأن يخترعوا أياما يفرح بها فيصام، وأيام يحزن لأجلها فيكون فيها غير ذلك، أو ربما كذلك شرع أنواع من العبادات. كما قال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وكررها ثلاثا: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». فينظر العقلاء من الزعماء والرؤساء وولاة الأمور والوجهاء ما هو الذي ينبغي أن نشغل به شبابنا وأمتنا بمواجهة هؤلاء الأعداء، هل بالترفيه والكرة، هل بالفن والدياثة، هل بالسقوط بمستنقعات الرذيلة وأنواع الفواحش والملهيات، وكذلك المشغلات؟ أم أننا نشغل شبابنا بالتفوق العلمي والتطور التكنولوجي والوصول إلى الدرجات العالية في العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية. إن أهل الإيمان وأهل الإسلام يفرحون بعضهم لبعض بما يكون من نصرة الحق وزوال الباطل، فإذا كان هذا فيما وقع لموسى عليه الصلاة والسلام، فكذلك ينبغي أن تكون مشاعر المسلمين وعواطفهم مع بعضهم البعض فيما هو بينهم من باب أولى وأحرى. خطبة لفضيلة شيخنا العلامة أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي حفظه الله تعالى، كانت بتاريخ التاسع من شهر الله المحرم لعام 1400 و47 من الهجرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام. سجلت هذه المادة في دار الحديث بالفيوش، حرصها الله. إن الحمد لله، أحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح، في صحيح مسلم، من حديث أبي قتادة رضي الله عنه وارضاه، أنه حث على صيام يوم عاشوراء، وأنه يرجو أن يكون كفارة لسنة بعده. وصح في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه أخبر أن موسى عليه الصلاة والسلام أنجاه الله يوم عاشوراء، فصار اليهود يصومون شكرا لله عز وجل على ذلك. فأخبر أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، أخبرهم عليه الصلاة والسلام بقوله: «نحن أولى بموسى منهم». ولكنه أمرهم عليه الصلاة والسلام أن يصوموا يوما بعده أو يوما قبله، مخالفة لأهل الكتاب. هذا الحديث العظيم، أيها المسلمون، يدلنا على ثوابت شرعية عظيمة، وفوائد كذلك مهمة، ينبغي أن يقف المسلم على فقهها. أول هذه الفوائد أن أهل الإيمان وأهل الإسلام يفرحون بعضهم لبعض بما يكون من نصرة الحق وزوال الباطل. فالمسلمون والمؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداع له سائر الجسد بالحمى والسهر. فما يؤذي المسلمين يؤذيك لأنك مسلم، وما يفرح به أهل الإسلام يفرحك لأنك مسلم. وإذا كان هذا في حق أهل الكتاب الذين كانوا مع موسى عليه الصلاة والسلام، فأنجاهم الله، وكان ما كان من أمرهم مع الكفار من قوم فرعون ومن معه، فكيف بإخوانك أهل دينك، الدين الذي لم يحرف ولم يغير ولم يبدل؟ قالها النبي صلى الله عليه وسلم بحق اليهود، على ما عنده من التغيير والتبديل، لكن الحق يبقى الحق. فإن معايير وموازين الإسلام، موازين العدل، كما قال الله عز وجل: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. وفيه من المسائل أننا نزن الناس بالموازين الشرعية، فمن كان عنده شيء من الحق وعنده باطل، فإننا نقبل الحق ونرد عليه الباطل. فإن ما عند أهل الكتاب من الحق قبله النبي صلى الله عليه وسلم بما أوحاه الله عز وجل إليه أنه حق، ورد ما كان من الباطل من التحريف والتبديل. بل أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل هذا الدين أولى بهذا الحق، وأولى بنصرة موسى عليه الصلاة والسلام من اليهود بنبيهم موسى عليه الصلاة والسلام، لأننا أهل الحق الذين نحب الأنبياء جميعا، والذين نقر بما جاء به الأنبياء جميعا عليهم الصلاة والسلام. ولكننا علمنا بما أخبرنا الله وخبرهم حق وصدق، أن الكثير من أتباع الأنبياء غيروا وبدلوا بعده. وهكذا أيها المسلمون عباد الله، من هذه المسائل كذلك سنة الله عز وجل في الصراع بين أهل الحق والباطل ماضية إلى قيام الساعة. فهؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن تبعهم من الصالحين والأصفياء، كذلك كانت سنة الله عز وجل الامتحان بين أهل الحق والباطل. وربما تأخر الحق لحكمة من الله سبحانه وتعالى، وهو يمهل جل وعلا، ولكنه لا يهمل. فمن حكم الله عز وجل في تأخر النصر أن يحصل معه الامتحان والابتلاء الذي به يتبين أهل الحق فينظر الصادق من الكاذب، والطيب من الخبيث، والمؤمن من المنافق. ومن سنة الله عز وجل بالابتلاء أنه يمهل الكافرين والمجرمين، ويقيم عليهم الحجج حجة بعد حجج، لعلهم يتوبون أو يرجعون أو ينيبون. فإن لم يفعلوا، عذبهم عذبهم سبحانه وتعالى بعدله. وقد أقام عليهم الحجج الكثيرة. ومن حكمة الله عز وجل في تأخر البلاء كذلك أن يرضي الأجراء على الإيمان، فيرفع لهم الدرجات العالية. وأن كذلك يمكر بالكافرين والمجرمين بأن يستدرجهم بذنوبهم ومعاصيهم وظلمهم، لتكون لهم العقوبة في الدنيا، فضلا عن عقوبة الله عز وجل في الآخرة. كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. أخذ الله أليم شديد، لكن بعد أن يمهل ويمهل ويمهل، ويستدرج الكافرين، ويمكر بهم كما يمكرون، ويخادعهم كما يخدعون. سنة الله عز وجل في أن يري أهل الحق جميعا أن من عذبهم عذبهم بعدله سبحانه وتعالى. فلو لم يقع الظلم ولم يقع البغي ولم يقع العدوان، لظن بعض من التبس عليه الأمر أن هؤلاء عندهم شبهة، وأنهم لا يستحقون هذه العقوبة. وربما كان عقوبتهم بدون ذلك يكفي، لكن حين يتمادى الظالم في ظلمه، ويتمادى الكافر في كفره، والباغي في بغيه، حتى يجتمع الناس جميعا العقلاء وغيرهم، أن هؤلاء يستحقون العقوبة، وأن هؤلاء يستحقون التنكيل والعذاب بأشد ما يمكن أن يكون. فإذا جاءت عقوبة الله عرفوا واستيقنوا عدل الله سبحانه وتعالى، فيكون بذلك ظهور آيات الله في نصر المؤمنين وتنجيتهم، والتنكيل بالكافرين والمجرمين وتعذيبهم. هكذا يكون للنصر طعما، وهكذا يكون كذلك للغلبة ذوقا، لا يكون إذا لم يكن مثل هذا الامتحان ومثل هذا الابتلاء. سنة الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك قول الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾. يأتي نصر الله بعد أن يظن أهل الخير، فضلا عن غيرهم، أن الأبواب قد أغلقت، وأن النهايات ليس لها مخرج. ولكن الله عز وجل يأتي بالفرج في حين بهور بعض بوادر اليأس. ولكن المؤمن لا يزال أمله بالله سبحانه وتعالى كبير. وما أشبه الليلة بالبارحة، فما وقع لقوم موسى عليه الصلاة والسلام مع فرعون ومن معه، ونحن قد علمنا ما أخبرنا الله عز وجل به، كيف كانت تنكيل بقتل الرجال وذبح الأطفال وتشريد الأسر والنساء، واستهانتهم، وأخذ كذلك عفتهم وفضيلتهم، كل هذا وقع، وغيره كثير، حتى طاردوا المؤمنين، فوقفوا عند ذلكم اليمن، فعند ذلك قال من لم يكن عنده من التوكل ما يكمل به إيمانه: «إنا لمدركون». فقال موسى عليه الصلاة والسلام قولة الحق الواثق بربه سبحانه وتعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فما كان إلا أن أوحى الله عز وجل إليه أن يضرب بعصاكه هذا الماء، فضربه، فإذا كل فرق كالطود العظيم. أنجاه الله ومن معه، حتى إذا دخل فرعون ومن معه أغرقهم الله سبحانه وتعالى. وجاء نصر الله، وعدله بهؤلاء الكافرين وهؤلاء المجرمين. سنة الله سبحانه وتعالى الاستدراج والإمهال الذي لا يكون معه الإهمال. أيها المسلمون عباد الله، ما يقع للمسلمين اليوم من الشدة والبلاء، وما يقع لهم من الفتنة والمحنة واللأواء، كل ذلك بحكمة من الله سبحانه وتعالى. من هذه الحكم أننا نعلم أن ما أصابنا فهو بذنوبنا، فعلينا المبادرة بالرجوع إلى الله. كما قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. وكما قال الله سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. لعلنا نرجع إلى الله، فإذا رجعنا إلى الله جاء نصر الله، وجاء وعد الله، وجاء الفرج من الله سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك ما يكون من إعداد العدة الصحيحة التي يكون بها الوصول إلى النصر. فللنصر أسبابا شرعية، وأسبابا قدرية كونية. فمن الأسباب الشرعية التوبة والإنابة والتقوى والاستقامة، وغير ذلك من المعاني التي يلزم بلزوم الثوابت الشرعية والقواعد المرعية التي يكون بها النصر في سنة الله سبحانه وتعالى الشرعية. وهكذا كذلك الأسباب القدرية الكونية بأن يعد المسلمون العدة التي يكون بها النصر. كما قال سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وكررها ثلاثا: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». فينظر العقلاء من الزعماء والرؤساء وولاة الأمور والوجهاء ما هو الذي ينبغي أن نشغل به شبابنا وأمتنا في مواجهة هؤلاء الأعداء، هل بالترفيه والكرة، هل بالفن والدياثة، هل بالسقوط في مستنقعات الرذيلة وأنواع الفواحش والملهيات، وكذلك المشغلات؟ أم أننا نشغل شبابنا بالتفوق العلمي والتطور التكنولوجي والوصول إلى الدرجات العالية في العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية؟ كما كان سلفنا وإمتنا وعلماؤنا، ومن سبقنا من خيرة هذه الأمة. انظروا إلى تاريخ هذه الأمة المشرف، أول الجامعات في الأرض هي جامعات أهل الإسلام. وأول من جمع علوم الشرق والغرب هم أهل الإسلام. وأول من بث لبنة الحضارة المعاصرة هم أهل الإسلام. فما يعيشه الناس اليوم في هذه الحضارة التي يعيشونها إنما هي حسنة من حسنات أهل الإسلام. لم يصل المسلمون إلى هذه الدرجات العالية بالدعاة والخور، ولا بالانشغال بالملهيات، بل كانت حياتهم جادة مليئة بالجد والتفوق والبحث والتحقيق في العلوم الشرعية والعلوم الدنيوية، حتى وصلوا إلى هذه الدرجات العالية. حتى إلى يومنا هذا، إذا نظرت إن العلماء الذين تفوقوا في العلوم الدينية أو العلوم اللغوية أو العلوم المادية، ستجد أن أكبر التفوق عند علماء الإسلام. فإن الكثير من المخترعات المعاصرة إنما اخترعها علماء أهل الإسلام. فهذه شواهد الحق، وهذه براهن الصدق التي تشهد لك أن كبار علماء الدنيا، وعلماء كذلك العلوم الدقيقة في عصرنا هذا، هم من علماء الإسلام الذين لم يجدوا من يعتني بهم في بلادهم الإسلامية، فذهبوا شرقا وغربا. إما عندهم من المعارف، وإما عندهم من الجد، وإما عندهم كذلك من البحث والتحقيق، تفوقوا ووصلوا إلى الدرجات العلية. فالذي اخترع آلة الأموال والصرافات هو عالم مسلم مصري، أول من صنع واخترع هذه الآلات التي ينعم الناس اليوم بالسهولة في حصول الأموال. وهذا بما كان من هذا الأصل الذي عند أهل الإسلام، الاعتناء بالعلوم، والجد بالحياة، والنظر في التحقيق، والحرص على البحث والتفوق الذي هو من خصائص هذه الأمة. حتى بعض القواعد التي نسبت إلى بعض الكافرين، إنما سرقها من بعض علماء المسلمين، كقواعد الطاقة التي تنسب لنيوتن ذلك الكافر، إنما أخذها عن الكثير من علماء المسلمين. وقد بين ذلك الكثير من علماء الكافرين، فضلا عما ذكره علماء الإسلام. وكثير من أنظمة الفيزياء والأمور الميكانيكية التي منها المكائن المتنوعة اليوم، سواء كانت الحركية أو الغازية أو غيرها، إنما هي حسنة من حسنات أهل الإسلام فيما أسسوه من علوم، وفيما صنعوه من صناعات. فإن أول من صنع الرجل الآلي هم أهل الإسلام، فقد صنعوا رجلا ينشئ يخرج الماء في وقت الصلاة لبعض الملوك والرؤساء، يخرج الماء عند وقت الأذان بقدر ما يتوضأ به المتوضئ. وهكذا ينبه بوقت الصلاة بالتنبيه أنه دخل وقت الصلاة، بل ويتحرك ويتحرك فيعطي ويناول المنشفة. وهذا كان في زمن الأندلس، تأمل إلى هذا، هذا كان في داخل زمان، لأجل أن نعلم أن الكثير من العلوم التي ينعم بها أهل الحضارة إنما هي من تاريخ أهل الإسلام. أيها المسلمون عباد الله، لنا عبرة وعظة بأن نكون أهل تفوق، لأجل أن نأخذ الأسباب الشرعية للنصر، فيرفعنا الله عز وجل في الدنيا والآخرة. أيها المسلمون عباد الله، وإن من حكم الله سبحانه وتعالى في يوم عاشوراء أن يأخذ المسلمون بأسباب الطاعة والعبادة، فيتبعونها فينالون بذلك الحسنات، ويصلون بها إلى أعلى الدرجات. فقد حث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على الصيام، حتى كان الصحابة يصومون الصبيان، كل ذلك حرصا منهم على هذه الأجور، وتتبعا منهم لهذه الحسنات. وهكذا من حرص السلف على صيام يوم عاشوراء أنهم كانوا يحرسون على صيامه حتى ولو كان بالسفر. فصح عن الزهري رحمه الله، وكان شيخا كبيرا مسافرا، فرؤياه وصائم في يوم عاشوراء، فقالوا له: كيف تصوم وقد قال الله عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾؟ فقال الإمام رحمه الله تعالى: «قال هذا عن رمضان، له مكان من أيام أخر، أما عاشوراء فليس له مكان للقضاء، فلذلك لا أفطر فيه». حرصا منهم على الحسنات، وتتبعا منهم لهذه الدرجات. وهكذا ذكر علماؤنا، كما ذكر شيخنا محمد بن صالح عثيمين، وقبله عدد من الأئمة المحققين، كشيخ الإسلام بن تيمية، والإمام بن القيم، أن الناس في صيام عاشوراء ثلاثة مراتب. فمنهم من يبلغ إلى أكملها، فيصوم يوما قبله ويوما بعده. ومنهم من يبلغ وسطها، بأن يصومه ويصوم يوما قبله أو يوما بعده، فيخالف بذلك أهل الكتاب. ومنهم من لا يصومه إلا هو، فيكون بذلك على المستحب، ولكنه خالف الأفضل. وفيه كذلك من الفوائد ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من مخالفة أهل الكتاب، وعدم كذلك التوافق معهم، ما استطاع إلى ذلك سبيلا. فخالفهم بأمره بصيام يوم قبله أو يوم بعده، حتى لا تحصل الموافقة. فإذا كان هذا في العبادة، فكيف بالعادات؟ وما يفعله بعض الناس من هذه التبعات المقيتة التي وقع فيها الكثير من المسلمين؟ وللأسف يشابهون الكفار، ليس فيما هو نافع من العلوم والبحوث والتحقيقات، ولكنهم يأخذون الزبالات التي ترد من الشرق والغرب، يتابعونهم بقصات الشعر، وبالخلوع والفجور، وبغير ذلك من أنواع الأمور الساقطة، والأمور غير المهمة، فضلا عما يفسد الدنيا والدين والأخلاق والفضيلة. فتأملوا هذا، وتأملوا حال سلفنا وإمتنا. نسأل الله سبحانه أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين. والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، صادق الأمين. أيها المسلمون عباد الله، وإن من حكمة الله عز وجل في أمر عاشوراء أن يستنى أهل الإسلام بسنة النبي عليه الصلاة والسلام في أحزانهم وأفراحهم. فلولا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع صيام ذلكم اليوم لما شرع لنا أن نصومه. وبإمكاننا أن نعرف خطأ تشريع بعض الناس بأن يخترعوا أياما يفرح بها فيصام، وأيام يحزن لأجلها فيكون فيها غير ذلك، أو ربما كذلك شرع أنواع من العبادات لأجل أن نعلم أن هؤلاء أحدثوا في دين الله عز وجل ما لم يأذن به الله. بل دين الله سبحانه وتعالى موقوف على ما جاء في الكتاب والسنة، وصح عن سلف الأمة. قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». وفي رواية لمسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ورواها البخاري معلقا. وهكذا قال عليه الصلاة والسلام: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعد أبدا، كتاب الله وسنتي». رواه الحاكم بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة، ومعناه من حديث بن عباس. فإذا كان كذلك، به نعلم ضلال بعض الطوائف فيما أحدثوه. ومن ذلك ما تفعله الرافضة من الاحتفال بيوم عاشوراء، يزعمون أنه حزن على موت الحسين، وجعلوا عيدا واحتفالا أعظم من احتفال الكافرين. فيجتمعون فيه ويعملون من الطقوس، زعما منهم أنه حزنا على الحسين، حتى صار يسخر أعداء الإسلام من هذه المظاهر الشنيعة، وهذه التصرفات المهينة. فيسمحون لهم في بلاد الكافرين أن يقيموا هذه التفاهات، وهذه الخرافات في أكبر الساحات. لأجل أن يظهر ذلك للعالم أن هؤلاء هم أهل الإسلام، يضربون جلودهم بالأسلاك، ويسيلون الدماء بالسكاكين والسيوف والأمور الحادة، وغيرها. ويترامون في الطرقات، ويفعلون الكثير من المنكرات، حتى يختلط الرجال بالنساء، ويحصل من الشر والفساد ما الله به عليم. وربما صور ذلك ونقل في القنوات، لأجل أن يظهروا ويشوهوا جمال هذا الدين في تصرفات هؤلاء المبتدعين الضالين. تأمل هذا، وكيف في المقابل لا ينقلون للناس جمال هذا الدين فيما عليه أهل الإسلام الصحيح من أهل السنة والجماعة، في معاهدهم ودروسهم وطرقهم في تعليمهم ودعوتهم وصلاحهم وإصراحهم. ولكنهم ينقلون ما يشوه به جمال هذا الدين من مثل تصرفات هؤلاء المبتدعين. فينبغي أن يعلم أهل الإسلام جميعا كيف أن هؤلاء المبتدعين من أعوان الكافرين والملحدين، فإنهم إنما هم أصابع، وربما دخل فيهم من يكبر ويزيد من ذلك الشر، لأنه إنما هو إصبع من أصابع الكافرين لتشويه جمال هذا الدين. فاخترقت تلك الجماعات، وترك البدع الضالة، وأهل تلك البدع الضالة من قبل الكافرين والملحدين لتشويه جمال هذا الدين. فالله الله معاشر المسلمين في بيان الحق والدعوة إليه، وإظهار السنة، وهكذا الاعتزاز بها، ومحاربة أهل الباطل من الكافرين والملحدين والمبتدعين والضالين، بما يكون به ظهور الحق. وسنة الله الصراع بين أهل الحق والباطل، وأهل الإيمان والكفر، وأهل الإسلام والشرك، وأهل السنة وأهل البدعة. سنة الله عز وجل الجهاد في سبيل الله بالسيف والسنان، والحجة والبرهان، لتكون كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا وفجروا هي السفلى. نسأل الله سبحانه أن يفقهنا بأمور شرعنا، وأن يبصرنا بأمور ديننا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يردنا والمسلمين إلى ما فيه خير الدنيا والدين، وأن يجعلنا والمسلمين فيما يحبه رب العالمين. اللهم آمين، اللهم أصلح إمتنا، ولا تؤاخذنا، واجعل ولايتك فيمن خاءك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أصلح حالنا وحوال المسلمين بكل مكان. اللهم ادفع عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا غيثا مغيثا، غدقا طبقا، تحيي به العباد، وتنفع به الحاضر والباد. اللهم أغثنا غيثا نافعا غير ضار، ينبت به المسلمون، ويكون به كذلك بلاغا إلى حين يا رب العالمين. والحمد لله رب العالمين.