الدرس في القواعد والأصول الجامعة 97، الدرس السابع والتسعون : من (القاعدة الثالثة والخمسون ... وله أن يحيله على من أحاله عليه والله أعلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
العقود التي تتم قبل الفسخ الاختياري تبقى صحيحة، بينما إذا كان الفسخ بسبب بطلان العقد الأصلي، تبطل العقود اللاحقة. التصرفات التي تتم قبل الفسخ تبقى صحيحة إذا كان الفسخ اختياريًا.
إذا بطل العقد، بطلت التصرفات اللاحقة. أما إذا كان الفسخ لسبب شرعي، فإن التصرفات التي تمت قبل الفسخ تبقى صحيحة. هذا يشمل البيع والرهن والضمان.
إذا بطل البيع، يرجع المشتري إلى البائع لاسترداد ما دفعه. كما يبطل الرهن والضمان والحوالة المرتبطة بالبيع الباطل. هذا يبين أثر بطلان العقد على التصرفات المرتبطة به.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: وإن فسخ فسخًا اختياريا لم تبطل العقود الطارئة قبل الفسخ. ومعنى القاعدة أن الشيء إذا بطل من أصله بما يخالف الشرع، وبما لا يجوزه الشرع عقدًا مثله، فإن ما بني عليه هذا العقد أو ما بني عليه منه ومن غيره لا يصح، لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»، وإن كان من الشرط، ولقوله عليه الصلاة والسلام أو لنهيه عليه الصلاة والسلام عن بيع ما لا يملك، فمن باع ما لا يملكه لم يصح بيعه، ولو كانت هبة لم تصح هبته. ما يجوز أن تأخذ قلمًا أو مسواكًا ليس لك، هو لإنسان آخر، وتهديه لأحد أو تتصدق به لأحد أو تبيعه لأحد، لو وقع هذا، فالعقد الثاني باطل الذي فعلته من هبة أو صدقة أو بيع؛ لأنه إن بنى على شيء باطل، وهو أن الرجل لا يملك أصلًا هذا الشيء حتى يهبه أو يهديه أو يتصدق به، فضلًا عن أن يبيعه. فهذا هو معنى قوله: إذا تبين فساد العقد، بطل ما بني عليه. وإن فسخ فسخًا اختياريا، وهذا القسم الثاني من القاعدة: وإن فسخ فسخًا اختياريا لم تبطل العقود الطارئة قبل الفسخ. ومعناه: ومعنى أنه لو فسخ بسبب من الأسباب الجائزة شرعًا، وباختياره لا بكونه باطلًا شرعًا، لم تبطل العقود الطارئة قبل الفسخ. مثاله: لو أن رجلًا باع شيئًا، وكان في هذا البيع خيار، وبعد مدة الخيار أمضى البيع، فإذا أمضى البيع ما كان قبل نافذ، أو كذلك اشترى شيئًا ووضع فيه رهنًا بدين، هذا الرهن يملكه ملك صحيح، إما ببيع أو شراء أو غير ذلك، فهذا الشيء المرهون كذلك صحيح. فلو فسخ هذا الرهن قبل العقد، بعد العقد ما يصح؛ لأنه مرهون بملك صحيح. لكن قبل العقد لو أراد أن يتنازل ويقول: أنا سأعطيك مالًا وأرد الرهن أو أحيله إلى غيرك، فهذا يجوز؛ لأنه تصرف فيما يملك الإنسان، وفيما لم يبطله الشرع. قال رحمه الله تعالى: وهذا ضابط وفرق لطيف، فهذه القاعدة أشبه ما تكون بالضابط، أشبه ما تكون بالضابط، فهي قاعدة صغرى أو ضابط، أي أدب وأصغر من قاعدة. قال: وفرق لطيف. فمن اشترى شيئًا أو استأجره أو أتهبه ونحوه، ثم تصرف فيه، اشترى أولًا أو استأجر أو أتهب -يعني من الهبة- ثم تصرف فيه، وبعد تصرفه بان العقد الأول باطلًا، بطل ما بني عليه، كأن اشترى شيئًا غير مملوك أو استأجر شيئًا كذلك في غير ملك، قال: بطل ما بني عليه من التصرف الأخير. لماذا؟ لأنه تصرف فيما لا يملك الإنسان، وفيما أبطل الشرع مثله كالأشياء المغصوبة والمسروقة، فلا يصح التصرف فيها. قال: لأنه تصرف في شيء لا يملكه شرعًا. وأما لو تصرف فيه ثم فسخ العقد الأول بخيار أو تقايل، الخيار مدة العقد، كان يقول مثلًا: بيني وبينك ثلاثة أيام، إن مضت الأيام الثلاثة ولم ترجع فالعقد تم، البضاعة لك والمال لي، أو تقايل، والتقايل يعني الرجوع في البيع، فإن تراضي على رجوع البيع فإنه يجوز؛ لأنه إن بنى على أن البيع صحيح. قال: أو غيرها من الأسباب الاختيارية، فإن العقد الثاني صحيح؛ لأنه تصرف فيما يملكه من غير مانع، بخلاف إذا كان هناك مانع، كأن يكون هذا المبيع غير مملوك للبائع، كأن يكون مسروقًا أو مغصوبًا أو لا يملكه هو ملك الإنسان آخر، فمثل هذا لا يجوز تعليق أي تصرف عليه لا بخيار ولا تقايل ولا أي شيء آخر. لماذا؟ لأنه ليس ملكًا له. قال: فإن العقد الثاني صحيح؛ لأنه تصرف فيما يملكه من غير مانع، ما يوجد مانع في هذا الشيء الذي يملكه. قال: وحينئذ يتراجع مع العاقد الأول إلى ضمان المثلي بمثله والمتقوم بقيمته. وقوله: وحينئذ يتراجع مع العاقد الأول، يعني إذا ثبت أن هذا الشيء لا يصح إقامة عقد ثاني عليه، يعني الآن الرجوع إلى الجزء الأول من القاعدة، وهو قوله: إذا تبين فساد العقد بطل ما بني عليه. طيب إذا بطل، فأين يكون حق هذا الرجل المغرر به؟ حقه على من غرر به، وهو قوله: وحينئذ يتراجع مع العاقد الأول إلى ضمان المثلي بمثله والمتقوم بقيمته. إذا كان شيء له مثل، فبمثله، اشتريت مثلًا قلمًا فتبين أن هذا القلم مسروق، يرجع القلم إلى مالكه الحقيقي. طيب وأين المال الذي دفعته؟ إذا كان للقلم مثل، فملزم البائع أن يأتي لك بقلم مثله، يلزم البائع الذي أخذ هذا الشيء المسروق أن يأتيك بقلم مثله. فإن لم يكن له مثل، فبقيمته، مثل مثلًا شيء يصنع لا يوجد له مثل، شيء يصنع لا يوجد له مثل، نوع خاص مثلًا من الطعام أو نحو ذلك، فهنا القيمة بقيمته، دفعت عشر دراهم ترد لك الدراهم العشرة. قال: ومثله إذا باعه شيئًا ووثقه برهن أو ضمين أو حاله بالثمن، ثم بان البيع باطلًا، بطلة التوثقة والحوالة؛ لأنها مبنية عليه. خلص ما دام ما دفع المال لا يلزمه شيء، الرهن يرجع أو الضمين تزول عنه الضمانة أو الحوالة بالثمن ولو إلى مليء تبطل هذه الإحالة. لماذا؟ لأن البيع تبين أنه باطل. مثاله: اشتريت من رجل أرضًا، وجعلت مال هذه الأرض التي اشتريتها في رهن، وضعتها عنده، وضعت عندها رهنًا أو عند رجل ثالث، وصف أو ضمين يضمن عليك بتزديد ثمن الأرض، أو كذلك إحالة، أحلت البائع في قيمة الأرض إلى رجل ثالث ولو كان غنيًا، ففي هذه الأحوال الثلاثة إذا تبين أن هذه الأرض مغصوبة وليست ملكًا لهذا الرجل البائع، إذن الرهن يبطل وينفسخ، فتأخذ المرهون، والضمين لا يلزم شيء بضمانته، والمحال إليه لا يلزم شيء فيما أحيل إليه ولو كان غنيًا. لماذا؟ قال: ثم بان البيع باطلًا بطلة التوثق والحوالة؛ لأنه مبني عليه، يعني على هذا الأمر. قال: فإن فسخ الأول فسخًا وقد أحاله بدينه، فالحوالة بحالها، وله أن يحيله على من أحاله عليه، يعني بالشروط التي علمت بالشرع وتقدم ذكرها، أن تكون الإحالة إلى مليء، وغيرها من الشروط التي ذكرت بدروس سابقة. قال: والله أعلم. ومعناه أن هذه الأمثلة الثلاثة في الرهن والضمانة والإحالة إذا كانت على عقد صحيح، فالرهن يبقى على أصله، والضمانة تبقى والإحالة تبقى؛ لأن العقد صحيح، وما بني عليه من تصرفات فهي تصرفات صحيحة. وأما إذا كان العقد باطلًا فما بنى عليه من تصرفات فهي تصرفات فاسدة. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.