شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 4

شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 4

الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 4، الدرس الرابع : ( 11 -ثم حدث في دهرنا هذا حماقات ... فأجره حتى يسمع كلام الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

القول في القرآن وأنه كلام الله غير مخلوق

يناقش المقطع قضية القول في القرآن وأنه كلام الله غير مخلوق، ويستدل على ذلك بالآيات القرآنية. يرفض المقطع فكرة أن القرآن هو مجرد عبارة عن معنى أو حكاية عن كلام الله.

شرح أسماء الله الحسنى وصفاته وتأكيد كون القرآن كلام الله

يتناول المقطع شرح أسماء الله الحسنى وصفاته، ويبين اعتقاد أهل السنة أن الأسماء لله عز وجل بألفاظها ومعانيها. يؤكد أن القرآن كلام الله بنص الكتاب والسنة.

حقيقة القرآن وأدلة كونه كلام الله غير مخلوق

المقطع يشرح حقيقة القرآن وأنه تنزيل من الله جل وعلا، نزل به جبريل عليه السلام على قلب النبي صلى الله عليه وسلم. يؤكد أن القرآن كلام الله غير مخلوق.

تعريف كلام الله وبيان شموله للكتابة والنطق والحفظ

الكلام يعود إلى قائله ابتداء، وجميع صور التعبير عن كلام الله تعتبر كلام الله ولا تخرج عن كونه كلامه. يشمل ذلك الكتابة والنطق والحفظ.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ثم حدث بدهرنا هذا حماقات خاض فيها أهل الجهل والغباء ورعاع الأمة يتعب إحصاؤها ويمل تعدادها، فيها القول في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره. ونحن نضيف الصواب يدينا من القول في ذلك إن شاء الله، وبالله التوفيق. القول في القرآن وأنه كلام الله، فأول ما نبدأ به القول فيه من ذلك عندنا: القرآن كلام الله وتنزيله، إذ كان من معاني توحيده. فالصواب من القول في ذلك عندنا أنه كلام الله غير مخلوق. صوابه كيف كتب وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ في السماء وجد، وفي الأرض حيث حفظ، في اللوح المحفوظ كان مكتوبًا، وبألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا، في حجر نقش أو في ورق خط أو في القلب حفظ. قال: وبلسان اللفظ، فمن ذلك -يعني من ذلك المعنى- أنه ليس بمخلوق. قال: أو ادعى أن قرآنًا في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه بمصاحفنا، أو ذلك بقلبه وأضمره في نفسه، أو قاله بلسانه داعيًا به، فهو بالله كافر حلال الدم؛ لماذا؟ لأنه كفر بالقرآن الذي أنزل الله عز وجل أنزله على نبيه عليه الصلاة والسلام. فإنما هو قرآن واحد ليس له ظاهر ولا باطن، كما يقول بعض أهل البدع أن هذه الألفاظ عبارة عن معنى أو عبارة، ليس هو حقيقة ما تكلم الله به. فيزعمون أن حقيقة ما تكلم الله به ليس هذا المقروء، وليس هذا المكتوب، وليس هذا المسموع، ولا هذا الذي نقله جبريل إلى نبيه عليه الصلاة والسلام، ونقله رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس. وهذا هو عين كفر؛ لأن الله عز وجل يسميه كلامه وتنزيله، وهم يقولون: ليس هذا كلامه ولا تنزيله، بل هذا عبارة عنه، وهذا حكاية عنه. فيزعمون أن هناك قرآنًا آخر هو كلام الله، وهذا الموجود ليس بكلام الله. وهذا عين الباطل والكفر؛ لأنه معارض لنصوص الكتاب والسنة. قال: والله بريء منه، والله منه بريء، بقول الله عز وجل: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾. الإشارة إلى ما كفر به الكفار، ما كفر به الكفار الذين زعموا أنه كلام البشر، فكان جزاؤهم بذلك أن تكفروا به؛ لأنه ليس بكلام البشر، بل هو كلام الله عز وجل، كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾. فعلم أنه ليس شيء ولا حرف واحد من القرآن إلا وهو كلام الله سبحانه. ثم استدل بالآية الثانية، قال: وقوله الحق عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. فسمى القرآن كلامه سبحانه. فمن زعم بعد ذلك أن هذا حكاية أو عبارة، وأن كلامه ليس هذا، وإنما شيء آخر، فقد كفر بهذه الآية وغيرها من الآيات. حدث في زمانه حماقات خاض فيها أهل الجهل والغباء ورعاع الناس، بهذه الحماقات وهذا الجهل الذي خاض فيه بعض أهل الأهواء. وغالبًا أن العوام أتباع كل ناعق، وكما قال ابن القيم رحمه الله: «الناس كأسراب طير»، فلو أن رجلًا ادعى النبوة لوجد له تابعًا. وهو كما قال رحمه الله: «الناس كأسراب طير»، فإنه قد ادعى بما هو أعظم من ذلك فوجد له تابعًا. وجد من ادعى الألوهية في الأرض فوجد له تابعًا، وهو فرعون ادعى الألوهية، ومع ذلك وجد من يتابعه. وهكذا الناس هم أتباع كل ناعق، فلو أن إنسانًا ادعى ما ادعى فإنه لن يكون عليه خسارة، بل سيجد ولو بعض الأتباع له. وهذه من سنة الله جل وعلا التي يبتلي بها، سنة كونية يبتلي بها، بأن جعل للنار أهلًا، وجعل للجنة أهلًا. قال: «يتعب إحصاؤها» يعني هذه الضلالات والبدع، فهم كثيرة، «ويمل تعدادها» يعني يصيب الملل من يريد أن يعدها. «فيها القول في اسم الشيء أهو هو أم هو غيره»، وهذه مسألة عامة: هل الاسم للمسمى أو ليس الاسم للمسمى؟ أهو عينه أم ليس عينه؟ أهو نفس المسمى أو غير المسمى؟ والصواب أن الاسم للمسمى. وفيما يتعلق بأسماء الله عز وجل، فأسماء الله له سبحانه، كما قال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. وهي مسألة من المسائل الكلامية التي أراد بها أهل الضلال من الجهمية ومن سار على دربهم من المعتزلة وغيرهم نفي الأسماء والصفات عن الرب جل وعلا. فجعلوا هذه الأسماء والصفات أسماء جامدة لا معاني لها. فعندهم: العليم والحكيم والقدير، وغير ذلك من الأسماء لله عز وجل، أسماء جامدة ليس لها معاني، مثل أن تقول لرجل اسمه صالح، لا يلزم أن يكون صالحًا. ورجل اسمه حكيم، لا يلزم أن يكون حكيمًا. فالأسماء بالنسبة للناس جامدة، فزعموا كذلك أنها لله جل وعلا جامدة لا معاني لها، وليس الاسم للمسمى. بل عندهم الاسم غير المسمى. وهذا باطل. بل الله عز وجل يقول في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾. فالأسماء لله جل وعلا، كل الأسماء التي سمى بها نفسه سبحانه في كتابه، أو سماه بها رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في سنته، فإنها بألفاظها ومعانيها لله جل وعلا، وفيها من الصفات صفات الكمال، وكذلك معاني الجلال التي تليق بعظمة الرب جل وعلا وجبروته. فهم يوصفوا بهذه الصفات على ما يليق بعظمته سبحانه، من غير تمثيل ولا تحريف، ومن غير تكييف ولا تعطيل. فإنه يوصف بهذه الصفات على ما يليق به جل وعلا، أي المتضمن في ضمن تلك الأسماء. وتسوية الخالق والمخلوق من الباطل، والله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فكيف يجعل أسماء الرب كأسماء المخلوقين؟ والله يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. فالواجب أن تجعل لله عز وجل كما جعلها لنفسه سبحانه، فهذا هو القول الحق الذي دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة. وفي الصحيح حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة». فجعل لله عز وجل تسعة وتسعين اسمًا. فالله له الأسماء الحسنى، يتصف بما فيها من صفات على ما يليق بالله جل وعلا وجلاله وعظمته. وحقيقة هؤلاء أنهم أرادوا تعطيل الرب جل وعلا من الأسماء والصفات، هذا حقيقة مذهب هؤلاء. وأما قوله: «ورحمة الله ورحمة الله الصلاة لدينا من القول بذلك إن شاء الله، والله التوفيق». ابتدأ بالكلام على القرآن؛ لأن حقيقة هؤلاء أنهم ينفون القرآن أنه كلام الله، وبعد ذلك ينفون كل الأسماء والصفات أن تكون لله جل وعلا. والقرآن كلام الله بنص الكتاب والسنة. أما نص الكتاب، فقول الله جل وعلا: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. فسمى القرآن كلام الله. وجاء وصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «ألا يبلغ الرجل يحمله إلى قومه، فأبلغ كلام ربي». فإن قومًا منعوا أن أبلغ كلام ربي. فسمى القرآن كلام الله جل وعلا، فهذا دليل الكتاب ودليل السنة. قال: «فأول ما نبدأ به أو ما نبدأ بالقول به من ذلك عندنا: قرآن كلام الله وتنزيله، كلام الله الآية». السابعة أو الحديث. وتنزيله أنه نزل به سبحانه وتعالى بجبريل من السماء الدنيا إلى الأرض، ونزله على حسب الوقائع على رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال سبحانه: ﴿تَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾. فالقرآن تنزيل من رب العالمين، أي من الله جل وعلا، نزل به الروح الأمين، وهو جبريل عليه السلام، على قلبك، أي على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بلسان عربي مبين. فهذا هو حقيقة القرآن. قال: «إن كان من معاني توحيده» أي أن كون القرآن كلام الله وتنزيله، هذا من معاني توحيد الرب جل وعلا؛ لأنه لو قيل أن القرآن ليس كلام الله، بل كلام جبريل، وكلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يكن في ذلك توحيد لله جل وعلا؛ لأن التوحيد يتعلق بإفراد الرب جل وعلا في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وجعله شيئًا من شرع الله جل وعلا وأمره ونهيه من غير الله جل وعلا، يناقض هذا التوحيد. يناقض هذا التوحيد. ولهذا يقول سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾. فعلم أن الدين كله من الله جل وعلا وحده، فكيف ينسب لجبريل عليه السلام -وهو مخلوق- أو ينسب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وهو مخلوق- والله عز وجل قد نسب هذا القرآن لنفسه، فقال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ﴾. تنزيل من رب العالمين، هو التنزيل من الله، لكن نزل به جبريل عليه السلام. قال: «فالصواب من القول بذلك أنه كلام الله غير مخلوق»، هذا هو الصواب: أنه كلام الله، ليس بمخلوق. ودليل ذلك من الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. ففرق بين الخلق وبين الأمر، والأمر الشرعي وهو القرآن، والأمر الكوني وهو قوله للشيء: «فيكون». فالأمر ليس بمخلوق، والخلق كله من المخلوق، فدل ذلك على أن القرآن ليس بمخلوق. وقد استدل الإمام أحمد رحمه الله بهذه الآية على أن القرآن ليس بمخلوق. وآتٍ استدل رحمه الله بأكثر من السنة، كثيرة من ينقل لنا دليلًا قريبًا. قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء المنزل: «أعوذ بكلمات الله التامات، أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». فقول: «أعوذ بكلمات الله التامات»، الاستعاذة لا تكون إلا بالله جل وعلا، وبشيء من صفاته. فعلم بهذا أن الكلمات، والتي منها القرآن، ليس بمخلوق، بل هو صفة للخالق، ليس مخلوقًا. فكلام الخالق صفة له، والخالق ليس مخلوقًا، فكذلك صفته ليس بمخلوق. وهكذا كما أن المخلوق مخلوق، فصفته مخلوقة. فكذلك الرب جل وعلا الخالق، ليس بمخلوق، وصفاته ليس بمخلوق. قال: «كيف كتب وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ» يعني يبقى الكلام منسوبًا لمن قاله ابتداء. فأنت إذا قلت: «إنما الأعمال بالنيات»، فهل يخرج ذلك عن كونه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ الجواب: لا، هو قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لو كتبته أو قرأته أو تكلمت به أو ألقيته على غيرك، فإنه لا يخرج عن كونه قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الكلام ينسب لمن قاله ابتداء. فكذلك كلام الله جل وعلا إذا تكلم به جبريل، فإنما ينسب إليه من باب التبليغ. وإذا تكلم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فينسب إليه من باب التبليغ. وهكذا قرأه القراء أو حفظه الحفاظ أو سمعه السامعون أو كتبه الكاتبون، وكل ذلك في السماء أو في الأرض، لا يخرج عن كونه كلام الله جل وعلا؛ لأن الكلام ينسب إلى من قاله ابتداء. وهذا معنى قوله: «السنة منه بدأ وإليه يعود» يعني ابتدأ كلامه من الله، ويعود إلى الله، صفته. فصفته تعود إلى الله جل وعلا، أو يرفع في آخر الزمان إلى الله جل وعلا. قال: «كيف كتب وحيث تلي، وفي أي موضع قرئ في السماء وجد، وفي الأرض حيث حفظ، باللوح المحفوظ كان مكتوبًا، وبألواح صبيان الكتاتيب مرسومًا، في حجر نقش أو في ورق خط أو في النوى خط، يعني في أي شيء خط، أو بالقلب حفظ، وبلسان اللفظ». أي كل ذلك عبارة عن كلام الله، لا يخرج عن كونه كلام الله؛ لأن الكلام يرجع إلى من قاله ابتداء.