الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 5، الدرس الخامس : ( 13 -فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح ... القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المؤلف مسألة القرآن وأنه كلام الله غير مخلوق، ويوضح أن القرآن يبقى كلام الله مهما قرأ أو حفظ أو كتب أو تلي. كما يتناول مسألة اللفظ بالقرآن وخلاف الناس فيها.
يشرح المقطع التفريق بين الفعل والمفعول في مسألة خلق القرآن، ويعتبر أن القراءة والكتابة والحفظ مخلوقة بينما المقروء والمكتوب والمحفوظ ليس بمخلوق. كما يذكر امتحان الأئمة بهذه المسألة وتأليف البخاري لكتاب "خلق أفعال العباد".
يناقش المقطع مسألة خلق القرآن مستشهدا بأقوال السلف، ويخلص إلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق وأنه صفة من صفات الله. كما يشرح معنى قولهم 'منه بدأ وإليه يعود' ويؤكد مذهب أهل السنة والجماعة في اتباع الكتاب والسنة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. فأخبر جل فناه أنه باللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسموع، وهو قرآن واحد من محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسموع، وباللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك وبالصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب مثبت كذلك. يبين المؤلف رحمه الله تعالى، لما منبسط العلامة الحافظ ابن جرير الطبري في هذه العقيدة، نسميها «صريح السنة»، مسألة القرآن، وأنه مهما قرأ أو حفظ أو كتب أو تلي، فإنه يرجع إلى من قاله ابتداء، فهو كلام الله جل وعلا، الله جل وعلا تكلم به، فكتب في اللوح المحفوظ، ثم أتى به جبريل عليه السلام إلى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فنقله رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم للناس، وهو شيء واحد. هؤلاء مبلغون عن الله عز وجل، فهو إن كتب فالمكتوب هو كلام الله، والمحفوظ هو كلام الله، فعاقد كذلك المقروء وغيره مما يكون، كما ذكر رحمه الله، هو كلام الله، يريد أن يؤكد هذا الأمر. وسيشير رحمه الله تعالى إلى أن هذا هو حقيقة القول في مسألة اللفظ. فإن مسألة اللفظ كان الناس فيها طرفان وخلاف، فإن من الناس، وهم أول من ابتدأ به، كما مر معنا، بعض المعتزلة ومن تلبس بقولهم، فجعلوا يقولون: لفظي بالقرآن مخلوق، ويريدون بهذا أن القرآن مخلوق، ولكن بهذه الشبهة. فكان بعد ذلك أن التزم أئمة كالإمام أحمد رحمه الله وغيره من الأئمة بأن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي، لأنه بهذا القول يقول بقول الجهمية، فهو القول بخلق القرآن، لأنه لفظ يراد به باطل. ومن قال: لفظي بالقرآن ليس بمخلوق، فهو مبتدع، لماذا مبتدع؟ هذا الطرف الثاني، لأنه إذا قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، فإن هذا اللفظ فيه معنيان اثنان: معنى هو كلام الله ليس بمخلوق، ومعنى هو فعل العبد وهو مخلوق. فكان الواجب التفصيل في ذلك، فلما قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، صار مبتدعا، لأنه وافق قوله قول القدرية النفاة الذين ينفون أن يكون أفعال العباد مخلوقة لله عز وجل. والصلح في ذلك أن القراءة التي هي الفعل مخلوقة، والمقروء الذي هو القرآن ليس بمخلوق، وهكذا الكتابة التي هي الفعل مخلوقة، والمكتوب الذي هو القرآن ليس بمخلوق، والحفظ الذي هو الفعل مخلوق، والمحفوظ الذي هو القرآن ليس بمخلوق. هذا هو القول الصواب الذي قالت به السنة، حتى ألف فيه الإمام البخاري رحمه الله كتابه المشهور «خلق أفعال العباد». وقد امتحن بهذه المسألة بعض أئمة السنة، من هؤلاء الإمام البخاري رحمه الله، وقد امتلي بهذه المسألة بلاء عظيما حتى اتهم بما ليس فيه، رحمه الله رحمة واسعة. فألف كتابه «خلق أفعال العباد». ومن هؤلاء الذين امتحنوا كذلك الإمام الحافظ محمد بن جرير الطبري رحمه الله، فقد جرى بينه وبين بعض الحنابلة شيء في بعض المسائل، ومنها هذه المسألة، وكان من أعظمهم نكاية به هو ابن أبي داود رحمه الله، وكلاهما من أهل السنة، ولكن نزغ الشيطان. فكان لذلك أن اتهم ابن جرير بما ليس فيه، حتى قال به ابن خزيمة رحمه الله: لو علمت الحنابلة علم ابن جرير لما تكلمت فيه، ابن جرير عالم زمانه، أو كما قال رحمه الله، فإنه من أكابر العلماء، ولكن لما تكلم بالحق في هذه المسألة، وكان له بعض الأفكار، أخذوا هذا الذي قال به فأشاعوا عنه أنه تكلم في مسألة اللفظ، وهو ليس كذلك، رحمه الله. قال جعفر: فمن عنده هنا صبر. وفي نسخة الشيخ عبد الله بن حميد قال: فمن روى علينا أو حكى عنا أو قال علينا، فادعى أن ذلك قولنا، أو ادعى علينا أن نقلنا غير ذلك، فعليه لعنة الله وغضبه، وغضب اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا قبل الله له منه صرفا. وفي نسخة دار الإفتاء: لا قبل الله منه صرفا ولا عدلا، وهتك ستره وفضحه على رؤوس الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار. فهو يبين في هذا الموضع أن هذا هو الذي يدين الله به في مسألة اللفظ، وأنه ليس من القدرية وليس من الجهمية، بل هو على طريقة أهل السنة والجماعة في هذه المسألة. فالقول أو القراءة مخلوقة التي هي الفعل، والمقروء ليس بمخلوق الذي هو القرآن، صفة الله جل وعلا. قال إمام الحافظ بن جرير رحمه الله تعالى بكتابه «صريح السنة»: حدثنا موسى بن سهل الرملي، قال: حدثنا موسى بن جابر، وهو الضبي من رواة مسلم، قال: حدثنا معبد، وهو ابن راشد، قال عنه الحافظ: مقبول، قال أبو عبد الرحمن عن نعيم بن عمار، وهو من رواة مسلم، أدركنا جعفر بن محمد رضي الله عنه، قال: قلت لجعفر بن محمد: إنهم يسألون عن القرآن مخلوق أو خالق؟ فقال: إنه ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله عز وجل. وهذا إسناد به بعض ضعف، معبد بن راشد، قرأ بالشام، ومعنى صحيح. وقد مر معنا الكلام على هذا، فإن القرآن ليس بمخلوق، لأن صفة الخالق ليست مخلوقة، ولا بخالق لأنه ليس بشيء منفصل حتى يجعل ذاتا، وإنما هو صفة لموصوف. ولو قيل إنه خالق لجعل أنه كالذوات، فأمر ينتهي وتتعلق به الأحكام، وليس الأمر كذلك، بل الله جل وعلا واحد سبحانه، وهذه صفات له: الكلام وغير ذلك من الصفات. وقد مر معنا دليل ذلك من الكتاب ومن السنة. قال رحمه الله: حدثني محمد المنصور الأدمي، قال: حدثنا الحكم بن محمد الأدمي أبو مروان، وهو الحكم بن محمد، ويقال: الحكم بن مروان، وصوابه الحكم بن محمد أبو مروان، قال: حدثنا ابن عيينة، قال: سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود. وهذا الأثر صحيح، عمرو بن دينار قد ذكره غير واحد من الرواة بالاعتقال، قد ذكره هو الإمام البخاري رحمه الله بكتاب «خلق أفعال العباد» محتجا به، وفيه نقل. فمشايخ عمرو بن دينار من الصحابة ومن كبار التابعين، فهو أدركهم سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود. فالقرآن كلام الله سبحانه، وقد مر معنا دليله. ومنه بدأ، أي أن الكلام تكلم به الرب جل وعلا أولا، ثم نقله جبريل عليه السلام، وهو كتب باللوح المحفوظ، وهو الذي نقل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقرأه، فقرأه قراء، وحفظه الحفاظ، وكتبه الكتاب، وسمعه السامعون، وتلقاه المتلقنون. فالكلام مع ذلك كله يرجع إلى من قاله ابتداء، أي هو كلام الله، منه بدأ، وإليه يعود، أي صفته. فالكلام يرجع إلى من قاله ابتداء، وقد مر معنا تفسير ذلك. وإليه يعود بتفسير آخر، وهو أنه وإليه يعود، أي يرفع يوم القيامة. فقبل يوم القيامة يرفع هذا القرآن من الأرض، وقد جاء معنا من حديث حديث عند ابن ماجه، فحسنه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى. فإذا وإليه يعود، أي حكمه وصفته، أو وإليه يعود، أي بمعنى يرفع، أنزله الله ثم يرفعه الله سبحانه وتعالى. وأورد المؤلف رحمه الله هذين الأثرين ليستدل بهما على ما قاله رحمه الله من المسائل في مسألة القرآن، وأنه كلام الله وليس مخلوقا. فأدلة أهل السنة الكتاب والسنة، وهو مذهب السلف الصالح، وهذا مذهب السلف الصالح في هذا الباب. وبهذا القدر نكتفي، والحمد لله رب العالمين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.