كتاب الصلح  2

كتاب الصلح 2

الدرس في كتاب الصلح 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

جواز الصلح في الدماء وتطبيقاته العملية

يشرح هذا الفصل جواز الصلح في الدماء حتى مع وجود الإنكار أو التفاوت في المال، مستندًا إلى أحداث تاريخية وحديث النبي صلى الله عليه وسلم. يشمل ذلك تفاصيل حول قصة اختصام بين كعب بن مالك وابن أبي حدرد.

شروط وأحكام الصلح في الإسلام

يتناول هذا الفصل شروط الصلح في الإسلام، حيث يجوز الصلح على دية القتل العمد والخطأ وفق شروط محددة، مع التأكيد على عدم جواز تجاوز الحدود الشرعية أو تحليل الحرام أو تحريم الحلال.

ضوابط الصلح في الشرع وختامه

يشرح هذا الفصل ضوابط الصلح في الشرع، حيث لا يجوز الصلح إذا خالف شرع الله، ويجب الحكم بما أنزل الله. كما يشير إلى انتهاء الحديث مع الدعاء للنبي محمد وآله وصحبه بالصلاة والسلام.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من مسائل تتعلق بكتاب الصلح. ومما ذكره رحمه الله أنه يجوز الصلح في الدماء، بعد أن علمنا أنه لا يجوز الصلح في شيء يحل حرامًا أو يحرم حلالًا. ومر معنا أنه يجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول. وقد نبه العلماء أنه لا يجوز مجهول بمجهول؛ لأنه مظنة للغرر والجهالة المنهية عنها، وهو مما يدخل في ماذا؟ الحرام. ثم ذكر رحمه الله جواز الصلح في الدماء، فقال رحمه الله تعالى: «ولو قبل ذلك». قال: «ولو عن إنكار». ولو عن إنكار قبل ذكر الدماء ذكر الإنكار هكذا في المثل. ومعنى «ولو عن إنكار» يعني: يجوز الصلح ولو في شيء حصل فيه الإنكار. فقد يكون الإنكار سببه النسيان أو الجحود، خصوصًا إذا كان أصل الشيء ثابت، ولكن القدر متنازع فيه. ويدل على ذلك ما جاء في قصة اختصام عقبة رضي الله عنه مع ابن حدرد كما تقدم معنا، أو عفوًا كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد رضي الله عنهم جميعًا. فإنهم اختصموا عند باب النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد أو قريبًا منه، قريبًا من بابه. فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم حين سمع أصواتهما، فأرشد كعب بن مالك أن يضع النصف -يعني صلحًا- يقبل من ابن أبي حدرد نصف الدين، فيوفي مقابل أن يتعجل. فاستدل العلماء بهذا أنه إذا وقع صلح في شيء حصل فيه شيء من الإنكار فإنه يجوز، وذلك بما يتفقان عليه. مثل هذه القصة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد كعب بن مالك أن يضع النصف، فيكون هذا صلحًا ووقع كذلك. ثم قال رحمه الله: «وعن الدم كالمال بأقل من الدية أو أكثر». وعن الدم يعني: يجوز الصلح في الدماء. أما فيما هو قتل عمد، فقد جاء فيه النص. وقد أشار إلى ذلك في الشرح في حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده، فيما رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وغيرهم، وله طرق يرتقي بها إلى الحسن. فهو وإن كان في إسناده علي بن زيد بن جدعان، إلا أن الحديث له طرق. وقد أشار إلى معنى ذلك وصححه أو حسنه العلامة الألباني رحمه الله في الإرواء وفي صحيح ابن ماجه. والحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية». وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة، وذلك عقل العمد -يعني بهذا الوصف- قال العلماء تأديبًا. وسيأتي معنا إن شاء الله في الكلام على الديات. قال: «وما صولحوا عليه فهو لهم». ومعنى إن قال لهم -مثلًا- أولياء القاتل: اعفوا عن صاحبنا، فأبوا، قالوا: نعطيكم الدية كاملة، فأبوا، فاصطلحوا على أن يزيدوهم فوق ذلك. فهنا بنص هذا الحديث يجوز. «وما صولحوا عليه فهو لهم»، حتى لو طلبوا عشرة أضعاف جاز -مثلًا- قالوا: صاحبكم قاتل قتل عمد، فلا نسمح حتى تدفعوا لنا عشرة أضعاف الدية، يجوز. الجواب: نعم يجوز لعموم الحديث «وما صولحوا عليه فهو لهم». وإن كان العفو -إن كان القاتل يستحق العفو- فهو الأفضل، وذلك بأن يكون قد تاب توبة صحيحة، يُعلم أن هذا خير له. ويستثنى من ذلك إذا كان القتل غيلة؛ لأنه بهذا يكون من الإفساد، فتعلق به حق آخر غير حق المقتول وأوليائه. ولهذا نص العلماء أن من قتل قتل غيلة يُقتل ولا يُعفى عنه، حتى لو عفى أولياء المقتول، حتى لو عفى أولياء المقتول؛ حتى لا يكون فساد في الأرض، سدًا لما قد يكون ذريعة لظهور الفساد في الأرض. فكل مفسد يقتل قتلًا عمدًا يكون قتله فيه إفساد، مثل قطاع الطريق -مثلًا- قاطع طريق قتلًا، فعفا أولياء المقتول، أو قال أولياء المقتول: سنعفو بشرط أن تدفعوا لنا ثلاثة أضعاف الدية. فهنا يقال: ليس لكم ذلك؛ لأن هذا من المفسدين في الأرض، حتى ولو أخذوا المال ولو أنفقوه، فهو يقتل لأجل إفساده. وما كان بمعنى ذلك. وأما العمد، فجاء فيه النص. وأما الخطأ، ففيه خلاف بين أهل العلم. والصحيح الذي رجحه الكثير من المحققين من أهل العلم، وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وتلميذه ابن القيم: أنه لا يجوز الصلح بمثله؛ إذ لا يجوز الصلح بأكثر من حق جنسه مما جاء معناه في الشرع. فالشرع جعل دية الخطأ شيء معلوم، فكون أولياء المقتول الذي قتل خطأ يطلبون أكثر، يقال لهم: ليس لكم ذلك. فأنتم ليس لكم إلا ما جاء في دية الخطأ. وهكذا مثله قيمة المتلفات. قيمة المتلفات إذا كان هناك شيء متلف له قيمة، فطلب أصحاب هذا المتلف شيء أكثر من ذلك وإلا فلن يعفوا ولن يسامحوا، فيقال لهم: ليس لكم ذلك. إنما لكم إن كان مثليًا فبمثله، وإن كان متقومًا فبقيمته. يعني: إذا كان له مثل، لكم المثل. أتلف عليك -مثلًا- سيارة، سيارة جديدة وصفها كذا، موديلها كذا، بجميع صفاتها لها مثل، فلهم مثل هذه السيارة. فإن طلبوا أكثر من ذلك، فيقال: ليس لكم ذلك، وهذا من الاعتداء. وإن كان ليس له مثل، كأن يكون متقومًا يقوم بقيمته، فيعطون القيمة. يعطون القيمة -مثلًا- عنده شيء من اللباس المصنوع الذي لا يصنع مثله في بلده، ولا يمكن أن يأتي بمثله، ولكن قيمته معلومة -يعني له حد أدنى وله حد أعلى- لهم أن يطلبوا الحد الأعلى ما دام وقيمة له. فلكن ليس لهم أن يطلبوا أكثر من ذلك، ليس لهم أن يطلبوا أكثر من ذلك. هذا هو الصحيح في هذه المسألة. ومما لا يجوز كذلك الصلح فيه -كما تقدم- الصلح في تحليل الحرام وتحريم الحلال. ومنه كذلك الصلح في الحدود. الصلح في الحدود الشرعية، فإنه لا يجوز التصالح فيه. فلو قال قائل: جعلنا في حد السرقة صلحًا في عرف قبيلتنا بأن يغرم كذا وكذا من المال، ويكون عليه عقوبة بفعل كذا وكذا. فيقال: هذا تبديل وتغيير لشرع الله، لا يجوز الصلح فيه؛ مخالفة لشرع الله عز وجل. ومن هذا الكثير من العوائد والأعراف والقوانين والأحكام التي يتعامل بها أهل البادية، ومن كان بمعنى هؤلاء من القبائل، فلهم من يسمى بالحكامة أو الحكم، وهم يصطلحون. وفي كل جهة عوائد وأحكام يصطلحون عليها وتكون كالقوانين. وهذا لا يجوز؛ فهو منابذ لشرع الله، حتى لو قالوا: هو من الصلح، ولا يمكننا أن نصلح بين الناس إلا بذلك. فيقال: لا يجوز الإصلاح بين الناس بما يخالف الشرع؛ لأن هذا من مخالفة الشرع، ومن التغيير والتبديل لشرع الله. والله سبحانه يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وبالآية الأخرى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وبالآية الأخرى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾. فلا يجوز مثل ذلك. ومثله كذلك لو كان بشرط فيه شيء من المخالفة لما جعل مثله في الشرع، فكذلك لا يقبل مثل ذلكم الشرط، ولا يكون الصلح في مثله. ومنه حديث عائشة في الصحيحين في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». وإن كان مئة شرط. والحديث فيه قصة معروفة حين أرادت عائشة رضي الله عنها أن تعين بريرة في عتقها، فذهبت إلى أوليائها، فقالوا: نشترط أن يكون الولاء لنا. وفي الشرع الولاء لمن أعتق، بل هو كذلك في العرف، فهم أبوا إلا ذلك. فلما أصروا على هذا، أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة أن ترضى حتى يمضي العتق. ثم قام عليه الصلاة والسلام في الناس، فقال: «من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مئة شرط». لماذا؟ لأنه ليس عليه عمل أهل الإسلام. «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد»، أي: مردود على صاحبه. وهكذا يقال مثله في أنواع من الصلح. أنواع من الصلح. ومما ينبه عليه كذلك في قضية الصلح عند الخصومة، ما إذا كان هناك خصومة في قبض شيء وعدم قبضه. إذا اختلف المتخاصمان في قبض شيء وعدم قبضه، فهنا الأصل بقاء ما كان على ما كان. الأصل بقاء ما كان على ما كان. فإن أقر أحدهما بالقبض، فالأصل أنه لم يرجع حتى يأتي ببينة. البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. فهنا في مثل هذا هذا هو الأصل. لكن العلماء فرقوا ما إذا كان هذا من أمناء تكون أعمالهم على وجه الإجارة والجعالة، أو كان ذلك على وجه الإحسان. فهنا ما على المحسنين من سبيل. ولذلك يقال: ليس له ما دام هو محسن، فليس عليه إلا اليمين. فيقال: عليك باليمين. وأما إذا كان بأجرة، فيقال: البينة. فيقال: البينة. لم يقبل قول هذا المستأجر إلا ببينة. وذلك على القاعدة التي سبقت في التفريق بين المتبرع المحسن وبين المستأجر. والغالب أن هذا يضطرد إلا القليل النادر. وهناك تفاصيل، لكن هذا أهم ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل الصلح مما يناسب هذا المختصر. وإلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبيه محمد وآله وصحبه وسلم.