الدرس في كتاب الصيام من الاختيارات الفقهية 8، الدرس الثامن:من( فصل:ويستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر للأخبار الصحيحة ... وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ورواية عن أحمد اختارها بعض أصحابنا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ويمكن اختيار الأيام البيض وهي ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، وهذا العمل يعتبر بمثابة صيام الدهر. يحصل بهذا الصيام أجر كبير ويكون كفارة لذنوب المسلم.
هناك ثلاث طرق لصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ويتميز صيام يوم عرفة بفضله الكبير حيث يكفر ذنوب سنتين. يُناقش المقطع آراء التابعين في صيام يوم عرفة عند عدم التأكد من رؤية الهلال.
يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من محرم، وقد وردت أحاديث تحث على صيامه، ويكفر صيامه السنة الماضية. هناك آراء مختلفة حول صيامه منفردا أو مع يوم آخر، حيث يرى البعض جواز صيامه وحده بينما يرى آخرون أنه يكره صيامه منفردا.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فصل، ويستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر للأخبار الصحيحة، وفي بعضها: هو كصوم الدهر. والمراد بذلك أن من فعل هذا حصل له أجر صيام الدهر من غير حصول المفسدة. هذا الفصل جعله رحمه الله تعالى في الكلام على مسائل الصيام، صيام التطوع، وما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مما اختلف فيه أهل العلم في ذلك، وبعضها مما لم يختلف فيه أهل العلم، ولكن ليبين رحمه الله بعض المعاني في بعض تلك السنن. ومر معنا في دروس سابقة أن أهل العلم يقسمون كتبهم إلى كتب وأبواب وفصول، وذلك يريدون به أولا تقسيم الكتاب بما يسهل في حفظه وترتيب مسائله، وكذلك تنشيط القارئ والمتعلم فيه، فهو بمثابة المراحل للمسافر. كما أنهم يقصدون بالكتاب ما هو بمعنى الجنس، أي الشيء المتناول للمسائل الأعم، وبالباب ما هو بمثابة النوع من هذا الجنس، بمثابة المسائل التي هي أجزاء من ذلك الباب، والفصل بمثابة الجزئيات الأصغر والفروع عن معنى ذلك الباب، فهو بمثابة أفراد النوع. فصل: ويستحب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، لأنه أول ما ابتدأ به النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر الأحاديث من صيام التطوع. ففي حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، حين علمه النبي صلى الله عليه وسلم وأرشده إلى الاقتصاد في العبادة والصيام على وجه الخصوص، أمره أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فهن صيام الدهر. قال: يا رسول الله، إني أطيق أفضل من ذلك، فلم يزل به النبي عليه الصلاة والسلام يزيده حتى قال له: صم يوما وأفطر يوما، فذاك صيام عبد الله داود أو نبي الله داود، وكان أعبد الناس. قال: يا رسول الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: لا أفضل من ذلك. وصيام ثلاثة أيام من كل شهر له ثلاث كيفيات: الكيفية الأولى أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولكن يعين الثلاثة البيض، يوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر، لما ثبت عند النسائي والترمذي وغيرهما بإسناد صحيح عن أبي ذر رضي الله عنه. وجاء معنا عن غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم هذا المعنى أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وعين لهم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر. وأما الكيفية الثانية في صيام الثلاثة البيض، فصيام يوم من كل عشر من الشهر، يعني إذا كان الشهر ثلاث أعشار أو ثلاث مرات من عشرة أيام، فهو يصوم في كل عشرة أيام يوما. وقد صح هذا المعنى في رواية لحديث عبد الله بن عمر في صحيح مسلم، أمره فيها النبي صلى الله عليه وسلم أن يصوم يوما ويترك تسعة. قال: صم ثلاثة أيام من كل شهر، صم يوما واترك تسعة، فأمره أن يفعل ذلك، فهو كذلك صيام الدهر. وصح من فعله عليه الصلاة والسلام هذا المعنى، أنه كان يصوم يوما من كل عشرة أيام، فهي كيفية أخرى. فمن تيسر له أن يصوم الثلاثة البيض فهو أمر حسن، ومن لم يتيسر له صيام الثلاثة البيض فلا يفوت على نفسه هذا الفضل والأجر، إن كان يريد أو كان يستمر على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، فليصوم من كل عشرة أيام يوما، وهذه كيفية ثانية في صيام ثلاثة أيام من كل شهر. والكيفية الثالثة أن يصوم ثلاثة أيام مطلقة من كل شهر، ولو ثلاثة أيام متتابعة في أول الشهر أو في آخر الشهر أو في أوسط الشهر، فهو يدخل في عموم أمر النبي عليه الصلاة والسلام الذي هو أمر ندب، وحثه عليه الصلاة والسلام على صيام ثلاثة أيام من كل شهر. قال رحمه الله تعالى: وصيام يوم عرفة كفارة سنتين، يعني من الأيام المستحبة صيام يوم عرفة، وهو يكفر سنتين، لما جاء في حديث أبي قتادة رضي الله عنه في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة، فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية». فلو غم هلال ذي الحجة أو شهد برؤيته من لا تقبل شهادته، إما لانفراده بالرؤية أو لكونه مما لا يجوز قبول قوله، ونحو ذلك، واستمر الحال على إكمال ذي القعدة، فصوم يوم التاسع الذي هو يوم عرفة من هذا الشهر المشكوك فيه جائز بلا نزاع. قلت: ولكن روى ابن أبي شيبة في كتابه عن النخعي في صوم يوم عرفة في الحضر إذا كان فيه اختلاف، فلا يصم، وعنه قال: كانوا لا يرون بصوم يوم عرفة بأسا إلا أن يتخوفوا أن يكون يوم الذبح. وروِي عن مسروق وغيره من التابعين مثل ذلك. وكلام هؤلاء قد يقال إنه محمول على كراهة التنزيه دون التحريم، والله أعلم. والسبب في ذلك أنه لم يرد حديث صحيح صريح يدل على النهي في هذا الموضع. قال رحمه الله: أما من شهد بهلال ذي الحجة ممن يثبت الشهر به، يعني بمثله أو بشهادته، قال: لكن لم يقبله الحاكم، إما لعذر ظاهر أو لتقصير في أمره. فصوم يوم عاشوراء كفارة سنة، ولا يكره إفراده. ولا يكره إفراده بالصوم. يوم عاشوراء هو يوم العاشر من محرم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم الحث على صيامه، كما في صحيح مسلم حديث قتادة، وأنه يكفر السنة الماضية. وكان النبي عليه الصلاة والسلام أمر بصيامه في أول الأمر على وجه الإلزام، وذلك حين علم أن اليهود تصومه لتنجية الله عز وجل لنبيه موسى عليه السلام، فأخبر أن هذه الأمة أولى بموسى من اليهود. وكما جاء في الأحاديث الكثيرة في ماروِي في صيام يوم عاشوراء. وقد جاء عن عدد من الصحابة أنه إنما أمرهم بصيامه منفردا. وكما قلنا: كان في أول الأمر على وجه الإلزام، فلما فرض رمضان، قال عليه الصلاة والسلام: «من شاء صامه ومن شاء تركه»، يعني ترك الإلزام فيه، كما صح في الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام. ولكن روِي كذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن عباس، وجاء كذلك معناه عن غيره، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع»، يعني مخالفة لليهود. فهنا اختلف أهل العلم: هل في هذا الحديث دليل على أن يوم عاشوراء لا يصام إلا بصيام يوم التاسع؟ من أهل العلمية من قال: يجوز أن يصام منفردا، لأنه صح أنه عليه السلام صام منفردا، وصام الصحابة كذلك. وقالوا: إن هذا أول مراتب صيام يوم عاشوراء، وثاني مراتبه أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده، وثالث مراتبه أن يصوم يوما قبله ويوما بعده. وكثير من أهل العلم أشار إلى هذا المعنى، نظرا لما روي من أحاديث في هذا الباب. فجعلوا ما جاء في حديث ابن عباس زيادة في الفضل، ولا يعني أنه لا يجوز أن يفرد يوم عاشوراء بالصيام. وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما جاء في حديث ابن عباس كالناسخ لما روي من أحاديث قبل ذلك، فصار بهذا عندهم أنه لا يفرد بصيام، مخالفة لليهود. خصوصا وأن الأمر بالمخالفة مما يعني مخالفة الكفار عموما، واليهود خصوصا، مما كثرت فيه الأدلة عن النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إن بعضهم جعل ذلك من معاني التحريم لحديث ابن عمر وغيره من تشبه بقوم فهو منهم. قال هنا رحمه الله: ومقتضى كلام أحمد أنه يكره، وهو قول ابن عباس ومالك وأبي حنيفة. والخلاصة في هذه المسألة أنه يقال فيها تفصيل: الأصل أنه يندر ويتعذر في الغالب حصول الشك في أمر يوم عرفة لما تقدم. فإذا قدر أن الشك وقع حقيقة، فالنهي ها هنا لم يرد فيه نص صريح، ولكنه قياسا على ما ورد في النهي عن صيام يوم الشك، ولما ورد كذلك من النهي عن صيام يوم الأضحى، فإنه يقال ها هنا: يكره صيام يوم عرفة إذا وقع فيه الشك وتحقق، لكن ليس كراهة التحريم، وإنما كراهة التنزيه. قال رحمه الله: وصيام يوم عاشوراء كفارة سنة، ولا يكره إفراده. إلى هنا والله تعالى أعلم.