التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام  11

التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 11

الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 11، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحريم الجماع في الصيام والحكمة منه

يُحرم الجماع في الصيام ويعتبر أعظم من الإفطار بالطعام والشراب، والحكمة من ذلك تتعلق بالآثار المترتبة عليه. يُشدد على أهمية الاقتصاد في العبادات.

أحكام الخارج من الإنسان أثناء الصيام

يناقش حكم الخارج من الإنسان أثناء الصيام مثل القيء والاستمناء والحجامة، ويشرح آراء أهل العلم في هذه المسائل وتفاصيل الأحكام.

أحكام الصيام والتراويح وأجرة الإمامة

يتناول أحكامًا متعلقة بالصيام وصلاة التراويح مثل الاعتماد على التقاويم وأجرة الإمامة وقضايا تتعلق بقضاء الصيام لمن نسي عدد الأيام.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى. تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الحادي عشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إهد إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذا هو المجلس الحادي عشر من مجالسنا ودروسنا في التعليق على حقيقة الصيام، رسالة حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، مع ما يتيسر المرور والوقوف عليه من تعليقات شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله رحمة واسعة. وكان آخر ما وقفنا عليه ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في أمر إشارته إلى الإفطار بالجماع، وأنه أعظم من الإفطار بالطعام والشراب. قال رحمه الله تعالى: فإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والغذاء يبسط الدم الذي هو مجاريه -يعني يوسعه- فإذا أكل أو شرب، صَدَتْ نفسه إلى الشهوات، وضعفت إرادتها ومحبتها للعبادات. فهذا المعنى في الجماع أبلغ. تقدم الكلام على هذا. قال: فإنه يبسط إرادة النفس للشهوات، ويعوق إرادتها عن العبادات أعظم -يعني أعظم مما يكون بالطعام والشراب- قال: بل الجماع وغاية الشهوات، شهوته أعظم من شهوة الطعام والشراب. ولهذا أوجب على المجامع كفارة الظهار، فوجب عليه العتق أو ما يقوم مقامه بالسنة والإجماع؛ لأن هذا أغلب، وداعيه أقوى، والمفسدة به أشد. فهذا أعظم الحِكَمين بتحريم الجماع، يشير أنه أعظم بالمنع والتحريم للصائم من الطعام والشراب. فكذلك المسلم يحرص على أن يحتسب هذه العبادة، إذا وضعها في الحلال فهو يتركها لله عز وجل -أي المباح- فيحتسب بذلك الأجر، فيصير محل ثواب. كما أن المباح في وقت إباحته إذا احتسبه، كان له فيه الثواب. فكذلك إذا تركه في وقت تركه، واحتسب ذلك لله، أثيب عليه، خصوصًا إذا قصد به أن يعينه ذلك على أداء العبادات والطاعات التي رغب بها الشرع في مثل هذه الأيام الفاضلة. وأشار شيخنا، رحمه الله، في التعليق إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «وفي بضع أحدكم صدقة». الحديث. كما أشار إليه، والمقصود من هذا أن الإنسان يراعي احتساب النية بما يكون له الأجر في عمله. وكذلك أشار رحمه الله أن الإنسان لا ينبغي له الانغماس في الشهوات؛ لأنه سبب للغفلة عن العبادات. واستدل بقول الله عز وجل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم:59]، واتباع الشهوات سبب لإضاعة الصلوات. فكذلك في مواسم الخيرات ينبغي أن لا ينشغل بالشهوات ولو كانت مباحة، بما يصرفه عن الطاعات. قال رحمه الله تعالى: وأما كونه يضعف البدن كالاستفراغ، فذلك حكمة أخرى. وصار فيه ما كالأكل والحيض -يعني أكل يقوم معنى الشهوة فيه، والحيض معنى الاستفراغ- كما تقدم معنا في أول كلامه، رحمه الله. قال: وهو في ذلك أبلغ منهما -يعني الجماع أبلغ من الأكل- فالشهوة به أعظم من شهوة الطعام، وأبلغ من الحيض؛ لأن الاستفراغ منه أعظم من استفراغ دم الحيض. ولهذا كان سببًا للإفطار. وتقدم معنا أن الأصل هو الدليل، والتعليل يؤكد ويؤيد هذا الدليل. قال: فكان إفساده الصوم أعظم من إفساد الأكل والحيض؛ لأنه أعظم منهما، كما تقدم. قال: فنذكر حكمة الحيض وجريان ذلك على وفق القياس. فنقول: إن الشرع جاء بالعدل في كل شيء. والإسراف بالعبادات من الجور الذي نهى عنه الشارع، وأمر بالاقتصاد في العبادات. ولهذا أمر بتعجيل الفطر وتأخير السحور، ونهى عن الوصال. فهذه أمثلة جاء الشرع بها، تأكيدًا على ما أشار إليه من أمر الاقتصاد بالعبادات وعدم الجور فيها. عجل بالفطر، وأخر السحور، وهذا فيه البقاء على المباح. ونهى عن الوصال كذلك، كل هذا حتى لا يسرف في العبادات، بل يقتصد فيها. قال: وقال: أفضل الصيام وأعدل الصيام صيام داود عليه السلام، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا. ولا يفر إذا لاقى. ويشير إلى حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين. وجاء عدده من الصحابة حينئذ. والحديث فيه قصة، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتصد في صيامه وفي صلاته. فأمره في آخر الأمر أنه يصوم يومًا ويفطر يومًا، وأنه لا أفضل من ذلك. وكان صيام عبد الله -نبي الله- داود عليه الصلاة والسلام، وكان أعبد الناس. قال رحمه الله: فالعدل في العبادات من أكبر مقاصد الشارع. لهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة:87] الآية. فجعل تحريم الحلال من الاعتداء المخالف للعدل. وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:160]، ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء:161]، قال: فلما كانوا ظالمين، عوقبوا بأن حرمت عليهم الطيبات. بخلاف الأمة الوسط العدل، فإنه أحل لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث؛ لأنهم لم يعتدوا. ولهذا وسع الله عز وجل عليهم في المباحات، وأكرمهم بأنواع العبادات والطاعات. قال رحمه الله: وإذا كان كذلك، فالصائم قد نهي عن أخذ ما يقويه ويغذيه من الطعام والشراب، فينهى عن إخراج ما يضعفه ويخرج مادته التي بها يتغذى. وإلا فإذا مكن من هذا، ضره، وكان متعديًا في عبادته، لا عادلا. يعني يشير رحمه الله أنه لما كان الحفاظ على الطعام والشراب سبب بقوة الجسد التي تعين هذا الجسد على أداء ما يحبه الله في الصيام، جاء النهي في الشرع عن ذلك. قال رحمه الله: والخارجات نوعان: نوع يخرج لا يقدر على الاحتراز منه، أي الإنسان. أو لا يقدر -بضمير الغائب- قال: أو على وجه لا يضره، فهذا لا يمنع منه. كالأخبثين، فإن خروجه مما لا يضره، بل بقاؤه مما يضره. قال: ولا يمكنه الاحتراز منه أيضًا -يعني لا يمكن الإنسان يمتنع منه- لأن امتناعه منه ضر. قال: ولو استدعى خروجهما، فإن خروجهما لا يضره، بل ينفعه. يعني هذا المثال الأول في الخارج الذي لا يقدر الإنسان على الاحتراز منه، وهو إذا خرج لا يضر هذا الإنسان. فلذلك لم يكن مُخطرًا من المخطرات. قال: وكذلك إذا درأه القيء -لا يمكن الاحتراز منه- وكذلك الاحتلام في المنام لا يمكن الاحتراز منه. هذا مثال ثاني ومثال ثالث. القيد: درأه -أي أقبل عليه من دون أن يطلبه ويستدعيه- فإنه لا يفطر به. ولكن إذا استقاء فإنه يفطر على أحد أقوال أهل العلم في المسألة. وقد رويت فيه أحاديث، يحسنها بعض أهل العلم، ويضعفها بعضهم. حديث أبي هريرة المتقدم، سبقت الإشارة إليه. قال رحمه الله: وأما إذا استقاء، فالقيء يخرج ما يتغذى به من الطعام والشراب المستحيل في المعدة. وكذلك الاستمناء، مع ما فيه من الشهوة، فهو يخرج المني الذي هو مستحيل في المعدة عن الدم، فهو يخرج الدم الذي يتغذى به. ولهذا كان خروج المني إذا أفرط فيه، يضر الإنسان، ويخرج أحمر. يعني هذا خارج آخر، أخرجه على وجه العمد، وهو مما يتغذى به الإنسان، وخروجه يضر الإنسان. سواء ضررًا حسيا كالطعام والشراب، أو ضررًا معنويا كالاستمناء. قال رحمه الله: والدم الذي يخرج بالحيض، فيه خروج الدم. والحائض يمكنها أن تصوم في غير أوقات الدم، في حال لا يخرج فيها دمها. فكان صومها في تلك الحال صومًا معتدلًا، لا يخرج فيه الدم الذي يقوى به البدن، الذي هو مادته. وصومها في الحيض يجب أن يخرج فيه دمها الذي هو مادتها، ويجب نقصان بدنها وضعفها، وخروج صومها عن الاعتدال. فأمرت أن تصوم في غير أوقات الحيض. بخلاف المستحاضة، فإن الاستحاضة تعم أوقات الزمان، وليس لها وقت تؤمر فيه بالصوم. وكان ذلك لا يمكن الاحتراز منه، كذر القيء، وخروج الدم بالجراح والدمامل والاحتلام ونحو ذلك، مما ليس له وقت محدد يمكن الاحتراز منه. فلم يجعل هذا منافيًا للصوم، كدم الحيض. قال رحمه الله تعالى: وطرد هذا إخراج الدم بالحجامة والفصاد ونحو ذلك. فإن العلماء متنازعون في الحجامة: هل تفطر الصائم أم لا؟ والأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول: «أفطر الحاجم والمحجوم» كثيرة، قد بينها إمامة الحفاظ. وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم. وكان منهم من لا يحتجم إلا بالليل. وكان أهل البصر إذا دخل شهر رمضان، أغلقوا حوانيت الحجامين. والقول بأن الحجامة تفطر، مذهب أكثر فقهاء الحديث، كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهم. وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به، أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. انتقل الآن إلى الكلام على الحجامة، تبعًا لكلامه على الخارج من الإنسان. فنوع لا يقدر الإنسان على الاحتراز منه، ونوع يقدر الإنسان على الاحتراز منه، على ما تقدم. والحجامة تلحق بهذا التفصيل؛ لأن خروج دم الحجامة مما يمكن الاحتراز منه، وبقاء الدم صحة وقوة للصائم، وخصوصًا أنه يستطيع أن يحتجم في غير النهار. فإذن: هل يصح أن نقول: أنه من جهة التعليل ينحق بالقيء؟ فما خرج بغير عمد، كما ذكر من الدمامل والجراح، دم يخرج من الجراح والدمامل، هذا مثله مثل من درأه القيء. وأما من أخرج الدم بالعمد، مثله مثل من استقاء. هذا من جهة التعليل. ثم من جهة الدليل، كما أشار حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهو حديث حسن بمجموع طرقه، فقد روي عن عدد من الصحابة، منهم ثوبان وشداد بن أوس، وجماعة من الصحابة، رضي الله عنهم أرضاهم. ثم أشار رحمه الله إلى الخلاف في المسألة، فذكر الحجامة وألحق معها الفصاد. وقد ذكر هذا المعنى في بعض كتبه الأخرى؛ لأنه أخذ بهذا التعليل، ألحق بالحجامة كل معنى فيه إخراج الدم بالعمد، سواء بالفصاد أو التشريط أو غيره. قال رحمه الله: والقول بأن الحجامة تفطر الصائم، هو قول أحمد بن حنبل، وجماعة من أهل الحديث. وذكر بعضًا منهم، رحمه الله رحمة واسعة. وهذا القول -وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله- هو المشهور من قول الحنابلة، الذين خالفوا الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية، الذين قالوا: إن الحجامة لا تفسد الصيام. وكل استدل بأدلة. فإذا أشهر القولين: القول الأول: قول جمهور أهل العلم، وقول ثاني -ما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- أنه لا يفسد الصيام. قول الجمهور: القول الثاني: أنه يفسد الصيام، وهو قول جماعة من أهل الحديث. ذكر منهم أحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر، وجماعة. وهو قول بعض الصحابة، كما تقدم معنا. منهم ما جاء عن أبي هريرة وعائشة، رضي الله عنهما. وكذلك روي عن جماعة آخرين، بعضها أسانيد تصح، وبعضها أسانيد تلك الروايات لا تصح. فالشاهد: المسألة فيها خلاف كبير وكثير بين أهل العلم. فالقول بأحد القولين ليس يبطل القول الآخر، ولا يمكن. فهو مما يسع فيه الخلاف، وينبغي أن يتأدب المختلفون بأدب الخلاف في مثل هذه المسائل التي وقع فيها الخلاف وكثر، كحال هذه المسألة والأقوال المروية فيها. قال شيخنا، رحمه الله، في تعليقه على كلام شيخ الإسلام: وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به، أخص الناس باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. فأشار شيخنا رحمه الله بهذه الفائدة اللطيفة الجميلة، التي مفادها أن الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم كان لأهل الحديث الذين اتصفوا بهذه الصفات الثلاث التي أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وبهذا هم أولى بالراجح؛ لكونهم أخص الناس معرفة ودراية بالنبي صلى الله عليه وسلم. هذه الصفات الثلاثة التي هي شروط لمن أردنا أن نجعله من أهل الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم: الأول: أنه من أهل الحديث -أي العارفين العاملين به- والتأكيد لهذا الشرط، قال: الفقهاء فيه -يعني الذين علموا الحديث وفقه ما فيه من مسائل- ولهذا جاء في الحديث: «رب حامل فقه لمن هو أفقه منه». إذن: ليس كل صاحب حديث أولى بالحق، بل صاحب حديث عنده عناية بالفقه. الشرط الثاني: العاملون به -أي الذين عرف عنهم الحرص على العمل بالعلم والعمل بالحديث- وهذا هو الغالب. لكن لا يمنع أن يكون صاحب الحديث من عنده هذه الصفات الثلاث، قد يخطئ أحيانًا؛ لأن المسألة مما يسع فيها الخلاف، إذا كانت مسألة اجتهادية، والدليل فيها ليس ظاهرًا. فالفقه فيه كذلك قد لا يظهر لهذا العالم أو ذاك. سؤال: ما حكم الإمساك والإفطار على التقاويم المشهورة التي في الجوالات وفي الأوراق في المساجد وغيرها؟ الجواب: هذه التقاويم منها ما هو صواب، ومنها ما هو فيه خطأ. فلذلك عليك أن تسأل أهل العلم الخبرة والمعرفة بأقرب هذه التقاويم إلى الصواب. وأنت من خلال أيامك الماضية قبل شهر رمضان، تستطيع أن تعرف ذلك. فما وافق فيها الصواب، وتستطيع أن تعرفه في الشروق والغروب. فإذا ضبط في الشروق والغروب، فهو في الغالب مضبوط في غيره. ما لم يكن هناك عمل بالاحتياط في رمضان في حال بعض التقاويم، فهذا خطأ وقت الأفطار، وقت الإمساك، ووقت أذان الفجر، بينهما فرق. هذا خطأ. فإذا ثبت أن التقاويم صحيحة، فلا بأس أن تعمل بها. والغالب أنها إذا كانت بالطرق الصحيحة، لا تكاد تختلف إلا شيئًا يسيرًا، لا يزيد عن ثلاثة دقائق. ولاحظنا أن بعض التقاويم يحصل فيها خطأ قدر ثلاثة دقائق فقط. أما ما يفعله بعض الإخوة، يبالغون في استعجالهم في الفطر، وتأخيرهم في الإمساك، حتى ينتظرون ظهور ضوء الفجر الذي هو حقيقة ابتداء ضوء النهار. فهذا ليس بصحيح، بل هو قول شاذ، قاله بعض أهل الحديث، كما روي عن الأعمش وغيره. وقال به بعض مشايخنا المعاصرين، وهو خلاف الصواب. فالصواب الذي عليه عمل أمتنا ومشايخنا سلفًا وخلفًا: أن الفجر الصادق لا يكون معه انتشار الضوء الواضح، إنما يظهر ضوءًا في جهة الشروق، يبدأ كالرأس الصغيرة، ثم ينتشر معترضًا في الأفق، ليس في كل السماء. إذا انتشر في كل السماء، هذا معناه أن الفجر قد ظهر قبل ذلك بكثير. معناه أن الفجر ظهر قبل ذلك بكثير. فننتبه لهذا، لا إفراط ولا تفريط. سؤال: ما حكم أخذ الأجرة على الإمامة في صلاة التراويح، أو بياء فيمن يأتم بالناس في رمضان؟ وكذلك ما حكم أخذ الأجرة على الوظائف الدينية؟ الجواب: هذا خلاف بين أهل العلم. الصحيح أنه لا يجوز الاشتراط في الطاعات والقربات بالأجرة. ولكن لا يعني ذلك عدم أخذ الأجرة، بل تؤخذ الأجرة؛ لأنها تعين على التفرغ في أداء هذه العبادات، خصوصًا إذا كان يحتاجها الناس، ولا أحد يقوم بها. فمثلًا: لو لم يعن المؤذنون ولا الأئمة والخطباء والدعاة، وهذا الذي ينبغي أن يكون من بيت المال، لذهب هؤلاء للقيام بشؤونهم التي يحتاجونها، فهم عندهم أسر ويحتاجون. فإذا توجهوا إلى ما يحتاجون بالأعمال الأخرى، من يغطي هذا، وهم أهل الكفاءة فيها؟ إذا تعطلت هذه المصالح، لهذا يعطون من بيت المال، هذا هو الأصل. ولكن ليس من الأدب مع الله، ولا مع دين الله، المشارطة في مثل هذا. كما أنه ينبغي أن يكرم هؤلاء بما يغنيهم، أو يغني مثلهم. ولنا عبرة بقصة أبي بكر حين تولى الخلافة -وهي في الصحيح- رضي الله عنه أرضاه. فإنه مسلم من المسلمين، يحتاج كما يحتاج أهل الإسلام، في النفقة على أسرهم وأنفسهم. ولكن كان هذا يأخذ من وقته، رضي الله عنه، في القيام بأمور المسلمين. فأشار إليه عمر، رضي الله عنه، أنه ينبغي أن يتفرغ لأمور المسلمين، وأن يعان على أموره الخاصة بما يأتي له من بيت مال المسلمين. فهذا هو العدل في هذه المسألة. لا يشارط، ولا يحرم ما يحتاجه. فإذا لم يناسبه، لا بأس. ما شارط، لكن أعطوه أقل مما يحتاج. يقول لهم: أنا أعتذر، أنا هذا ما يكفي، سامحوني. سأذهب أعمل، أو سأذهب مكان آخر، وعِدُوني بشيء أفضل، أستطيع الاكتفاء به، لا حرج في هذا. لكن لا يشارط، إكرامًا للعلم الذي يحمل، والقرآن الذي يحمل، لا يشارط في هذا الباب. سؤال: امرأة أضعفها الرضاع، فأفطرت عددًا من الأيام، ثم نسيت عدد هذه الأيام، كيف تفعل؟ الجواب: تأخذ بما غلب على ظنها أنه اليقين، فتبني على ما يغلب على الظن أنه اليقين. فما غلب على ظنها أنه اليقين، عملت به، وأخذت بالاحتياط الذي ليس فيه غلو ولا تنطع ولا وسوسة. فالقاعدة الشرعية في هذا الباب هي هذا. في حديث أبي سعيد في الصحيح، في الرجل إذا شك في صلاته: أصلى ثلاثًا أو أربعًا؟ قال: «فليجعلها ثلاثًا». فدل هذا على أن المسلم يأخذ بما يظن ويغلب على الظن أنه اليقين. فهنا اليقين ثلاث، إذن يبني على الثلاث. وهكذا. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. جزاكم الله خيرًا.