التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام  13

التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 13

الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح حقيقة الصيام وبيان حكم الحجامة للصائم

يتناول الشيخ شرح كتاب 'حقيقة الصيام' لابن تيمية مع تعليقات العثيمين، مركزًا على حكم الحجامة للصائم ويثبت عدم صحة بعض الأحاديث المتعلقة بها. يوضح أن الراجح هو الأخذ بأحاديث الرخصة في الحجامة.

تفصيل حكم الصيام في السفر وتحليل أحاديث الحجامة

يناقش المقطع حكم الصيام في السفر ويستعرض آراء العلماء حول التفصيل في هذه المسألة، ويتناول تحليل أحاديث 'أفطر الحاجم والمحجوم' ويؤكد صحة ورودها في عام الفتح.

الرد على من ادعى نسخ حديث الحجامة وتحليل رواياته

يناقش المقطع آراء العلماء حول تعارض الروايات في مسألة الحجامة للصائم، ويرد على من ادعى نسخ حديث 'أفطر الحاجم والمحجوم' بحديث ابن عباس، ويستدل على صحة حديث ابن عباس بشواهده.

مناقشة حديث أنس بن مالك وتوضيح دلالته على الرخصة

يناقش المقطع صحة حديث أنس بن مالك في الحجامة للصائم وترخيص النبي، صلى الله عليه وسلم، فيها، ويوضح دلالة الحديث على الرخصة في الحجامة للصائم.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى. تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث عشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو درسنا الثالث عشر من القراءة والتعليق على كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، "حقيقة الصيام". وما يلحق به مما يتيسر الوقوف عليه من تعليقات شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، على هذه الرسالة النافعة الماتعة. وآخر ما مر معنا في الدرس الماضي ما أشار إليه الشيخ ابن تيمية، رحمه الله، في مسألة الحجامة. وكان كلامه على رواية بعض ما جاء في أمر حجامة، أنهما كان يغتابان وأنهما أفطرا بسبب ذلك. وسبق معنا تعليق شيخنا ابن محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله، وأن هذا أولًا من حيث الرواية، الحديث لا يصح. ثم كذلك تكلف مثل هذا المعنى ليس بصحيح. فالحديث كما مر معنا ضعيف، أي ذكر الحجامة وأنها أفطرت صاحبهما بسبب الغيبة. فالذكر الحفاظ تتمة لما وقفنا عليه، أن هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة، ولم يصح بهذا اللفظ، أي ذكر الغيبة في لفظ الحجامة. وقد جاء من حديث سمرة بن جندب، رضي الله عنه، رواه البيهقي في "الشعب" وغيره، وهو ضعيف. وفيه غياث بن إبراهيم الكوفي، مجهول. وقد ذكر الضعفاء، كما ذكره الدارقطني وغيره. كذلك رواية من حديث ابن عباس بمعنى أثره، البيهقي في "الشعب" كذلك، والخرائطي في "مساويء الأخلاق"، والعقيلي في "الضعفاء". وفيه المثنى بن بكر، متروك. كما أن فيه انقطاعًا وعللًا أخرى، فهو لا يصح. ورواية من حديث ثوبان، رواه كذلك البيهقي في "الشعب"، وهي رواية باطلة. وفيه خطأ، فقد جاء من طريق يزيد بن ربيعة الرحبي، قال النسائي: متروك، وضعفه غير واحد. الحاصل، لا يصح ذكر الغيبة في حديث الحجامة. ثم تأويله بهذا التأويل، تأويل غير صحيح. لأن الغيبة، على تقدير صحة الحديث، الغيبة لا تفطر، وإنما تنقص الأجر. فالحاصل، لا حاجة للاستدلال والكلام وإطالة البحث في هذا الحديث، والاستدل، لأنه حديث لا يصح بوجه من الوجود. طيب، قال المؤلف، رحمه الله تعالى: وأجود ما قيل ما ذكره الشافعي وغيره، أن هذا منسوخ. وإن هذا القول كان في رمضان، واحتجم، وهو محرم. كان بعد ذلك. لأن الإحرام بعد رمضان. وهذا أيضًا ضعيف، بل هو صلوات الله عليه، أحرم سنة ست، عام الحديبية، بعمرة في ذي القعدة. وأحرم من العام القابل، بعمرة القضية في ذي القعدة. وأحرم من العام الثالث، سنة الفتح، من الجعرانة في ذي القعدة، بعمرة. وأحرم سنة عشر، بحجة الوداع في ذي القعدة. فاحتجامه، صلى الله عليه وسلم، ومحرمًا صائمًا، لم يبين في أي الإحرامات كان. والمعنى أن شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، يريد أن يبين أنه لا دليل على القول بنسخ أحاديث "أفطر الحاجم والمحجوم" بأحاديث الرخصة في الحجامة. وسيأتي معنا إن شاء الله، الكلام على هذا. وأن الراجح، لو قيل بالنسخ، أننا نأخذ بأحاديث الرخصة في الحجامة. لحديث ابن عباس الذي تقدم في البخاري وغيره، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، احتجم وهو محرم صائم. في رواية: وهو محرم، وهو صائم. وأشار الترمذي، رحمه الله، في سننه، أن هذا كان عام حجة الوداع. لأنه لم يعلم عن ابن عباس أنه رافق النبي، صلى الله عليه وسلم، في عمرة، أي النبي، صلى الله عليه وسلم، محرمًا إلا في حجة الوداع. وقال هذا غير واحد من الحفاظ. فدل على أن الرخصة بالحجامة متأخرة. إضافة لحديث أبي سعيد، وهو صحيح، رواه النسائي، وابن حبان، وصححه العلامة الألباني في "الإرواء" في المجلد الرابع، أن النبي، صلى الله عليه وسلم، أرخص في الحجامة. والرخصة لا تكون إلا من ممنوع. فدل هذا على أن أحاديث المنع في الحجامة "أفطر الحاجم والمحجوم" منسوخة. كذلك يؤيد حديث أنس، وسأتي إن شاء الله معنا. وفيه كذلك بمعنى ما في حديث أبي سعيد، من الرخصة في الحجامة. قال، رحمه الله: قال، وإنما يمكن دعوى النسخ بشرطين. أحدهما: أن يكون ذلك في حجة الوداع، أو في عمرة الجعرانة. فإن قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" فإنه كان في غزوة الفتح. وهذا من إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله. ويدل على تبحره وسعة علمه، رحمه الله. ما ذكره، صحيح. أن النبي، صلى الله عليه وسلم، لم يعلم عنه أنه أحرم إلا في هذه المواضع الأربعة، بذي القعدة. في الحديبية، حين منعه المشركون، ثم العام القابل في عمرة القضية، أو سمى "عمرة القضاء" كذلك، بذي القعدة. وهكذا كذلك في سنة الفتح، كان من الجعرانة، كذلك بذي القعدة. فهذه ثلاث عمرات للنبي، صلى الله عليه وسلم، اعتمرها في ذي القعدة. كذلك أحرم في الحج، في حجة الوداع، وكان كذلك في ذي القعدة. وقد خرج عليه الصلاة والسلام لأربع بقين من ذي القعدة، ووصل إلى مكة لأربع مضين من ذي الحجة. يعني خرج في السادس والعشرين من ذي القعدة، ووصل إلى مكة في الرابع من ذي الحجة. قال، رحمه الله: هنا يمكننا أن نقول بالنسخ، بشرطين. إما أن يكون ذلك في حجة الوداع. لأن حجة الوداع كانت بعد عام الفتح. قال: أو في عمرة الجعرانة، يعني حين رجعوا من الفتح. قال، رحمه الله: فإن قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" فيه أنه كان في غزوة الفتح. مر معنا، وسيأتي إن شاء الله، أنه جاء في أحد الروايات أنه كان في عام الفتح. قال: فلعل احتجامه كان في عمرته قبل هذا، إما عمرة القضية، وإما عمرة الحديبية. يعني يشير، رحمه الله، أن "أفطر الحاجم والمحجوم" هو المتأخر. وأن الرخصة في الحجامة هو المتقدم. فيكون أحاديث "أفطر الحاجم والمحجوم" ناسخة لأحاديث الرخصة في الحجامة. ولقاعدة أخرى، أن الحاظر مقدم على المبيح. والحاظر هنا هو الإفطار. ولكن كما تقدم معنا، أن أحاديث الرخصة، الرخصة أصرح وأقوى. وكذلك من جهة معنى حديث "أفطر الحاجم والمحجوم"، دخله التخصيص في قول من قال بالإفطار. فإنهم يقولون بفطر المحجوم دون الحاجم، يجعلون قيدًا للحاجم. فلزمهم أن يضعوا قيدًا كذلك للمحجوم. وسيأتي معنا إن شاء الله، أن أحاديث الرخصة متأخرة، هذا هو الصواب. قال، رحمه الله: الثاني: أن يعلم أنه لما احتجم لم يفطر. وليس في هذا الحديث ما يدل على هذا. يعني حديث ابن عباس "احتجم النبي، صلى الله عليه وسلم، وهو صائم، وهو محرم" ليس فيه أنه أفطر أو لم يفطر. لكن كما تقدم معنا، ظاهر إيراد الحديث يدل على أنه لم يفطر. لأنه لو أفطر لذكره. وثانيًا، لأنه جاء في حديث أبي سعيد، وحديث أنس، ما يدل على هذا المعنى. وهو أن الحجامة حكمها بالنسبة للصائم منسوخة. لأن الرخصة لا تكون إلا من ممنوع. قال، رحمه الله: وذلك الصوم لم يكن شهر رمضان. فإنه لم يحرم في شهر رمضان. وإنما كان في السفر. والصوم في السفر لم يكن واجبًا. بل الذي ثبت عنه بالصحيح، أن الفطر في السفر كان آخر الأمرين منه. يعني أنه الأفضل. والصحيح في مسألة الفطر في السفر، التفصيل. اختلف العلماء، الصحيح التفصيل. الأصل هو أنه رخصة، يستحب أخذ رخصة الرب سبحانه وتعالى في السفر. إلا لمن قوي ونشط، فإنه لا حرج عليه. وعلى هذا يحمل فعل النبي، صلى الله عليه وسلم، بصيامه، وبصيام بعض أصحابه في السفر. لأنه أعجل في أداء الواجب، وإدراك الفضل. مع ما لا يعارض. أما إذا عارضه غيره مما هو أولى منه، فهو مكروه. وعلى هذا يحمل حديث "ليس من البر الصيام في السفر". لأن سببه أن النبي، صلى الله عليه وسلم، جاء إلى رجل قد ضلل عليه بما أصابه من صيامه في سفره. فإذا كان الأمر كذلك، فهو مكروه. لأنه يشغل نفسه، ويشغل غيره بتعبه بصيامه. فلهذا يكره في حق من هذا حاله. وإذا كان يمنع من واجب، أو يوقع في محرم، فهو محرم. ولهذا قال النبي، صلى الله عليه وسلم، للصحابة في عام الفتح، وكانوا خرجوا في أواخر رمضان، وهم صيام، فأمرهم النبي، صلى الله عليه وسلم، بالفطر. ليتقووا على القتال. فلما بلغه أن بعضهم ما زال صائمًا، حيث ظنوا أن الأمر ليس على وجه الجزم، قال عليه الصلاة والسلام: "أولئك العصاة، أولئك العصاة". فعلم أنه إذا عارض واجبًا، أو أدى الصيام إلى وقوع في محرم، فإنه يحرم. هذا هو الصحيح، والتفصيل في مسألة السفر. والله أعلم. قال، رحمه الله تعالى: وأنه خرج عام الفتح، حتى إذا بقى كذا، أفطر. والناس ينظرون إليه. ولم يعرف بعد هذا أنه صام في سفر، ولا علمنا أنه صام في إحرامه بالحج. وقد علمنا أنه في عام الفتح، حين أمرهم بالفطر. لأنه رأى ضعف أصحابه. فعارض الصيام في السفر التقوي في الجهاد. فهذا أوجب من الصيام بالسفر، الذي هو رخصة. أي الفطر يكون على هذا التفصيل. لكن شيخ الإسلام، رحمه الله، كأنه يشير أنه لو كان صائمًا في رمضان، لكان فطره هو الأولى. يعني معناه لو ثبت الحديث أنه احتجم، لعلم أنه أفطر مع هذه الحجامة. لا مانع من ذلك. لأنه مسافر، قد رخص له بالفطر. وثانيًا، أنه احتجم، معناه تساهل بالحجامة مع صيامه. لأنه سيفطر لأجل السفر، هي رخصة له، ولأجل الحجامة. ولكن هذا ليس صريحًا. ولم يأتي في حديث ابن عباس ما يدل على ذلك، أي أنه أفطر بعد الحجامة. قال، رحمه الله: الذي يقوي أن إحرامه الذي احتجم فيه كان قبل فتح مكة، قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" فإنه كان عام الفتح، بلا ريب. هكذا في أجود الأحاديث. روى أحمد بإسناد جيد، عن ثوبان، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتى على رجل يحتجم في رمضان، قال: "أفطر الحاجم والمحجوم". وحديثه، ومن رواية بأسانيد كثيرة، بعضها فيها مقال، وبعضها حسن، بعضها صحيح. وهذه الرواية صحيحة. قال: وقال أحمد: ثنا إسماعيل، عن خالد الحذاء، عن نبي قلابة، عن نبي الأشعث، عن شداد بن أوس، أنه مر مع النبي، صلى الله عليه وسلم، زمن الفتح، على رجل محتجم بالبقيع. وفي رواية: يحتجم بالبقيع، لثماني عشرة ليلة خلت من رمضان. قال: فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم". وهذه رواية صحيحة كذلك، من حديث شداد بن أوس. قد روي من طرق. وفيه أن الحديث كما نرى صريحًا، جاء في عام الفتح. وأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال ذلك في البقيع، حين أرى رجلًا يحتجم بالبقيع. يعني في المدينة. الزمان، زمان عام الفتح، والمكان البقيع في المدينة. قال: وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا هشام الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أتى على رجل يحتجم في رمضان. فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم". وهذا الذي تقدم هو صحيح، وهو يؤيد حديث شداد بن أوس، الذي فيه تعيين الزمان، أنه كان في الثامن عشر من رمضان. قال: وقال: حدثنا أبو الجواب، عن عمار بن زريق، عن عطاء بن السائب، قال: حدثني الحسن، عن معقل بن سنان الأشجعي، أنه قال: مر على النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنا أحتجم، مر علي النبي، صلى الله عليه وسلم، وأنا أحتجم في ثماني عشر خلت من رمضان. فقال: "أفطر الحاجم والمحجوم". وهذا الحديث بهذا الإسناد، فيه ضعف، بسبب الحسن، وعطاء بن السائب، وأشياء أخرى ذكرها الحفاظ. ولكن معناه صحيح، ويؤيده حديث ثوبان، وقبله حديث شداد بن أوس. أي أن حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" كان في رمضان، هذا الذي يريد أن يثبته شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، أنه كان في رمضان، وأنه كان في عام الفتح. وهذا صحيح. قال، رحمه الله: وذكر الترمذي، عن علي بن المديني، أنه قال: أصح شيء في هذا الباب، حديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس. وهذا كذلك صحيح. أصح شيء في هذا الباب، أي في رواية "أفطر الحاجم والمحجوم". لأنه روي عن عدد من الصحابة، ذكرهم الإمام الترمذي، رحمه الله، في "صحيحه" في "سننه". وبعضها صحيح، وبعضها ليس بصحيح. وسيأتي إن شاء الله، الكلام على بعض تلك الأحاديث التي رويت عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بلفظ "أفطر الحاجم والمحجوم". قال، رحمه الله تعالى: وقال الترمذي: سألت البخاري، فقال: ليس بهذا الباب أصح من حديث شداد بن أوس، وحديث ثوبان. فقلت: وما فيه من الاضطراب؟ فقال: كلاهما عندي صحيح. لأن يحيى بن سعيد، روى عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان. وعن أبي الأشعر، عن شداد، الحديثين جميعًا. وهذا كذلك كما قال الترمذي، رحمه الله، فيما نقله عن البخاري. فأصح ما روي في حديث "أفطر الحاجم والمحجوم"، حديث شداد بن أوس، وحديث ثوبان. وهذا كذلك هو المنقول عن ابن المديني، وعن أحمد، رحمه الله، وعن الإمام الدارمي، عثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ. وأما قول الترمذي، رحمه الله: "وما فيه من الاضطراب" يشير إلى ما ذكره بعض الحفاظ، أن حديث ثوبان فيه اضطراب. كما قال ذلك ابن معين، فقد حكم عليه بالاضطراب. بأنه روي عن أبي قلابة من طريقين، ظاهرهم التعارض. ولكن كما قال البخاري، رحمه الله: كلاهما صحيح. يعني لا تعارض بين الروايات عن أبي قلابة. قال: قلت، أي القائل شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، يبين الجواب في الاختلاف فيه عن أبي قلابة. قال: قلت: وهذا الذي ذكره البخاري من أظهر الأدلة على صحة كلا الحديثين الذين رواهما أبو قلابة. فإن الذي قال: مضطرب، إنما هو لأنه روي عن أبي قلابة بإسنادين. فبين أن يحيى بن سعيد الإمام، روى عن أبي قلابة بهذا الإسناد، وهذا الإسناد. ومثل هذا كان يكون عنده الحديث كأن يكون عنده الحديث بطرق. والزهري، روى الحديث بإسناد، عن سعيد، عن أبي هريرة. وتارة عن غيره، عن أبي هريرة. يعني يريد أن يمثل، كما أنه وقع هذا في حديث ثوبان. فكذلك لو وقع برواية الزهري، عن أبي هريرة، فلا مانع من ذلك. وهو كما قال، رحمه الله، وكما قال الإمام البخاري، رحمه الله. وما ذهب إليه ابن معين من الحكم بالاضطراب، خلاف الصواب. والصواب ما ذهب إليه البخاري، وتبعه عليه جماعة من الحفاظ، كابن المديني، وأحمد، والدارمي. وكذلك كما تقدم، البخاري، ونقل ذلك الترمذي، مؤيدًا، رحمه الله. قال، رحمه الله: فيكون هذا هو الناسخ، لو لم يعلم التاريخ. يعني لأن حديث شداد بن أوس، وحديث ثوبان "أفطر الحاجم والمحجوم" قال: فيه الحفاظ أنه أصح. ولكن كما تقدم معنا، أن قولهم "أصح شيء في هذا الباب" المراد ليس عموم الحجامة، المنع وعدم المنع. ولكن في لفظ حديث "أفطر الحاجم والمحجوم"، هذا هو الصواب. ولأن أحاديث الرخصة في الحجامة أصح. ولهذا البخاري، رحمه الله، وهو من استدل بكلامي هاهنا، شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، هو لا يقول بحديث شداد بن أوس، وحديث ثوبان. بل هو يقول بحديث ابن عباس. ولهذا أورده كما تقدم معنا في "صحيحه". وأيده بالآثار التي تدل على أن الحاجم لا يفطر بالحجامة في رمضان، إذا كان صائمًا. قال، رحمه الله تعالى: فإذا تعارض خبران، حدث أحدهما ناقلًا عن الأصل، والآخر مثبتًا على الأصل. كان الناقل هو الذي ينبغي أن يجعل ناسخًا. لأن لا يلزم تغيير الحكم مرتين. فإذا قدر احتجامه قبل نهيه الصائم عن الحجامة، لم يغير الحكم. الأمر. وإن قدر بعد ذلك، لزم تغييره مرتين. يريد، رحمه الله، أن الحجامة كانت على أصل الإباحة. فجاء الحديث بالمنع. فبهذا كان أحاديث المنع ناسخة. قال: ولو قلنا: أن الأصل هو المنع، ثم جاءت الإباحة، ثم جاء المنع. لصار تغييره مرتين. فالأصل أن المنع هو الخارج عن هذا الأصل. فهو المقدم. لأن الإباحة تدل أن قبله منع. قبل الإباحة. فهذا مرتين، إباحة يلزم منها قبله منع. ومنع يلزم أنه جاء بعد إباحة. فلذلك قال: تغيير الحكم مرة، مقدم على تغيير الحكم مرتين. وأن الأصل هو الإباحة. والناقل عن هذا الأصل هو المنع. هذا كما قال، رحمه الله، إذا لم نعلم التاريخ. وهذا الكلام من حيث التنظير، صحيح. لكن كيف إذا كان عندنا من ألفاظ الأحاديث ما يدل على النسخ. كما جاء بحديث ابن عباس، وحديث أبي سعيد، وحديث أنس. كما سيأتي إن شاء الله. وثانيًا، أنه من حيث المعنى، فإنهم جعلوا في الحجامة تفصيلًا في حق الحاجم. فيلزم كذلك التفصيل في حق المحجوم. فلذلك كان القول الصحيح، والله أعلم، الرخصة في الحجامة. قال، رحمه الله أيضًا: فإذا لم يكن الصوم واجبًا، فقد يكون أفطر بالحجامة للحاجة. فقد كان يفطر في صوم التطوع لما هو دون ذلك. يدخل إلى بيته. فإن قال: عندنا طعام، قال: قربوه. فإني أصبحت صائمًا. ومعناه حديث ابن عباس، لم يذكر أنه أفطر. فنحمله أنه أفطر. لأنه عليه الصلاة والسلام، صح عنه الفطر في صيام التطوع. فإذا كان مع الحجامة، فمن باب أولى أنه يفطر. وهذا لا شك أنه فيه شيء من التكلف، كما هو ظاهر. لأن حديث ابن عباس لم يذكر فيه الفطر. وذكر الفطر مهم في مثل هذا المقام. فعدم البيان مع الحاجة له، ممتنع. مع ما يؤيد حديث ابن عباس مما جاء بحديث أبي سعيد، وحديث أنس. كما سيأتي معنا إن شاء الله. ولهذا ابن حزم، رحمه الله، في "المحلى" أشار إلى هذا المعنى. وأيده بحديث أبي سعيد. ومعنى حديث أنس. قال، رحمه الله: ابن عباس، وإن لم يعلم ما في نفسه، غاية أنه رآه أو أخبره من رآه أنه أصبح صائمًا. واحتجم. وهذا لا يقتضي أنهم علموا من نفسه أنه استمر صومه. يعني لم يعلموا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، واصل بصومه أم لا. قال: وكأن من ادعى عليه النسخ، تغلب عليه هذه الحجة من وجهين. أحدهما: أنه لا حجة فيه. والثاني: أنه منسوخ. وهذا الكلام الذي ذكر، رحمه الله، كذلك مردود بما تقدم. فعدم البيان وقت الحاجة، ممتنع. والأصل أننا لا نرد ظاهر الحديث إلا بحجة. فإننا لو قلنا: قد يكون، وقد يكون. فإن هذا يفتح لنا أشياء كثيرة في أحاديث، هو من مثل هذا، ونظائره. فالأصل بقاء كل حديث على ظاهره. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أن حديث ابن عباس مؤيد بحديث أبي سعيد، رضي الله عنه، وحديث أنس. كما سيأتي إن شاء الله. وقد مر معنا أن الترمذي وغيره، أشار إلى أن ذلك كان في عام حجة الوداع. قال، رحمه الله: وقد روي ما يدل على أن الفطر هو الناسخ. ومما احتج به على النسخ، ما رواه الدارقطني، قال: حدثنا البغوي، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا خالد بن مخلد، عن عبد الله بن المثنى، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: أول ما كرهنا الحجامة للصائم، أن جعفر بن أبي طالب احتجم، وهو صائم. فمر به النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: "أفطر هذان". ثم رخص النبي، صلى الله عليه وسلم، بالحجامة للصائم. وكان أنس يحتجم، وهو صائم. قال الدارقطني: كلهم ثقات، ولا أعلم له علة. قال أبو الفرج بن الجوزي: قال أحمد بن حنبل: الخالد بن مخلد له أحاديث مناكير. الآن هو يورد قول من قال بأن حديث ابن عباس ناسخ لحديث "أفطر الحاجم والمحجوم". يعني حديث ثوبان، وشداد بن أوس، الذي تقدم الإشارة إليهما. وما كان بمعناهما. فهو ابتدأ بهذا، ثم سيرد على من ادعى النسخ بهذا الحديث، أو بهذا المعنى. فأورد حديث أنس، الذي سبق الكلام عليه، أنه بمعنى حديث أبي سعيد. ثم أشار إلى أن الدارقطني، قال في هذا الحديث: رجاله كلهم ثقات. ولكن بعض الحفاظ ضعفوا هذا الحديث من جهتين: من جهة السند. وذلك كما أشارها هنا، أن أحمد بن حنبل، قال: خالد بن مخلد له أحاديث مناكير. مع أن خالد بن مخلد من رجال "الصحيح". وكونه عنده أحاديث مناكير، لا يعني أنه ليس له شيء صحيح. فكيف أن هذا الحديث أيد بروايات، وشواهد تؤيد صحته. شواهد ومتابعات تؤيد صحته. وسيأتي الكلام على نكارة المتن. لأنهم ذكروا أن موت جعفر كان في عام مؤتة، قبل الفتح. وأحاديث الحجامة كانت في الفتح. وموت جعفر قبل الفتح. فإذن هذا يعارض أحاديث الحجامة. وقد يجاب بأن حديث الحجامة في عام الفتح، لا مانع. أي الذي ورد بحديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس، لا مانع أن يكون النبي، صلى الله عليه وسلم، قد نهى عن الحجامة قبل ذلك، في عام مؤتة. ما هو المانع من ذلك؟ أن يكون قاله من قبل، ثم قاله مرة أخرى في عام الفتح، لا مانع من ذلك. ولهذا صحح جماعة من الحفاظ هذا الحديث، حديث أنس. وقد أشار إلى هذا الشيخ الألباني، رحمه الله، في "الإرواء" في المجلد الرابع. قال، رحمه الله تعالى: قلت: ومما يدل على أن هذا من مناكيره، أنه لم يرو أحد من أهل الكتب المعتمدة. مع أنه بالظاهر على شرط البخاري. يعني لم يرو هذا الحديث. قال: والمشهور عن البصريين أن الحجامة تفطر. يريد بذلك أنه من البصريين. قال: وأيضًا، فجعفر بن أبي طالب، إنما قدم من الحبشة عام خيبر، في آخر سنة ست، أو أول سنة سبع. فإن خيبر كانت في هذه المدة، في سنة سبع. وقيل: عام مؤتة، قبل الفتح. قال: ولم يشهد فتح مكة. فصام مع النبي، صلى الله عليه وسلم، واحدًا، سنة سبع. يعني سنة واحدة، صامها مع النبي، صلى الله عليه وسلم. لأنه قتل عام مؤتة. قال: وإذا كان هذا الحكم قد شرع في ذلك العام، فإنه ينتشر، ويظهر. والحديث المتقدم كان سنة ثمان، بعد هذا. يعني عام الفتح. قال: فإن كان هذا محفوظًا، فيكون النبي، صلى الله عليه وسلم، قد قال ذلك في عام بعد عام. ولم ينقل عنه، ولم ينقل عنه أحد، لفظًا ثابتًا، أنه رخص في الحجامة بعد ذلك. يعني لو قدر أن الحديث وقع في عام مؤتة، ووقع في عام الفتح، فصار بهذا النهي تكرر مرتين. إذن ما هو جواب شيخ الإسلام عن قوله في هذه الرواية: "ثم رخص النبي، صلى الله عليه وسلم، بالحجامة للصائم"؟ جوابه ما سيأتي، أنه يرى أنها مدرجة، ولا تصح عن أنس. ولهذا قال، رحمه الله: فلعل هذا، أي زيادة الترخيص "رخص النبي، صلى الله عليه وسلم، بالحجامة للصائم". وكان أنس يحتجم، وهو صائم. قال: فلعل هذا مدرج عن أنس، لم يقله هو. ولعل أنس بلغه أنه أرخص، ولم يسمع ذلك منه، أي من النبي، صلى الله عليه وسلم. ولعل بعض التابعين حدثوا بذلك. وكل هذا لعل منافي لما صحت به الرواية، لمن يصح هذه الرواية في حديث أنس. لأن ظاهر السند أن رجاله رجال "الصحيح". فهو على شرط البخاري، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، نفسه، وغيره من الحفاظ. قال: ومما يبين أن هذا ليس بمحفوظ عن أنس، ولا عن ثابت، أي الرواي عن أنس، ما رواه البخاري في "صحيحه" عن ثابت، قال: سئل أنس بن مالك: كنتم تكرهون الحجامة للصائم؟ قال: لا، إلا من أجل الضعف. يعني معناه أن هذا معارض. أنه رخص بالحجامة للصائم، ولكن لمن تأمل هذه الرواية بشيء من التأني، سيجد أنه لا تعارض. لأنه هنا كذلك، فيه أن أنس لم ير بأسًا بالحجامة. وكونه لم يذكر الرخصة، والنسخ، لا يعني أن ذلك ليس موجودًا. ولكن كأنه يقول: لو جاء النهي، وبقي على أصله، حمل النهي أنه لمن أضعفته الحجامة. وهذا هو الذي سبق الكلام عليه في أول هذه المسألة. أن الحجامة مضنة الفطر، وليست هي بذاتها تفطر. كما أن الحاجم يعرض نفسه لمضنة الفطر، لا لكونه بمجرد حجمه لغيره، يفطر. قال، رحمه الله: في رواية: على عهد النبي، صلى الله عليه وسلم. يعني من أجل الضعف. قال: فهذا ثابت، يذكر عن أنس، أمر الحجامة. وليس فيها إلا أنهم كانوا يكرهونها من أجل الضعف. ليس فيها أنه فطر الحاجم، ولا أنه رخص فيها بعد ذلك. وكلاهما يناقض قوله: "لم يكونوا يكرهونها إلا من أجل الضعف". فإنه لو كان علم أنه فطر بها، لم يقل هذا. ولو علم أنه رخص فيها، لم يكره ما أرخص فيه النبي، صلى الله عليه وسلم. فعلم أن أنس إنما كان عنده علم ما رأاه من الصحابة، من كراهة الحجامة لأجل الضعف. وهذا معنى صحيح، وهو العلة في إفطار الصائم. كما يفطر بالاستقاء، وتفطر المرأة بدم الحيض. وكلامه، رحمه الله، من حيث التعليل في أمر الفطر بالحجامة، صحيح. أنه إذا أضعفت، تفطر. ولكن الاستدلال به على عدم النسخ، أو الاستدلال به على عموم الحكم بأن الحجامة تفطر مطلقًا، بمجرد وقوعها، هذا ليس بصحيح. لأنه لم يدل عليه شيء صحيح، صريح. فللأدلة من حيث الرواية، ومن حيث المعنى، تدل على خلاف ذلك. كما مر، وسيأتي إن شاء الله. الحديث أنس، الصحيح أنه صحيح. تقدم معنا حديث أبي سعيد، وحديث ابن عباس. وكلها تؤيد ما سبقت الإشارة إليه، أن الأحاديث تدل الأخيرة عن النبي، صلى الله عليه وسلم، على الرخصة بالحجامة. وأنها لا تفطر الصائم. ويحمل ما تقدم من النهي، أنه إذا أضعف ذلك الصائم. نقف لانتهاء الوقت اليوم عند هذه الفقرة، ونترك الباقي إن شاء الله في درس لاحق. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.