الدرس في شرح السياسة الشرعية 38، الدرس الثامن والثلاثون:من( فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه وهو أن يكون قد علم مكان الظالم ... أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟وغضب لذلك غضباً شديداً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح المقطع عقوبة من يكتم مكان المجرمين أو يمتنع عن الإعانة للمظلومين، ويحلل الأسباب التي قد تدفع الناس إلى الامتناع عن نصرة المظلوم. يُبرز أهمية نصرة المظلوم ووجوب معاقبة من يكتم مكان المجرمين.
يناقش المقطع خطورة إعانة الظالم وآثارها السلبية على الدين والدنيا، ويؤكد على أهمية العدل وعدم نصرة الظالم. يشير إلى أن العزة الحقيقية تكون بطاعة الله وبالعدل.
يناقش المقطع مفهوم العصبية القبلية وخطورتها، ويحذر من نصرة القبيلة بالباطل. يشير إلى أهمية الإصلاح بين الناس وتجنب الفتن، مستشهدا بأحاديث نبوية وآراء شيخ الإسلام ابن تيمية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قال، فأما هذا فإنما يعاقب على ذنب نفسه، وهو أن يكون قد علم مكان الظالم الذي قد تعلق به حقوق المستحقين، فيمتنع من الإعانة والنصر الواجب عليه في الكتاب والسنة والإجماع، إما محابة أو حمية لذلك الظالم، كما قد يفعل أهل المعصية بعضهم ببعض، أو معادة أو بغضا للمظلوم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، وإما إعراضا عن القيام لله والقيام بالقصد الذي أوجبه الله، وجبنا وفشلا وخذلانا لدينه، كما يفعله التاركون لنصرة الله ورسوله ودينه وكتابه، الذين إذا قيل لهم: ﴿انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، اثَّاقَلُوا إِلَى الْأَرْضِ. ومعناه كذلك هاهنا، يتثاقلون عن نصرة المظلوم. فأمثال هؤلاء قد أضاعوا واجبا عظيما من نصرة دين الله عز وجل وكتابه، بل نصرة الله ورسوله، فلذلك يستحقون العقاب بكتمانهم هذا الواجب الذي يجب إظهاره، وهو مكان المجرمين. قالوا: على كل تقدير، فهذا الضرب يستحق العقوبة باتفاق العلماء. ومن لم يسلك هذه السبل، عطل الحدود وضيع الحقوق، وأكل القوي الضعيف. ومعناه: من لم يسلك هذه السبل فيما تقدم من السياسة الشرعية في هذا الباب، ومنه معاقبة أمثال هؤلاء المخذلين المضيعين للحقوق، فإنه سيكون سببا في تعطيل الحدود وتضييع الحقوق. ومنهم هذا الإنسان الذي يكتم مكان المجرمين، فإنه يعطل الحدود ويضيع الحقوق، عطل الحدود بإخفاء المجرمين وعدم إظهارهم لمكانهم، وضيع الحقوق لأنهم قد استأثروا بذلك الذي سرقوه أو اعتدوا فيه، فضاعت الحقوق بهذا الإخفاء. وأكل القوي الضعيف يعني بما كان كذلك من هذا الإخفاء. وكذلك السلطان إذا لم يقم بما يجب عليه في هذا المقام، وفي غيره مما سبق ذكره، فإنه يكون سببا لهذه الخصال. فلذلك وجب عليه أن يعاقب هذا الممتنع بما يلزم، وبما يكون به إحقاق الحق. قال: وهو يشبه من عنده مال الظالم المماطل من عين أو دين، وقد امتنع من تسليمه لحاكم عادل يوفي به دينه، أو يؤدي منه النفقة الواجبة عليه لأهله أو قريبه أو مماليكه أو بهائمه. وكثيرا ما يجب على الرجل حق بسبب غيره، كما تجب عليه النفقة بسبب حاجة قريبه، وكما تجب الدية على عاقلة القاتل. وهذا الضرب من التعزير عقوبة لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب إحضاره، وهو يحضره، كالقطاع والسراق وحماتهم، أو علم أنه خبير بهم، وهو لا يخبر بمكانه. فأما إن امتنع من الإخبار والإحضار لألا يتعد عليه الطالب أو يظلمه، فهذا محسن. قال رحمه الله: لمن علم أن عنده مالا أو نفسا يجب إحضاره، وهو لا يحضره، كالقطاع والسراق وحماتهم، أو علم أنه خبير بهم، وهو لا يخبر بمكانه. فأما إن امتنع من الإخبار والإحضار لألا يتعد عليه الطالب أو يظلمه، فهذا محسن. علق الشيخ بقوله: قال، يعني خشية أن يخبر بمكانه فيتعد عليه الطالب ويظلمه، فهذا محسن، لأنه كثيرا ما يكون الطالب، لا سيما إن كان أميرا ظالما، إذا عثر على المطلوب فإنه يعزره بأكثر مما يستحق، وربما يقتله. فإذا أخفى مكانه خوفا من هذا، يقول: فإنه محسن، لأنه أراد أن يدفع عن نفسه الظلم. ولكن قد يقال هاهنا: هذا إذا تحقق هذا الظلم والتعدي، وأما إذا لم يتحقق، فعليه أن يخبر. بل ربما كذلك لو ترتب عليه فساد أنفس، فكونه يظلم بغير إفساد النفس، هذه مفسدة صغرى أمام ما هو أكبر منها، من بقاء المجرمين طلقاء يفسدون في الأنفس والأعراض والأموال. فكونه يرضى لنفسه بظلم لا يصل إلى القتل، هذا لا شك مفسدة صغرى بالنسبة لما قد يجره ترك هؤلاء المجرمين من مفسدة كبرى، بالقتل وغيره من الجرائم التي قد يفعلها هؤلاء المفسدون. قال رحمه الله: وكثيرا ما يشتبه أحدهما بالآخر، ويجتمع شبهة وشهوة. الشبهة واضحة، مثل هذا الذي مر معنا، هي شبهة قد تقع لبعض الناس، على أنه كثيرا ما يكون من وساوس وخواطر الشيطان، ليحبط الإنسان عن فعل الخير والتعاون في نصرة الحق. وأما الشهوة، فهو ما يكون مما تقدم ذكره فيما سبق، كأن يكون لأجل حمية أو لأجل كذلك بغض للمظلوم وكراهية وعداوة، فهو يتشفى بذلك، هذه شهوة. أو كذلك محاباة أو ما يرجوه من مال يعطى إن هو ستر، أو غير ذلك. قال رحمه الله: والواجب تمييز الحق من الباطل. وهذا يقع كثيرا في الرؤساء من أهل البادية والحاضرة، إذا استجار بهم مستجير أو كان بينهم قرابة أو صداقة، فإنهم يرون الحمية الجاهلية والعز بالإثم، والسمعة عند الأوباش، أنهم ينصرونه ويحمونه. والمراد به عند الرعاع وأمثالهم ممن قل دينهم وعلمهم، قال: أنهم ينصرونه ويحمونه وإن كان ظالما مبطلا على المحق المظلوم. ولا سيما إن كان المظلوم رئيسا يناوئهم ويناوئونه، فيرون أن في تسليم المستجير بهم إلى من يناوئهم ذلا وعجزا. قال: وهذا على الإطلاق جاهلية محضة، يعني كونه ينصر الظالم على المظلوم، وهو يعلم أنه ظالم. والدافع له مثل هذه الخصال، هذه من خصال الشهوة. وأما الشبهة، فكما تقدم في المثال الذي قبله. قال: وهي من أكبر أسباب فساد الدين والدنيا. وقد ذكر أنه إنما كان سببا كثير من حروب من تقدم من الأعراب، كحروب البسوس التي كانت بين بني بكر وتغلب، إلى نحو هذا. يعني كونهم يحمون ظالما، فتكون بعد ذلك فتن عظيمة، حروب تستمر سنين، بسبب مثل هذه المظالم وعدم العدل. ولهذا أمر ربنا جل وعلا بالعدل، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾. وأمر كذلك بالإنصاف ولو كان مع العدو، ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾، حتى لو كان عدو أمرنا أن نعدل. قال: وكذلك سبب دخول الترك والمغول دار الإسلام، واستيلاؤهم على ملوك ما وراء النهر وخراسان، كان سببه نحو هذا، استجارة هؤلاء بمن ينصرهم، فاستجاروا بمن أفسد عليهم الدين والدنيا. فلا يجوز إعانة الظالم، فإن إعانة الظالم مع ما فيه من الإثم ومخالفة الشرع، فيه كذلك خسارة الدنيا. وما أكثر ذلك، فمثلا لو قدر أن قبيلة ما حمت وأجارت ظالما مجرما، الفطر والعقل تستقبح هذا الفعل. فإن الكثير من الناس سيندفعون في معادات هذه القبيلة، مع ما لا يخفى أن الغالب في أهل الجهل وقلة الدين، كثرة الخصومات والخلافات. فكيف إذا وجد مثل هذا؟ فإن هذا يزيد من الخصومة والخلاف والعداوة، فعند ذلك ستكون فتن وحروب تكون سببا في حصول الذل والصغار، وكذلك هلاك الأنفس، وربما الأموال وغير ذلك. قال رحمه الله: ومن أذل نفسه لله فقد أعزها، ومن بذل الحق من نفسه فقد أكرم نفسه. لأن بعض الناس قد يظن كونك لم تجر هذا الإنسان الذي من قبيلتك، وإن كان ظالما، ذل للقبيلة وعجز. كما ذكر رحمه الله، وهو في الحقيقة لو قدر أنه ذل، فهو ذل لله، لأنك بإقامتك العدل أنت تخضع وتذل لله عز وجل. ومن ذل نفسه لله أعزه الله. ومن أراد العزة بمعصية الله أذله الله، من أراد العزة بمعصية الله أذله الله. وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه. قال: قال رحمه الله: ومن بذل الحق من نفسه فقد أكرم نفسه. فإن أكرم الخلق عند الله أتقاهم، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. قال: ومن اعتز بالظلم، من منع الحق وفعل الإثم، فقد أذل نفسه وأهانها. قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾، يعني بطاعته وبالاستجابة لأوامره. فمن لم يطع الله ويستجب لأوامره، ومن ذلك العدل وعدم نصرة الظالم، وهذا هو الشاهد. قال: وقال الله تعالى عن المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. وشبيه بقول المنافقين قول الأعراب والبدو، ومن كان من أمثال هؤلاء ممن يطلب العزة بالقبلية وبالنعارات الجاهلية، وما علم وجهل أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين. فبتحقيق العدل وعدم إعانة الظالم تكون العزة، لا بإعانة الظالم والإفساد في الأرض. قال: وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾. وإنما الواجب على من استجار به مستجير، إن كان مظلوما ينصره. ولا يثبت أنه مظلوم بمجرد دعواه، فطالما اشتكى الرجل وهو ظالم. بل يكشف خبره من خصمه وغيره، يعني لا يتعجل، بل عليه أن يتثبت، فلا يسمع من طرف واحد. قال: فإن كان ظالما، رده عن الظلم بالرفق إن أمكن، إما من صلح أو حكم بالقصد من الرفق، الصلح أو الحكم بالعدل. فإن لم يستجب، وإلا فبالقوة، يعني يرد الظالم عن ظلمه بالقوة. فإذا يتدرج في نصرة الظالم والمظلوم، الظالم بحجزه عن الظلم، والمظلوم برد مظلمته. قال: وإن كان كل منهما ظالما مظلوما، كأهل الأهواء من قيس ويمن ونحوهم، وأكثر المتداعين من أهل الأنصار والبوادي. أو كانا جميعا غير ظالمين لشبه أو تأويل أو غلط، وقعا فيما بينهما، سعى بينهما بالإصلاح أو الحكم، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. والشاهد أنه أمر في هاتين الآيتين بالإصلاح، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾، أي واعدلوا. وفي الآية الثانية: من خير الأعمال الإصلاح بين الناس. بل كما قال بعض أهل العلم: رتبت الأعمال الصالحة هاهنا ترتيبا تصاعديا، بدأ بالأقل والأدنى، وتلى بالأعلى. فصار الإصلاح بين الناس من أعظم الأعمال الصالحة، كما أن الإفساد، إفساد ذات البين، من أعظم ما يفرح به إبليس، كما صحت به الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. والشاهد يقول هنا: إن كان هناك ظالم ومظلوم في كل الطرفين، فهنا يحاول أن يصلح بحسب ما يستطيع. وذكر مثالا في قبيلتين، كأنه في زمانه رحمه الله، اشتهرت خصومتهما وبغي كل منهما عن الآخر، فإذا كان كذلك فيقع في كل الطرفين ظلم. وكذلك يكون أحدهما ظالما مظلوما، كل منهما ظالم ومظلوم في نفس الوقت. قال: وقد روى أبو داود في السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه بالحق؟ قال: لا. قال: ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل. والحديث ضعيف، والضعف عند الشيخ الباني رحمه الله في ضعيف ابن ماجه. ففي سناده فسيلة بنت واتلة بن الأسقع، ويقال جميلة، مجهولة. ولكن معنى الحديث صحيح، معنى صحيح. فالشاهد: لا يجوز للمسلم أن ينصر لأجل العصبية بأي الباطل. أما النصر بالحق، فهي تجب للقريب وللبعيد، وللقريب أولى من البعيد، لحق القرابة. وأما النصر بالباطل، فلا يجوز حتى ولو كان لأقرب الناس. وما أحسن أن يقيم الإنسان العدل على نفسه، فيضرب مثلا للناس. وكم وقع ذلك لبعض الصالحين، ربما يكون ولده قاتلا، فيقيم الحد على ولده. يقول: هذا ولدي قاتل، اقتلوه. فإذا فعل ذلك، سن سنة حسنة، وأنهى فتن عظيمة. وهكذا كذلك قد يكون بالتنازل عن الحق، يحصل الصلح. كان يعتدى على إنسان فيما يجوز فيه التسامح، فيسامح ويعفو، وينهى قبيلته أن تقوم بالحمية الجاهلية، فإنه بهذا يصلح. والإصلاح من أعظم الأعمال الصالحة، بل ربما يستصره بعض الناس، وهو سبب لدخول الجنة وتكفير السيئات، إذ تحقن به دماء وأموال، بل وربما أعراض. قال رحمه الله: وقال صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمُ الْمُدَافِعُ عَنْ قَوْمِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ». وقال صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِي يَنْصُرُ قَوْمَهُ بِالْبَاطِلِ كَبَعِيرٍ يُرَدُّ فِي بِئْرٍ، فَهُوَ يَجُرُّ بِذَنَبِهِ». والحديث الأول ضعيف، والحديث الثاني ما أعرفه، ننظر. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَمِعْتُمُوهُ يَتَعَزَّى بِعِزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَعِظُوهُ بِهْنِ أَبِيهِ، وَلَا تَكُنُوا». يعني: اذكر له عيبة أبيه. ولا تكنوا، يعني: ولا تستعملوا الكناية. والحديث صحيح، وقد ذكره شيخنا في الصحيح المسند، وهو كذلك في الصحيحة. والمعنى: يحرم على المسلم أن يتعز بعزاء الجاهلية، مثلا يقول: وأنا ابن فلان، وأنا من القبيلة الفلانية، ونحو ذلك. فمن فعل ذلك فإنه يهان. هذا المعنى، فلا يجوز أن يتعز بعزاء الجاهلية. فكيف إذا صار ينصر بنصرة الجاهلية؟ فهذا أعظم وأشد. قال: وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن، من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أو طريقة، فهو من عزاء الجاهلية. يعني إذا أريد به التفاخر بالباطل. قال: بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار، فقال المهاجر: يا للمهاجرين. وقال الأنصاري: يا للأنصار. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَبِي دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَيْكُمْ». وغضب لذلك غضبا شديدا. والحديث في الصحيحين، مشهور، حديث جابر، عن عبد الله، وجاء غيره، أي معناه. والشاهد: أن هذا اعتزاء بشيء ممدوح بالإسلام، الهجرة والنصرة. ومع ذلك لما كان على هذا الوصف، كان مذموما. فلا يجوز الاعتزاء بأي معنى من المعاني على وصف اعتزاء الجاهلية، فإن ذلك مما يضيع الدين، وحرمه. فإذا كان هذا في مثل الهجرة والنصرة، فما دونه من باب أولى. والمقصود هاهنا: تأكيد لما سبق من وجوب إعانة السلطان وغيره في محاربة الظالمين المعتدين المجرمين، وعدم حمايتهم ونصرتهم. فإن نصروا بحمية وجاهلية، كان هذا من أعظم الإثم، وبه يكون فساد الدنيا والدين. وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الفصل، والله تعالى أعلم. تنبيه: مر معنا كثيرا ذكر شيخ الإسلام لقيس ويمن، وهم قبيلتان يكثر الخلاف بينهما، كانتا في جهة الشام، ليس من بلاد اليمن، يعني ليس نسبتهما إلى اليمن، ولكن كأنها كانت من قبائل الشام، والله أعلم، هل مرجعها قبل ذلك إلى اليمن؟ الله أعلم، يحتاج إلى مراجعة. والشاهد: نقرأ هذه الفقرة أو الصفحة من مجموع الفتاوى، المجلد الرابع والثلاثين، صفحة مائة وستة وأربعين. وقد ذكر شيخ الإسلام أشياء كثيرة عن هاتين القبيلتين، وما وقع بينهما من فتنة، في مواضع من مجموع الفتاوى، وفي المجلد الأول في مواضع كثيرة، وفي المجلد الثامن وعشرين في مواضع كثيرة، وهكذا في هذا المجلد. وهكذا الحافظ ابن كثير كذلك، كما أفاده أخونا عبد الرحمن، ذكر ذلك في البداية والنهاية. قال شيخ الإسلام: قال: وسئل رحمه الله عن طائفة تسمى العشيرة قيس ويمن، يكثر القتل بينهم، ولا يبالون به. وإذا طلب منهم القاتل، أحضروا شخصا غير القاتل، يتفقون معه على أن يعترف بالقتل عند ولي الأمر. فإذا اعترف، جهزوا إلى المتولي من يدعي أنه من قرابة المقتول، يعني حتى يعفى عنه، ويقول: أنا قد أبرأت هذا القاتل مما استحقه عليه. ويجعلون ذلك ذريعة إلى سفك الدماء وإقامة الفتن، إلى آخر السؤال مما ذكره في هذا الباب. والشاهد: أنه قد جرى بينهم فتن حتى وصل الأمر إلى هذا الحد. وفي موضع آخر في الفتاوى، وهنا أجاب رحمه الله بجواب طويل، فيه بيان ما يقع أو ما وقع بين هاتين القبيلتين من فتن عظيمة. وفي موضع آخر سئل: أنه استفتاه بعض الجنود أو رئيس الجند عن إيقاف الفتنة بين هاتين القبيلتين، فما يصنعون إذا لم يمكنهم ذلك إلا بالقتل؟ وقد حصل قتل بينهم، بأن قتل أكثر من ألف. فأفتاهم رحمه الله بأنه يجوز أن يقتلوا منهم بقدر ما تندرئ به الفتنة، ولو مئة. قال: يبدأون بالأقل، واحد واثنين فأكثر، ولو مئة. فما ذكره في مواضع كثيرة، مع ما سمعنا، يدل على أن هذا كان شيئا في زمانه رحمه الله، فتنة عظيمة وقعت بين هاتين القبيلتين، عصبية جاهلية، وحمية كذلك من حميات أهل الجاهلية، والله تعالى أعلم.