شرح السياسة الشرعية  54

شرح السياسة الشرعية 54

الدرس في شرح السياسة الشرعية 54، الدرس الرابع والخمسون:من( الفصل الثامن:الولايات ... ثم إنه مع هذا لا بد له في العقل والدين من أن يكون بعضهم فوق بعض كما قدمناه كما أن الجسد لا يصلح إلا بالرأس ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أهمية الولاية والإمارة في قيام الدين والدنيا

يؤكد الشيخ ابن مرعي بن بريك على أهمية الولاية والإمارة لصلاح الدين والدنيا، مستندا إلى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والأدلة من الكتاب والسنة. يشير إلى ضرورة طاعة ولاة الأمر ما داموا من أهل الإيمان.

وجوب طاعة ولاة الأمور وصلاحهم

يستدل النص بأحاديث نبوية وآثار صحابية على وجوب طاعة ولاة الأمور لتحقيق مصالح الناس وصلاح دينهم ودنياهم. يشدد على أن طاعة ولاة الأمور واجبة بالمعروف.

تحذير من مخاطر الحرص على الرئاسة والمال

يتناول المقطع تحذيرًا من الحرص على الرئاسة والمال، موضحًا أنه يفسد الدين والدنيا. يستشهد بحديث نبوي وأقوال العلماء لتوضيح المخاطر المرتبطة بهذا الحرص.

ضرورة وجود قيادة شرعية للمجتمع

يقر بأن الناس بحاجة إلى رأس يقود المجتمع، ويشترط أن يكون متوافقا مع الشرع ولا يسعى للعلو أو الفساد، رغم تفاوت دينهم وعقولهم.

  • 13 جمادى الآخرة 1432هـ - 16/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: الفصل الثامن. قال: «الولايات». قال: يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمر أحدهم». رواه أبو داود من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، ورواه الإمام أحمد في المسند عن عبد الله بن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم». فأوجب صلى الله عليه وسلم تأمير الواحد في الاجتماع القليل العارض في السفر، تنبيها على سائر أنواع الاجتماع. وأن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة. جعل هذا الفصل رحمه الله في الكلام على الولايات، وابتدأ رحمه الله بالتنويه والتنبيه لأهمية الولاية والإمارة، وحاجة الناس وافتقارهم إليها، وأنه لا يقوم للناس دين ولا دنيا إلا بها. وأدلة الكتاب والسنة تدل على ذلك. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فجعل طاعة أولي الأمر بعد طاعة الله وطاعة الرسول. وذلك لأن الأمة لا تستغني عن ولاة أمور يكون بهم تدبير أحوال هذا المجتمع. وهكذا السنة، النبي صلى الله عليه وسلم مليئة بالأدلة في هذا المعنى. وقد مر معنى بعضها في أوائل الكتاب. وما من كتاب من كتب السنة إلا وفيه فصل وكتاب في الإمارة، وما يذكر من طاعة أولي الأمر في طاعة الله. وعلق شيخنا رحمه الله فقال: قوله رحمه الله: «لا قيام للدين ولا للدنيا إلا بها». قال: أهم شيخ، وقيام الدين، وإذا قام الدين قامت الدنيا، وإلا حتى البلاد الكافر الآن لا بد أن يؤمر عليها أحد. ولا يمكن أن تستقيم الأحوال بدون أمير، ولا يمكن أيضا أن تستقيم الأحوال بأمير ولا إمارة، بأمير لا إمارة له ولا طاعة له. ثم ذكر الشيخ رحمه الله كلاما ينكر فيه من ينابذ الحكام بنزع يد الطاعة، وكذلك تهييج الناس لكونهم عندهم شيء من الفسوق. وبين رحمه الله تعالى: وهكذا جاءت به الأدلة من الكتاب والسنة، أنه ليس من شرط طاعتهم عدم وقوع الفسوق منهم. فنحن أمرنا بطاعتهم مطلقا، ما داموا من أهل الإيمان. وأما إذا خرجوا من دائرة الإيمان فوقعوا في الكفر، فهنا لا طاعة. ومع ذلك ينظر في المصلحة والمفسدة. فكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان». وكما قال عليه الصلاة والسلام: «ما أقاموا فيكم الصلاة». وأما كونه يقع منهم شيء من الفسوق والظلم، فهذا لا يعني أن تنزع الإمارة وتبطل. لأن معنى ذلك فساد الدين والدنيا. فلا يقوم للناس دين ولا دنيا، حتى الدنيا التي يطمع فيها الناس لا تقوم. يضيع الناس بعضهم على بعض، ويذهب الأمن، ويكون الشر في المجتمع بسبب ضياع الإمارة. ثم ضرب الشيخ رحمه الله مثالا بهذه الأحاديث والآثار المروية في إمارة السفر. وقد جاءت فيه أحاديث كثيرة. وأشار أولا إلى الحديث الأول: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمر أحدهم». وهو لم يصح مرفوعا بهذا اللفظ، ومعناه صحيح. وإلا فقد روي موقوفا عن ابن مسعود. وهكذا أيضا، رجح الدارقطني في العلل أنه موقوف على أبي هريرة. ولكن معناه صحيح، فهو موقوف له حكم الرفع. والحديث الآخر جاء من حديث عبد الله بن عمر، كما أشار، ومن حديث أبي سعيد. وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة في المجلد الثالث، وفي الإرواء الجزء السادس. وفي هذا الباب أحاديث كثيرة. فكون النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالإمارة في الثلاثة، وهو اجتماع قليل لأمر عارض، يدل على أهميته من باب أولى في المجتمع الكبير. وذلك لأن الجماعة يحتاجون أن تسير أمورهم وتقضى مصالحهم بمن يفصل أمرهم عند النزاع، وبمن يحسن تدبير سفرتهم. ولا شك أنهم إذا لم يكونوا بأمير تفرقوا. ولكن إذا صارت الإمارة تعبدا يتعبد لله به، حصلت الطاعة ولو كانت على خلاف ما يشتهي الإنسان. وهذا مجرب. تجد في بعض الأسفار يحصل أحيانا خلاف في الآراء، فمن الذي يفصل فيها؟ بفضل الله عز وجل، وجود الإمارة يفصل النزاع، ويكون في هذا قطع لمادة الشر. حتى إن بعضهم ربما مع وجود مثل هذا الأمر يقع منه شيء، لكن يكبته ويكسر شره ويلمه إلى إخوانه وجود الإمارة. فإذا لم توجد إمارة، تصور ماذا يكون حال الناس؟ الشر. ولهذا الكثير من جهلة المسلمين الذين لا يعرفون مثل هذا الأدب، ما تنتهي أسفارهم إلا بتفرق. ما يبدؤون السفر إلا وينتهون وقد تفرقوا، بعضهم يتفرق من بعض، ويبغض بعضهم بعضا. لأن السفر يسفر عن الرجال. لكن بالإمارة يحصل الصبر والمصابرة، ويحصل كذلك تقديم الأصلح، وغير ذلك من الأمور التي يكون بها الاجتماع. فإذا كان هذا في مجتمع صغير ولفترة عارضة، فما بالكم بمجتمع مليء بأنواع الناس، وأنواع المعاملات، وغير ذلك مما يبل الله عز وجل به الناس بعضهم بعضا؟ ولهذا قال بعد ذلك: إن الاجتماع يتطلب أشياء كثيرة، ومنها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ومثل ذلك لا يتم إلا بقوة وإمارة. وكما يروى: «إن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن». فإن من الناس من لا ينفعه الوازع الديني والإيماني والقرآني، ولكن يخيفه قوة السلطان. قال رحمه الله: وكذلك السائر ما أوجبه من الجهاد، والعدل، وإقامة الحج، والجمع، والأعياد، ونصر المظلوم، وإقامة الحدود، لا تتم إلا بالقوة والإمارة. وهذه كلها من الأمور التي جاء بها هذا الدين، وهي فيها مصالح للناس، ليست في دينهم فقط، بل حتى في الدنيا. فيصلح لهم أمر الدين والدنيا. ولذلك كان وجود الإمارة ضرورة لا بد منها. فجاء الإسلام بالأمر بها، أي بالإمارة. قال: «ولهذا روي أن السلطان ظل الله في الأرض». ويقال: «ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان». والتجربة تبين ذلك. ومعنى كما بينه، وأشار إلى معنى شيخنا رحمه الله في الشرح: أن الله يضلل به عن الفتن والشرور. فالسلطان ظل الله، بمعنى يدفع به الشر، فهو السبب الحسي لاجتماع الناس على الخير، وابتعادهم عن الشر. ولم يصح حديثا مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكره الدارقطني رحمه الله في العلل، وأعله. وأشار أن الصواب أنه من قول كعب. وقوله: «ويقال ستون سنة من إمام جائر». لم أقف عليه في شيء من الآثار بهذا اللفظ. ولكن روي عن عبد الله بن مسعود بمعنى في قصة وقعت في زمانه، فأمرهم بالصبر، ثم قال: «اصبروا، فإن جور إمامكم خمسين سنة خير لكم من هرج شهر». ثم قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الإمارة الفاجرة خير من الهرج». رواه الطبراني في الكبير. ومعناه حسن، ويسنده يصلح للتحسين، وله شواهد تؤيده. وقد حسنه بعضها للعلم، فهو بمعنى هذا الأثر: «ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان». وأما الحديث الأول، كما تقدم، رويا من حديث ابن عمر، وهو موضوع. ومن حديث أنس ضعيف. «السلطان ظل الله في الأرض»، أي بهذا المعنى. ولكن صح من قول كعب الأحبار. والشاهد من هذا يريد أن يستدل بمعنى هذه الآثار المروية: أنه لا بد من إمارة وسلطان. وأدلة الكتاب والسنة كما تقدم تدل على ذلك. فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم جماعة المسلمين وإمامهم، كما في حديث في الصحيحين. وحديث ابن عباس: «أن من تفرق عنهم ونزع يدا من طاعة فمات، فميتته جاهلية». ومعناه في حديث ابن عمر، وغيره من الأحاديث الأخرى. قال: «ولهذا كان السلف كالفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وغيرهما يقولون: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعون بها للسلطان». وقد روي معنى هذا عن عدد من الأئمة. ذكر في كتب الاعتقاد في ذكر هذه المسألة، خلافا للخوارج الذين ينزعون يد الطاعة ويخرجون على إمام المسلمين. وذلك لأن الدعوة للسلطان يكون بها صلاحه، وبصلاحه تصلح الرعية. فليس هو من باب المجاملة والمداهنة، ولكنه من باب الدعاء بالشيء الأعظم الذي يكون به صلاح غيره. فإذا صلح الإمام صلحت رعيته. وهذا هو من الغالب. «إن الله لينزع بالسلطان ما لينزع بالقرآن». قال: «وقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله يرضى لكم ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم». والشاهد منه: الأمر بالاعتصام بحبل الله جميعا، وعدم التفرق. ثم قرنه بمناصحة من ولاه الله أمرنا. إذن هو من معنى الاعتصام. كما جاء في حديث: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم». ولا يمنع كون الشرع أمر بمناصحته، أن تبقى الطاعة. بل هذا دليل على أنه ليس من شرط الطاعة كمال الأمير والسلطان، وولي أمر المسلمين. بل قد يكون عنده شيء. وأما كيفية المناصحة، فإنها تكون بما يكون بها الإصلاح. واتصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كانت له نصيحة لذي سلطان، فلا يبده علانية». يعني يسره. وهكذا جاء في الأثر، قصة أسامة مع عثمان رضي الله تعالى عنه. فهو فهم السلف. وكذلك نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «ولاحظوا كيف قرن بين عبادة الله والشرك، والنهي عن الشرك، مع الاعتصام بحبل الله، ومناصحة ولاة الأمور؟ فإن في ذلك دليل على أهمية هذه الخصال الثلاث التي قرنت مع بعض». قال: «وقال صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم: يعني لا يكون الغل في القلب بسببها، إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين». فإن دعوتهم تحيط بهم من ورائهم. وهذا كذلك يدل على المعنى المتقدم. فمن أعظم الأعمال الصالحة التي يزول بها غل القلب: إخلاص العمل، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين. ومفهومه: أن تخلف أحد هذه الصفات سبب لفساد القلب. وهذا الذي يقع مع المنافقين، النفاق العملي والاعتقادي، في تخلف الإخلاص. وهكذا يقع مع أرباب الدنيا والمداهنين، الذين يدعون المناصحة. وهكذا يقع مع الخوارج الذين يخرجون عن إمام المسلمين، ويفارقون جماعتهم. فإن قلوبهم تفسد. قالوا في الصحيح عنه: «وكلها حديث صحيحة». كما أشير: «عندكم في التعليق». قالوا في الصحيح عنه: «أنه قال: الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة». قالوا: «لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم». أصل الحديث في صحيح مسلم، لكنه في الصحيح بدون تكرار ذلك ثلاثا. وإنما ورد ثلاثا خارج الصحيح، خارج صحيح مسلم. وأصل الحديث صحيح مسلم، وفيه: وهذا هو الشاهد: «النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم». ومن النصيحة: أن تكون الطاعة لهم بالمعروف. فالنصيحة لهم، ولعامة المسلمين، بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله. فيؤمر أئمة المسلمين بما يؤمرون به من لزوم كتاب الله، وسنة رسوله. وهكذا أيضا يؤمر العامة بطاعة في طاعة الله، والوقوف عند حدود الله. وهذه كلها أدلة تدل على أهمية الإمارة بالنسبة للراعي والرعية. فالكل لا يستغني عنها. ثم الأمير هو عبارة عن مصلح للناس، وسبب. ولذلك فإنه إذا صلح صلحت له الإمارة، وبقي فيها. وإذا لم يصلح، فإنه يقال عنها: إن لم يؤدي ذلك إلى مفسدة. يعني من أهل الحل والعقد. قال: «فالواجب اتخاذ الإمارة دينا، وقربة يتقرب بها إلى الله». فإن التقرب إليه فيها بطاعته، وطاعة رسوله، من أفضل القربات. وإنما يفسد فيها حال أكثر الناس، لابتغاء الرئاسة أو المال بها. والمعنى: أن الناس إذا اتخذوها دينا، وقربة، حصل بها الخير بالنسبة لمن تولى الإمارة، وبالنسبة لمن أطاع الأمير من الرعية. فهي بالنسبة للراعي والرعية سبب خير يكون به صلاح الدنيا والدين. لكن متى؟ الجواب: كما ذكر، عند أن تكون دينا، وقربة يتقرب بها إلى الله. وأما إذا كان ابتغاؤها لأجل الرئاسة والمال، ومنازعتها لأجل الرئاسة والمال، فعند ذلك تفسد أحوال الراعي والرعية. لأن الجميع حرص عليها، ونازع فيها لأجل الدنيا. قال: «وقد روى كعب بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم، بأفسد لهما أو بأفسد لها من حرص المرء على المال أو الشرف لدينه». والمعنى: أن الحرص على المال والشرف من أعظم ما يفسد الدين. ومثلهما كمثل ذئبين جائعين. والذئب يوصف بالشراسة والطيش، فكيف إذا كان جائعا، ثم أرسل في غنم، لم يمنعه منه أحد؟ فإنه يفسد فيها إفسادا عظيما. فكذلك الحرص على المال والشرف من أعظم ما يفسد الدين. ومعناه: أن المسلم ينبغي عليه أن يحرص على الحذر من هذين، أو من هاتين الشهوتين. والحديث حديث حسن. وقد شرح هذا الحديث الحافظ ابن رجب رحمه الله برسالة، لعظم ما تضمنه هذا الحديث من معنى. قال: «فأخبر أن حرص المرء على المال والرياسة يفسد دينه». قال: «مثل أو أكثر من إرسال الذئبين الجائعين لزريبة الغنم». وقوله: «مثل أو أكثر». لأن إفساد الذئاب سيكون إفسادا حسيا. وأما إفساد المال والرئاسة فليس إفساد حسي فحسب، بل حسي ومعنوي. وإفساد للدين وللدنيا. الذئب إذا أفسد سيفسد الدنيا فقط. وأما المال والشرف سيفسد، والرئاسة سيفسد الدين والدنيا معا. قال: «وقد أخبر الله تعالى عن الذي يؤتى كتابه بشماله، أنه يقول: ما أغنى عني مالي، هلك عني سلطاني». وغاية مريد الرياسة أن يكون كفرعون، وجامع المال أن يكون كقارون. وقد بين الله تعالى بكتابه حال فرعون وقارون. فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾. وقال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. والمعنى: أن صاحب المال إذا لم يوجهه في طاعة الله، فأخذه بغير حقه، ووضعه كذلك في غير حقه الذي يوضع فيه، ومنعه من مستحقه، فإنه يكون حجة عليه. فلا ينتفع به يوم القيامة. وهكذا أيضا صاحب السلطان. ولهذا قرن بين هذين الأمرين، كما قرن في الحديث: «ما أغنى عني مالي، هلك عني سلطاني». فمن أعظم ما يفسد به الدين والدنيا: المال والرئاسة. وكذلك ضرب المثل بقارون وفرعون. فمن أعظم ما يفسد الدين والدنيا: المال والرئاسة. ففرعون مثال الرئاسة، وقارون مثال المال. قال رحمه الله: «فإن الناس أربعة أقسام». القسم الأول: يريدون العلو على الناس، والفساد في الأرض، وهو معصية الله. وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون كفرعون وحزبه. وهؤلاء هم شرار الخلق. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. فمن حرص على الملك، والرئاسة لشهوة نفسه، والتسلط على الخلق، ففيه شبه من فرعون. ومن حرص على المال لشهوة نفسه، والعلو في الأرض، ففيه شبه من قارون. قال: «وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر، ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان». فقال رجل: يا رسول الله، إنه يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنا، أفمن الكبر ذلك؟ قال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». فبطر الحق دفعه، وجحده. وغمط الناس احتقارهم، وازدراؤهم. وهذا حال من يريد العلو والفساد. والشاهد من هذا: أن الكبر فسره النبي صلى الله عليه وسلم بطر الحق، وغمط الناس. وهذا يكون لمن كان يريد العلو والفساد بالمال، أو بالرئاسة. فليس مما ينافي الحق أن يرى الله أثر نعمته على عبده. لأن الله جميل يحب الجمال. ولأن ذلك من شكر نعمة الله. لكن من أعظم الفساد: أن يتخذ ذلك المال أو تلك الرئاسة في العلو والفساد، العلو في الأرض والفساد. وذلك من معاني الكبر الذي به يكون بطر الحق وغمط الناس. والشاهد: أن هذا من أعظم ما يكون به فساد الدين والدنيا. قال: «والقسم الثاني: الذين يريدون الفساد بلا علو، كالسراق المجرمين من سفلة الناس». ومعنى أن هؤلاء فسادهم بأخذ الأموال، والنهب، والسرق، وهم لا يطلبون العلو لأنه لا يمكنهم ذلك. وهؤلاء مفسدون يفسد بهم كذلك الدين والدنيا. قال: «والقسم الثالث: يريد العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلو به على غيرهم من الناس، كالعالم الذي لا يعمل بعلمه». قال: «وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة، الذين لا يريدون علوا في الأرض، ولا فسادا». مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم. كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهْنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَهْنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السِّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾. وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾. مع أن غيرهم قد يؤذيهم، ويخزيهم، ويحزنهم، ويهينهم، لكنهم عند الله عز وجل هم الأعلون. والغلب لهم بإذن الله تعالى. فقال: «فكم ممن يريد العلو، ولا يزيده ذلك إلا سفولا؟ وكم ممن جعل من الأعلين، وهو لا يريد العلو ولا الفساد؟» يعني رفعه الله بإيمانه، وبعلمه. قال: «وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم، لأن الناس من جنس واحد». فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى، ونظيره تحته، ظلم. ومع أنه ظلم، فالناس يبغضون من يكون كذلك، ويعادونه، خصوصا إذا حرص عليه. لكن إذا لم يحرص عليه، فالعكس، الناس يرون من صلاحه، ومن خيره، مع زهده عن هذه الرئاسة، وهذا العلو فيرون أنه هو الأهل، وهو أفضل، وأحسن من يولى لذلك. قال: «لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهورا لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر». يعني هذا فيما بين الناس، على اختلاف دينهم. قال: «ثم إنه مع هذا لا بد له في العقل والدين من أن يكون بعضهم فوق بعض، كما قدمناه». كما أن الجسد لا يصلح إلا بالرأس. يعني مع تفاوت دين الناس، وعقولهم، فهم يعلمون أنه لا بد لهم من رأس يقود ذلك المجتمع. ولكن المطلوب في الشرع: أن يكون ممن لا يريد العلو ولا الفساد. طيب إلى هنا، والله تعالى أعلم.