شرح السياسة الشرعية  1

شرح السياسة الشرعية 1

الدرس في شرح السياسة الشرعية 1، الدرس الأول:من( ترجمة المؤلف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية ومقدمة الكتاب

يبدأ الشيخ عبد الله بن عمر بن بريك شرح كتاب "السياسة الشرعية" لابن تيمية بترجمة مختصرة لشيخ الإسلام، ويشير إلى أهمية الكتاب ومؤلفه. يذكر بعضًا من شيوخ ابن تيمية الذين سمع منهم.

نشأة ابن تيمية وطلبه للعلم وتفوقه

ابن تيمية نشأ في بيئة علم ودين وتفوق في العديد من العلوم منذ صغره. أقبل على طلب العلم وتفوق فيه، وأفتى وله تسع عشرة سنة وشرع في التأليف.

صفات ومآثر ابن تيمية وثناء العلماء عليه

يصف المقطع عيش ابن تيمية الطيب رغم المحن، ويذكر أقوال العلماء فيه، ويبرز قوة نفسه وانشراح صدره. كما يذكر بعض أقواله التي تدل على يقينه وثباته.

خاتمة الدرس والإشارة إلى درس لاحق

يذكر المقطع مقدرة بعض الأشخاص على الحفظ السريع، ويشير إلى انتهاء الوقت ونية استكمال الموضوع في درس لاحق. تم الإشارة إلى بعض مآثر ابن تيمية.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا أول مجالسنا في القراءة والتعليق بما يتيسر في كتاب عظيم لإمام أعظم، وهو كتاب «السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية» لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب بعنوانه يدلنا على ما يتضمنه من مباحث عظيمة جليلة مهمة، لا يستغني عنها مسلم، فضلاً عن من له عناية بالعلم الشرعي، أو كانت له مسؤولية من المسؤوليات أو رعاية من الرعايات. وسيأتي معنا إن شاء الله في مدلول هذا المبحث ما يدل على أهمية هذا الموضوع. وأعظم من ذلك أن يكون هذا الطرح من مثل هذا الإمام الجليل، الذي لا يخفى علينا من سيرته ومن كذلك حياته العلمية والعملية، وما ظهر في مؤلفاته ما يدلنا إلى أهمية هذا الكتاب، خصوصاً وأنه طرق من مثل هذا الإمام. ونقرأ ترجمة مختصرة عن هذا الإمام الجليل لنتوصل بذلك إلى ما كان عليه رحمه الله تعالى من العلم والجد والاجتهاد والتحقيق والتدقيق. وبه نعرف كذلك أن مؤلفاته إذا وضعت فإنها وضعت من مثل هذا العلم الهمام، رحمه الله تعالى رحمة واسعة. وهذه الترجمة كما أشار المعلق عندكم ببعض الطبعات، أنها مقتبسة من كتاب «العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية» لتلميذه ابن عبد الهادي، مع بعض ما ترونه من إدراجات مما أخذ من كلام الإمام الذهبي رحمه الله وغيره من أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «قال هو الشيخ الإمام الرباني، والرباني إمام لأمته ومفتي الأمة، وبحر العلوم، سيد الحفاظ، وفارس المعاني والألفاظ، فريد العصري، وقريع الدهري، وشيخ الإسلام، بركة الأنام، قارع المبتدعين، وآخر المجتهدين». وكل ما سبق أو صاف تنطبق على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وكونه آخر المجتهدين عند المنصفين يعلم أنه لا يعلم بعد شيخ الإسلام أحد بلغ مبلغه في جمع العلوم. وإن كان قد يوجد من هو أنبغ منه في أحد العلوم. نعم، في أحد العلوم قد يوجد من هو أنبغ منه، وأما في جمعه مع صلابته على الحق ونصرته للسنة واستقامته على سير سلف الأمة، فلا يعلم بعد شيخ الإسلام في تاريخ المسلمين أحد نبغ كنبوغه واجتهد كاجتهاده. فصدق رحمه الله. قال: «وآخر المجتهدين تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ الإمام العلام شهاب الدين أبو المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلام، شيخ الإسلام مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن أبي محمد بن علي بن عبد الله بن تيمية الحراني، نزيل دمشق، وصاحب التصانيف التي لم يسبق إلى مثلها». وفي كونه ابن عالم بن عالم يدلك على أثر العلم على أهله، وكيف إذا اجتهد أهل العلم على أبنائهم وحرصوا، فإنهم بإذن الله تعالى يكون لهم شأن عظيم، خصوصاً إذا اعتني بهم من الصغر. وسيأتي معنا في ثنايا هذه الترجمة ما يدلنا على شيء من ذلك. قال رحمه الله تعالى: «سبب تسميته بابن تيمية، قيل إن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء -اسم بلدة- فرأى هناك طفلة، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتاً، فقال: يا تيمية يا تيمية، فلقب بذلك». قال: «مولده، ولد شيخنا أبو العباس بحران يوم الاثنين عاشر -وقيل ثاني عشر- شهر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة هجرية». قال الشيخ: «وشيوخه الذين سمع منهم أكثر من مئتي شيخ، وقدموا دمشق في أثناء سنة سبع وستين وستمائة، فسمعوا من الشيخ زين الدين أحمد بن عبد الدائم بن نعمة المقدسي جزء بن عرفة كله. ثم سمع شيخنا الكثير من ابن أبي اليسر، والكمال ابن عبد والمجد بن عساكر، وأصحاب الخشوع، ومن الجمال يحيى بن الصيرفي، وأحمد بن الخير، والقاسم الأديلي، والشيخ فخر الدين بن البخاري، والكمال الرحيم، وأبي القاسم بن علان، وأحمد بن شيبان، وخلق كثير. وعنى بالحديث، وقرأ ونسخ، وتعلم الخط والحساب. ومعرفة شيخ الإسلام ابن تيمية بالحديث عجيبة، حتى ذكر عنه بعض تلامذته أن الحديث الذي لا يعرفه فليس بحديث، لسعة اطلاعه ومعرفته بالحديث. وكما تقدم، وإن كان في باب التخصص ومعرفة العلل والتصحيح والتضعيف قد يكون هناك من هو أعلى منه لشدة أو لكثرة اعتنائه بهذا الفن، لكن بالجملة هو من العلماء الجامعين، رحمه الله تعالى». قال: «وتعلم الخط والحساب في الكتب، وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ العربية على ابن عبد القوي، ثم فصمها، وأخذ يتأمل الكتاب سيبويه حتى فهم في النحو. وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً. وانظر إلى تبحرهم في العلوم، فما كانوا يأخذون المختصرات فيكتفون، بل وكذلك يقرؤون في بعض المطولات ويتأملون. وهكذا ينبغي لطلبة العلم إذا قطعوا شوطاً من العلم لم ينقطعوا عن أخذ العلوم. فمثلاً علم العربية يدرس ويدرس، ثم لا يقف حده عند كتاب، بل ينبغي أن يكون له ورد كما كان المشايخ والعلماء يسيرون في قراءة كتب هذا العلم، خصوصاً إذا فتح الله عز وجل عليه، فإنه يستطيع أن يقرأ قراءة متأمل مدقق محرر، فيكون له ما لا يكون لغيره. ولا يخف علينا تلك المناظرة التي جرت بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع بعض أقرانه في كتاب سيبويه». قال: «وأقبل على التفسير إقبالاً كلياً حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه وغير ذلك». وهذا لأجل أن نعلم كذلك أن أخذ العلوم وإتقانها سبب للنبوغ وللرسوخ. فمهم جداً أن يعتني طالب العلم بالعلوم وأن يجمعها ويتقنها. قال: «هذا كله وهو ابن بضع عشرة سنة، رحمه الله رحمة واسعة». يعني أخذ هذا كله وهو لم يبلغ عشرين سنة. وبه تعرف أن طريق العلم مشواره طويل، ويحتاج لجد واجتهاد. ولهذا برز مثل هذا الإمام، رحمه الله. قال: «نشأته، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي رحمه الله: نشأ -يعني الشيخ تقي الدين- رحمه الله في تصوف تام وعفاف. ومرادهم بالتصوف ليس تصوف المتصوفة في عرفنا، وإنما مراده تصوف المتقدمين الذي يقصد به الزهد. أي نشأ في حياة فيها شيء من التقشف والزهد، فلم يكن من أسرة غنية، رحمه الله». قال: «قال في تصوف تام وعفاف وتأله وتعبد واقتصاد في الملبس والمأكل، وذلك لثلاثة أمور: كونه أولاً ليس من أسرة غنية، وكونه ثانياً من أسرة علم ودين، وكونه ثالثاً توجه لطريق العلم وتربى بين أيدي العلماء. فهذه الأمور الثلاثة، وربما أتحفتها غيرها، أعانت أن يكون على هذه التربية، رحمه الله تعالى». قال: «وكان يحضر المدارس والمحافل في صغره ويناظر ويفحم الكبار. ولكن من قرأ في بعض سيرته وجد أن مناظرته مناظرة أدب لا مناظرة تطاول وعجب وغرور، وإنما غرضه من تلك المناظرات أو المناقشات هو إظهار الحق وبيان العلم، وكذلك الكشف عن الصواب، سواء أكان معه أو كان مع غيره. وكثيراً بل هذا هو الغالب على الظن أن يكون الحق معه، ولكنه يحب أن يظهره لغيره، لأن الكثير من الناس في زمانه يأخذ العلم على وجه التسليم من غير تحقيق ولا تدقيق. وكان رحمه الله في طريقته العلمية يحقق ويدقق». قال: «ويأتي بما يتحير منه أعيان البلد في العلم، فأفتى وله تسع عشرة سنة، بل أقل، وشرع في الجمع والتأليف من ذلك الوقت، وأكب على الاشتغال. وكونه أفتى لا يعني أنه تصدر للفتيا، ولكن أنه مكن من الفتيا وأذن له لعلمهم أنه أهل لذلك. وما كان العلماء من قبل يفتون حتى يؤذن لهم بالفتيا». قال: «وما توالده، وكان من كبار الحنابلة وإمامهم، فدرس بعده بوظائفه، وله إحدى وعشرون سنة، واشتهر أمره وبعد صيته في العالم -يعني صار من المراجع عند علماء الحنابلة- وهو ابن إحدى وعشرين سنة». قال: «أخذ في تفسير الكتاب العزيز في الجمع على الكرسي من حفظه، فكان يورد المجلس ولا يتلعثم. وكذا كان الدرس بتأوده وصوت جهوري فصيح. قال أبو عمر: وقد حبس رضي الله عنه أكثر من مرة، بل مات رحمه الله وهو في السجن كما سيأتي. وحتى لا يطول بنا المقام نقتصر على هذه الكلمات بالنسبة لسجنه، وهذا تصرف يسير من المعلق واختصار للترجمة». قال: «أما أقوال العلماء فيه فقد شاع صيته بكل مكان. وللاقتصار والاختصار أنقلوا للقارئ ما قاله تلميذه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله عنه، مقتبساً من مقدمة الشيخ الفقير رحمه الله. قال ابن القيم: وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً وأقواهم نفساً، تلوح نظرة النعيم على وجهه. وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنا ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة. فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها. وهذا من عظيم فضل الله وعاجل بشراه لعباده المتقين المؤمنين. هذا حسب أهل العلم فيمن ظهر منه صالح العمل، ولا يزكون على الله أحداً، ولكن هذا هو الظن الحسن بأمثال هؤلاء الأئمة، رحمهم الله تعالى». قال: «ومن أقواله رحمه الله ما نقله تلميذه شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله، فقال: سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، ويريد بذلك جنة العلم النافع والعمل الصالح». قال: «وقال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي لا تفارقني. أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة. وكان في حبسه يقول: لو بذلت ملء هذه القلعة ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة -يعني ما هو فيه- رحمه الله تعالى رحمة واسعة، مع ما يبتلى به وما ابتلي به رحمه الله. ولكن يدلك على ما عوضه الله جل وعلا من اليقين والنعيم المعنوي، وإن كان ابتلي في دنياه، رحمه الله تعالى». قال: «وقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه. والمعنى: ولو حبس فهو ليس بمحبوس ما دام قلبه منشرحاً بربه سبحانه وتعالى وعبادته، وأنه مهما أسر فهو ليس بمأسور ما دام هواه لم يأسره، بل هو في طلاقة دين الله عز وجل وعبودية ربه». قال: «قصة من عجائب حفظه رحمه الله، قال ابن عبد الهادي: واتفق أن بعض مشايخ العلماء بحلب قدم إلى دمشق، وقال: سمعت في البلاد بصبي يقال له أحمد بن تيمية وأنه سريع الحفظ، وقد جئت قاصداً لعلي أراه. فقال له خياط: هذا طريق كتابه -يعني الكتاب مكان الذي يتعلم فيه الأولاد- قال: وهو إلى الآن ما جاء، فاقعد عندنا الساعة يجيء يعبر علينا ذاهباً إلى الكتاب. قال: فجلس الشيخ الحلبي قليلاً، فمر صبيان، فقال الخياط للحلبي: هذا الصبي الذي معه اللوح الكبير هو أحمد بن تيمية، رحمه الله. وتأمل قوله: اللوح الكبير، يدلك أنه كان حريصاً من صغره على جمع معلومات أكثر وكتابة ما هو أكثر مما يكتبه زملاؤه وأقرانه من الطلاب». قال: «فناداه الشيخ فجاء به إليه، فتناول الشيخ اللوح فنظر فيه، ثم قال: يا ولدي امسح هذا حتى أملي عليك شيئاً تكتبه، ففعل، فأمل عليه من الأحاديث أحد عشر أو ثلاثة عشر حديثاً، وقال له: اقرأ هذا. فلم يزد على أن تأمله مرة بعد كتابته إياه، ثم دفعه إليه -يعني وقرأه حفظاً- وقال: أسمعه علي، فقرأه عليه عرضاً كأحسن ما أنت سامع. فقال له: يا ولدي امسح هذا، ففعل، فأمل عليه عدة أسانيد تخبها، ثم قال: اقرأ هذا. قال: فنظر فيه كما فعل أول مرة. فقال الشيخ وهو يقول: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله -أو كما قال- رحمه الله». ومن يتأمل كتابات شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأكثرها قد ألفها في السجن، ومجلسه في التفسير الذي مر معنا كان يمليه إملاءً من حفظه، تعلم العلم الغزير الذي قد حواه في صدره وقد حفظه حفظاً. وقد ذكر في ترجمته أنه ربما قرأ الكتاب مرة ونظر فيه، فإذا هو قد حفظ. طيب، نقف لهنا وذلك لينتهي الوقت، نكمل إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم. شكراً.