الدرس في التعليقات على شرح الورقات 5، الدرس الخامس (2-والأمر استدعاء الفعل بالقول ... أو التسوية نحو فاصبروا أو لا تصبروا أو التكوين نحو كونوا قردة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
الأمر في الشريعة هو طلب الفعل بالقول أو الإشارة أو الفعل مع القرينة، ويقتضي الوجوب إلا إذا وجدت قرينة تصرفه عنه. ولا يقتضي التكرار أو الفورية إلا إذا دل الدليل على ذلك.
الكفار والصبي والمجنون لا يدخلون في خطاب التكليف، ولكن قد يدخلون في خطاب الوضع. يُفرق بين خطاب التكليف وخطاب الوضع، ويشرح كيفية التعامل مع أفعالهم وأحكامها في الشريعة.
الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، والنهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده إذا كان له ضد واحد. كما يُناقش دلالة النهي على الفساد في العبادات والمعاملات.
صيغة الأمر في اللغة العربية لا تقتصر على الوجوب، بل قد تفيد الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين حسب السياق والقرائن اللفظية والمعنوية. يُقدم أمثلة قرآنية لتوضيح هذه الدلالات المختلفة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: والأمر والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. فإن كان الاستدعاء من المساوي سمي التماسًا، ومن الأعلى سمي سؤالًا. وإن لم يكن على سبيل الوجوب بأن جوز الترك، وظاهره أنه ليس بأمر أي في الحقيقة. والصيغة الدالة عليه: «افعل» نحو: اضرب، وأكرم، واشرب. وفي عند الإطلاق والتجرج عن القرين الصارف عن طلب الفعل، تحمل عليه أي على الوجوب، نحو: قيم الصلاة. إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب والإباحة، فيحمل عليه. قال: أي على الندب أو الإباحة. مثال الندب: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، ومثال الإباحة: ﴿فَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. وقد أجمع على عدم وجوب الكتابة وصل الإصطياد. ولا يقتضي التكرار على الصحيح؛ لأن ما قصد به من تحسين المأمور به يتحقق بالمرة الواحدة. والأصل براءة الذمة مما زاد عليها، إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار، فيعمل به، كالأمر بالصلاة الخمس، والأمر بصوم رمضان. طيب، ذكر بهذا المبحث مجموعة من المسائل فيما يتعلق بالأمر. أولًا: فسر الأمر بأنه استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه. استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، هذا تعريف المؤلف رحمه الله. ويقول: هو استدعاء الفعل بالقول. وعلى هذا فعندهم أن الأمر لا يكون إلا بالقول أولًا. وهذا فيه نظر، هؤلاء الأصوليين والصواب أنه بالشرع أوسع من ذلك؛ فإن الأمر بالشرع يكون بالقول، ويكون كذلك بالإشارة، بل وبالفعل مع القرينة. فمثال الإشارة حديث كعب بن مالك في الصحيح، حين أشار إليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن «أنضع عنه الشطر»، فهذا أمر من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقد استفدنا الأمر من الإشارة، وليس من القول. فالصحيح أن الأمر يستفاد بغير القول. وهكذا كذلك بالفعل، كذلك قد يكون استفادة هذا الأمر يكون بالفعل إذا وجدت القرينة على ذلك، كمواظبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على شيء مع وجود النص العام، فإنه يفيد كذلك معنى الطلب، يفيد معنى الطلب كما في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، وتفاصيل ذلك التي داوم عليها عليه الصلاة والسلام. طيب، ثم المسألة الثانية: نبه رحمه الله إلى أن صيغتها «افعل»، وهذا هو الغالب. وإن لا، فللأمر صيغة كثيرة يذكرونها في المطولات. هذا من جهة القول. وإن لا، كما مر معنا، فإن صيغة الأمر تكون بالقول، وتكون بغير القول على الصحيح الذي دلت عليه الأدلة الشرعية. ثم المسألة الثالثة: أن الأمر يفيد الوجوب، هذا هو الأصل فيه إلا لصارف. والدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، فعلم أن الأمر لا بد من امتثاله؛ لأنه حذر حذر الرب جل وعلا من مخالفته، وتوعد على ذلك. ومنه كذلك قوله جل وعلا: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، تعلم بهذا أن هذا الأمر من وجوب. ولو لم يكن الأمر المطلق للوجوب، لكان إبليس حجة في عدم امتثال الأمر. ولكن الأصل أن الأمر للوجوب إلا إذا وجد الصارف. وهذا الصارف، قال: القرينة الصارفة، يعني هي قرينة. وهذه قرينة قد تكون لفظية، وقد تكون معنوية. مثال اللفظية: وجوز لفظ يدل على عدم الوجوب، كالمثال الأول الذي مثل به: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾، فإن هذا السياق، وهو هذا الشرط «إن علمتم فيهم خيرا» يدل على أنه ليس للوجوب. والقرينة المعنوية: المثال الثاني ﴿فَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، فإن الإصطياد مباح قبل النهي، ثم بعد الأمر رجع إلى ما كان عليه قبل الحضر. هذا هو الصواب: أن الأمر بعد الحضر يرجع إلى ما كان عليه قبل الحضر. فقوله: ﴿فَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، رجع حكم الصيد إلى ما كان قبل المنع؛ لأجل الإحرام. طيب، والمسألة كذلك التي بعدها: قال: «ولا يقتضي التكرار على الصحيح؛ لأن ما قصد به من تحصيل ما أمور به يتحقق بالمرة الواحدة». كذلك من مسائل الأمر أنه لا يقتضي التكرار، بل لا يطلب التكرار إلا إذا دلت القرينة عليه. ولهذا أدلة كثيرة، فمن آي الأدلة: الأصل براءة الذمة. الأصل براءة الذمة، وهذا الذي استدل به. قال: «والأصل براءة الذمة مما زاد عليها إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار». ولهذا توجد قرينة في كل أمر يقصد به التكرار تدل على هذا التكرار، كالصلوات الخمس والصوم. فالتكرار قد يكون بالعدد، وقد يكون بالصفة. فإذا وجدت الصفة وجد الحكم. إذا وجدت الصفة وجد الحكم. قال: «والأمر بصوم رمضان». قال: ومقابل الصحيح: إنه يقتضي التكرار، فيستوعب الأمور بالمطلوب ما يمكنه من زمان العمر، حيث لا بيان لأمد المأمور به؛ لانتفاع مرجح بعضه على بعض. يعني يقول: هذا هو الصحيح الذي فات، ومقابل الصحيح أي قول آخر: أنه يقتضي التكرار. وماذا عللوا؟ طال فيستوعب الأمور، لعل صوابه: الأمر بالمطلوب ما يمكنه من زمان العمر، حيث لا بيان لأمد المأمور به؛ لانتفاع مرجح بعضه على بعض. يقول: كأنه يقول: يعني الأحوط أن تمتثل ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، أن تمتثل ما استطعت إلى ذلك سبيلًا. هذا هو الأصل الشرح حلقا للأمور. ولا قال: الأمر ما ذكر. طيب، وهذا القول ضعيف، مناف للأدلة الشرعية الكثيرة التي تدل على عدم التكرار؛ إذ لو قصد التكرار لدل الدليل عليه. الأصل البراءة، كقوله عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». وكقوله: «الرجل في كل عام؟ يا رسول الله! قال: لو قلت نعم لوجبت». فإن هذا يدل على ذلك، على أن الأصل هو عدم التكرار؛ فإنه لو أراد التكرار عليه الصلاة والسلام لقال. ثم، لقال. ثم قال رحمه الله: «ولا يقتضي الفور؛ لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني». وقيل: يقتضي الفور. وعلى ذلك يحمل قول من يقول: إنه يقتضي التكرار. وهذه مسألة أخرى من مسائل الأمر: هل الأمر يقتضي الفورية أو لا يقتضي الفورية؟ والصحيح: أنه يقتضي الفورية لعمومات الأدلة في ذلك. فمن ذلك: قصة إبليس؛ فإن الله جل وعلا لعنه وطرده لعدم امتثاله ومبادرته إلى ذلك. فدل ذلك على أن الأمر يقتضي الفورية. هذا هو الأصل، إلا الأمر الموسع؛ فإن كان الأمر موسعًا، ودل الدليل على عدم الفورية فيكون كذلك. ومن السنة كذلك: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قصة الحديبية، حين دخل على زوجه أم سلمة، فقال: «هلك أصحابي». وذلك لعدم امتثالهم لأمره عليه الصلاة والسلام. فعلم أن الأمر يقتضي الفورية. لو لم يقتضي الفورية لما كان في ذلك ما يفعله سبب لهلاكهم. وهناك أدلة أخرى كثيرة بهذا المعنى. إلا إن دل الدليل على عدم الفورية، فالعبرة بذلك الدليل. كما قلنا: من ذلك أن يكون الوقت موسعًا، مثل ما جعله في الصلوات الخمس. فقد جاء جبريل عليه الصلاة والسلام، كما في حديث ابن عباس، ومعناه من حديث جابر: صلى بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أول الوقت، ثم جاءه اليوم الثاني، فصل به في آخر الوقت، وقال: «بين هذين الوقتين صلاة». فعلم أن وقتها -وهي مأمور بها- موسع. قال: «والأمر بإيجاد الفعل، أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به». أولًا، قبل هذا قوله: «وقيل يقتضي الفور»، هذا دليل منه على تضعيف هذا القول؛ لأنه ورده بصيغة، هذه صيغة التضعيف. قال: «وعلى ذلك احمل قول من يقول: إنه يقتضي التكرار». يعني قال: «وقيل يقتضي الفور»، ما علاقة أنه يقتضي الفور أو لا يقتضي الفور بالنسبة للتكرار؟ وجه العلاقة: أنهم جعلوا تلازمًا بين الفورية والتكرار. والصحيح: أنه لا تلازم بينهما. فقلنا: أن الصواب عدم التكرار، والصواب الفورية بدلالة الأدلة. لكن المؤلف رحمه الله ذهب إلى هذا التلازم؛ لأنه يرى أن التكرار من لوازم الفورية. التكرار من لوازم الفورية. يعني: كيف يقول؟ إذا كنت تقول بالتكرار، فيلزم منك أنك تباشر بالفعل. كيف تباشر بالفعل؟ قال: لأنك إذا قلت بالاحتياط: أنه يقتضي التكرار، فتعمل بذلك وتستمر -كما ذكر قبل قليل- فيقول: إذن يلزم من ذلك أنه من باب أو لا أن تحتاط باحتياط آخر أعظم منه. ما هو الاحتياط الأعظم؟ أنك تبادر بالفورية. إذا كنت تحتاط بأنك تستمر بالعمل وتكرر العمل، فعليك احتياط أعظم منه، وهو إيش؟ وهو المبادرة بالعمل. والصحيح: أنه لا تلازم بين الأمرين؛ لأن الدليل هو الذي يفرق بينهما. فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو قلت نعم»، إيش؟ «لو وجبت». فما قال النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فأفاد ذلك أن الأصل في الأمر لا يفيد التكرار. وأنه لو كان يريد التكرار لبين ذلك في نفس الأمر. فنقول: الدليل هو الذي يفرق الدليل هو الذي يفرق بين الأمرين. وأما الفورية، فقد جاء الدليل كما سبق. قال: «والأمر بإيجاز الفعل، أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به». كالأمر بالصلاة، أمر بالطهارة المؤدية إليها؛ بأن الصلاة لا تصح بدونها. طيب، كذلك هذه القاعدة: الأمر بالفعل، أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به. فالأمر بالصلاة، أمر بالطهارة المؤدية إليها. وهو قولهم: «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب». لكن هنا ينبهون دائمًا أنه يفرق بين الواجب والوجوب. فالوجوب من خطاب الوضع الذي لم يؤمر به العبد. فعلى هذا: ليس «ما لا يتم الوجوب به فهو واجب»، لا. بل «ما لا يتم الواجب به فهو واجب». كالطهارة بالنسبة للصلاة، وهكذا شراء الماء بالنسبة للوضوء. فإذا كان رجل مستطيع لشراء الماء، ولا يوجد الماء إلا بشراء، فيجب أن يشتري الماء ليتوضأ. يجب. قال: «وإذا فعل» أو «وإذا فعل» بالبناء بالمفعول، أي المأمور به، «يخرج المأمور عن العهدة»، أي عهدة الأمر، «ويتصف الفعل بالإجزاء». إذا فعل المأمور سقط عنه العهدة. وهذا من المؤلف -أي صاحب المتن- يفيد أن الأمر لا يقتضي التكرار، بل إذا فعل ولو مرة واحدة أجزأه ذلك؛ حتى يأتي دليل يدل على التكرار. طيب، قال: تنبيه: «الذي يدخل في الأمر والنهي وما لا يدخل». هذه ترجمة: «يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون». يعني يريد يقول: من الذي يدخل في الأمر والنهي؟ ومن الذي لا يدخل؟ من المخاطب بهذا الأمر؟ ومن غير المخاطب؟ قال: «يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون». وسائر الكلام في الكفار، والساهي، والصبي، والمجنون، فهم غير داخلين في الخطاب؛ لانتفاء التكليف عنهم. والصواب: أنهم يدخلون باعتبار خطاب الوضع. وأما خطاب التكليف، فنعم لا يدخلون بالنسبة لأنفسهم، ويدخلون بالنسبة لأوليائهم. فيؤمر ولي الصبي أن يمنعه من المحرمات، ويأمره بالواجبات من سن سبع سنين، ويضربه عليها من سن عشر. طيب، قال: «ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، فقضاء ما فات من الصلاة، وضمان ما أتلف من المال». وهنا قاعدتان: القاعدة الأولى: أنه يفرق بين خطاب الوضع وخطاب التكليف. فخطاب التكليف لا يخاطب به من لا يوجد فيه سبب التكليف، وهو البلوغ والعقل. البلوغ والعقل. وأما خطاب الوضع، فكما أمر معنا، فإنه يتعلق به الضمان، ولو كان ذلك من غير المكلف. والقاعدة الثانية: أن خطاب التكليف يفرق فيه بين ترك المأمور وفعل المحظور. فإن ترك المأمور يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم. وأما فعل المحظور، فإنه إن وقع مع وجود سبب عدم التكليف، فإنه يسقط الإثم والحكم. معنا مثاله: الساهي إذا سها فلم يتوضأ، وصل، فإنه لا يسقط عنه حكم هذه الصلاة، بل متى ما تذكر يعيد الوضوء والصلاة؛ لأنه ترك مأمور. فيسقط عنه الإثم فيما فعله من أمر الصلاة الناقصة، ولكن لا يسقط عنه الحكم، بل الحكم يبقى في حقه. يبقى في حقه بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاته أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها». بينما فعل المحظور إذا فعل الإنسان المحظور وهو فيه هذا الوصف، فإنه يسقط الإثم والحكم. معنا، ودليله: حديث أبي هريرة في الصحيحين في الصائم، قال: «إنما طعمه الله وسقاه». «الصوم صحيح، ولا إثم عليه». «الصوم صحيح، ولا إثم عليه». فخلاف ما إذا كان هذا في مأمور. وعلى هذا: يزول الإشكال في مسألة عدم ذكر الله في الدبيحة؛ لأنه فعل مأمور، أو ارتكاب محظور. فعل مأمور، فهو ترك المأمور، فيسقط الإثم بالنسيان، لكن ما يسقط الحكم. الذبيحة مطالب فيها ذكر اسم الله، فلا تحل. لا تحل هذه الذبيحة؛ لعدم ذكر اسم الله عليها. طيب، فعلى هذا: يزول الإشكال في الأمثلة التي ذكرها رحمه الله. قال: «ويؤمر الساهي بعد ذهاب السهو عنه بجبر خلل السهو، فقضاء ما فات من الصلاة، وضمان ما أتلف من المال». والكفار مخاطبون بفروع الشرائع، ويما لا تصح إلا به، وهو الإسلام. في قوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾. وفائدة خطابهم بها: عقابهم عليها؛ إذ لا تصح منهم بحال الكفر؛ لتوقفها على النية المتوقفة على الإسلام. ولا يواخذون بها بعد الإسلام ترغيبًا فيه. والأمر بالشيء، طيب. الآن انتهى. أولًا: لماذا يذكرون الكفار، وأنهم مخاطبون بفروع الشريعة؟ ما علاقة هذا بعلم الأصول؟ علاقة هذا بعلم الأصول: أنهم لما تكلموا عن الأمر والنهي: من يخاطب به؟ ومن لا يخاطب؟ ناس بأن يذكروا من يخاطب من باب تكملة القسمة. ولو لم يكن ذلك له علاقة بإيش؟ بالأحكام الفقهية. الأمر الثاني الذي لأجله أدخل هذه المسألة، وهي: الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أو لا؟ هو كذلك تولعهم بالمسائل الكلامية؛ فإن هذه المسألة مما تنازع فيها أهل الكلام. فلذلك هم يذكرون مثل هذه المسائل، وينبهون عليها بمثل هذا الموضع. طيب، ثم ذكر قال رحمه الله: «والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده». فإذا قال له: اسكن، كان ناهيًا له عن التحرك. أو «لا تتحرك» كان آمرًا له بالسكون. والصواب في هذه المسألة: أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، وإنما يستلزم النهي عن ضده. الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده، والنهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده إذا كان له ضد واحد. وأما إذا كان له أضداد كثيرة، فإنه لا يستلزم. مثاله: أما الأول: مثال الأمر بالشيء: أنه يستلزم النهي عن ضده. مثلا: الأمر بالصلاة يستلزم النهي عن كل ما ينافي هذه الصلاة. يستلزم، لكن ليس أنه يستلزم هو عين النهي عن ما سوى الصلاة. لا؛ لأن الأمر غير النهي. وإنما مبنى هذه المسألة على مسألة كلامية: وهو أن الأشاعرة يرون أن كلام الله جل وعلا الذي هو محط الأمر والنهي: عبارة عن كلام نفسي. والكلام النفسي قبل خروجه إلى الواقع مختلط، لا يفرق فيه بين أمر ونهي، ولا خبر ولا استخبار. وبعد خروجه يصير أمر ونهي وخبر واستخبار. ولهذا يقولون: الأمر بالشيء عين النهي عن ضده؛ لأنهم عندهم لا فرق بين هذا وهذا. وهذا قد رد عليه غير واحد من أهل العلم على هذا الخطأ في هذه المسألة: وأن مبنى على الضلال في مسألة الكلام. المبحث الثاني: «النهي عن الشيء» كذلك «ليس وعين الأمر بضده»، ولكنه يستلزمه إذا كان له ضد واحد. وأما إذا كان له أضداد كثيرة، فلا يستلزمه. مثاله: النهي عن الزنا ليس ضده الزواج، بل ضده الزواج، وضده العزوبة مع العفة، وكذلك ضده التسري. فالآن عندنا أضداد كثيرة ضد الزنا. فالنهي عن الزنا لا يستلزم هذه الأمور الثلاثة. لا يستلزم الأمر بهذه الأمور الثلاثة. إنما يستلزم المعنى العام الذي ينافي الزنا. ثم بعد ذلك يسعى الإنسان بما يناسبه، وما يكون في حقه. لكن إذا كان له ضد واحد، فإنه عند ذلك يستلزم ذاك الضد. يستلزم ذاك الضد. مثاله: نهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم -مثلا- عن قول ما سب ذكره كذب. ما عن الكذب ضد؟ صدق. نعم، ضد واحد. نهى عن الكذب، ضده الصدق. نهى عن الكذب، ضده الصدق. فهنا يكون يستلزم الأمر بضده. يستلزم الأمر بضده. وهكذا لو تتبعنا لوجدنا أن القاعدة لا تنضبق إلا بهذين القيدين: القيد الأول: أنه في الأمر يستلزم النهي عن ضده، وليس هو عين النهي عن ضده. وفي النهي يستلزم النهي عن ضده إذا كان له ضد واحد. قال: «وامر بضده إذا». قال: «لو سكن كان نهيًا له عن التحرك». لا نقول: يستلزم النهي عن التحرك، وليس هو عينه النهي عن التحرك. طيب، ونترك النهي. والله قليل. قال: نكمل. طيب، قال: «والنهي استدعاء أي طلب الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوه على وزان ما تقدم بحد الأمر». ويدل النهي المطلق شرعًا على فساد منهي عنه. طيب، المسألة الأولى: يقول: «استدعاء طلب الترك بالقول». وقلنا: الصحيح أنه بالشرع، ليس بالقول فقط، بل بالقول وبغير القول. وقوله: «ويدل النهي المطلق شرعًا على فساد المنهي عنه». في العبادات: سواء نهى عنها لعينها، كصلاة الحائض وصومها. أو لأمر لازم لها، كصوم يوم النحر، والصلاة في الأوقات المكروهة. وفي المعاملات: أن يرجع إلى نفس العقد، كما في بيع الحصاة. أو لأمر داخل فيها، كما في بيع الملاقيح. أو لأمر خارج عنه لازم له، كما في بيع درهم لدرهمين؛ فإنه غير لازم له. كالوضوء بالماء الموصوب، مثلا. وكالبيع، وكالنداء الجمعة. لم يدل على البطلان. خلافًا لما يفهمه كلام المصنف. فالصواب في هذا كله: أن يقال: أن النهي يقتضي الفساد إذا تعلق بشرطه أو بذاته. فإن تعلق النهي بذاته أو بشرطه، فإنه يقتضي الفساد. وإن لم يتعلق بذاته ولا بشرطه، فإنه لا يقتضي الفساد. فننظر الآن إلى الأمثلة التي مثل بها. قال: في العبادات: سواء نهى عنها لعينها، كصلاة الحائض. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين في حديثه لسعد: أن صواحب الحيض «أنها لا تصلي في ذلك الحيض، ولا تصوم». فهذا الخبر والنهي تعلق بذات الصلاة. فهو يقتضي الفساد. أو لأمر لازم لها، كصوم يوم النحر. وهنا صوم يوم النحر: نهى النبي عليه الصلاة والسلام عنه، كما في حديث عمر وغيره. نهى عن صوم يوم النحر. فهذا: أنه تعلق بذات الشيء، أو تعلق بوصف لازم له. بعضهم يقول: ذات، وبعضهم يقول: وصف لازم. الوصف اللازم هو وجود يوم العيد. فليس هو لذات اليوم الذي هو -مثلا- جاء العيد يوم الاثنين؛ لأنه يوم الاثنين لا، لكن لكونه ملازم له وصف. ما هو هذا الوصف؟ هو العيد. هو العيد. فيقال: سواء كان الذات المراد به وصف، أو المراد به عين، فإنه يقتضي الفساد. والصلاة في الأوقات المكروهة: والصحيح أن الصلاة في الأوقات المكروهة لا تقتضي الفساد؛ إلا في الوقت الذي يدل أن النهي فيه على التحريم؛ لأن النهي يتعلق بذات الصلاة. لكن النهي فرق فيه: فنهي ورد بصيغة تفيد التحريم، ونهي ورد بصيغة لا تفيد التحريم. ووجد فيه استثناء. وكما سيأتي معنا إن شاء الله: أن الاستثناء معيار العموم. أن الاستثناء معيار العموم. فإذا وجد الاستثناء أفاد ذلك أن هذا النهي لا يقتضي الفساد. لا يقتضي أولًا من التحريم، فهو لا يقتضي الفساد. قال: «وفي المعاملات: أن يرجع إلى نفس العقد»، يعني ذات العقد. نفس الشيء. رجعنا. فما في بيع الحصاة: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة. حلق النهي في نفس البيع. فيقتضي الفساد. قال: «أو لأمر داخل فيها»، فما في بيع الملاقيح. طيب، بيع الملاقيح: يعني بيع إما يريد به: يعني ما يكون من الفحل وتلقيحه، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. عصب الفحل. أو يريد به ما يكون من أول الحمل، فهو كذلك منهي عنه؛ لأنه يتعلق بلحظة البيع. أو لأمر خارج عنه لازم له، كما في بيع درهم بدرهمين. كما في بيع درهم بدرهمين. طيب، وليس هناك حديث في بيع درهم بدرهمين. لكن معنى معنى حديث الظهر هو الذي يريده المؤلف رحمه الله تعالى. طيب، قال: «فإن كان غير لازم له، فالوضوء بالماء الموصوب». فهذا ليس متعلق لا بالشرط ولا بالذات. فهو لا يفيد لا يفيد الفساد. قالوا: «كالبيع وقت نداء الجماعة». هل نهي عن البيع في وقت النداء للجماعة؟ لا يقتضي الفساد. فنظر إلى النهي: النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث أمر بالتحريض بالتخلف. فهل مع هذا ممكن أن يقال: أن البيع ممكن يصح؟ الجواب: لا. لا يمكن أن يصح مع هذا النهي الشديد. يدل أن النهي متعلق بذات البيع. عين البيع. من باب أولى. وهكذا من باب أولى صلاة الجمعة. أي: وترجوا أي توجدوا صيغة الأمر، والمراد به أي بالأمر: الإباحة كما تقدم، أو التهديد. قال: نحو: «اعملوا ما شئتم». هذا التهديد. أو التسوية: نحو: «فاصبروا أو لا تصبروا». أو التكوين: أي كونوا قردة. ويريد أن يقول: أن ليس كل صيغة أمر تفيد الوجوب، بل قد توجد قرينة تصرف الأمر عن الوجوب. وما كما مر معنا: أن هذه القرينة إما لفظية وإما معنوية. كما في هذه الأمثلة. طيب، معلنا بهذا القبر نكتفي. والحمد لله رب العالمين.