الدرس في شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري 28، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
استعرض الشارح أبواباً من كتاب الصيام في صحيح البخاري تتناول حق الضيف وحق الجسد، مع ذكر حديث عبد الله بن عمرو الذي نهى فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام الدهر وقيام الليل دائماً. وأرشد الحديث إلى صيام ثلاثة أيام من كل شهر أو صيام يوم وإفطار يومين، مبيناً أن صيام داود عليه السلام نصف الدهر هو أكمل الصيام.
يروي المقطع حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أراد الإكثار من الصيام والقيام، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن الإفراط وأرشده إلى صيام يوم وإفطار يوم وهو صيام داود. وحدد له النبي صلى الله عليه وسلم قراءة القرآن في أقل من سبعة أيام مراعاة للاعتدال.
أرشد النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو إلى عدم الإفراط في الصوم والقيام مراعاة لحقوق الضيف والزوجة والجسد والنفس، مبيناً أن إعطاء كل ذي حق حقه هو الأكمل. ثم أشار المصنف إلى استشهاده بهذا الحديث في تراجم قادمة وأنهى الدرس عند هذا الحد.
موقع دار الحديث بالفيوش يقدم لكم شرح كتاب الصيام من صحيح الإمام البخاري، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرع العدني رحمه الله تعالى، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، فيقول المصنف رحمه الله وهو الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الصوم: يقول: باب حق الضيف في الصوم. قال: حدثنا إسحاق، قال: أخبرنا هارون بن إسماعيل، قال: حدثنا علي، قال: حدثنا يحيى، قال: حدثني أبو سلمة، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث، يعني: «إن لزورك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا». فقلت: ما صوم داود؟ قال: نصف الدهر. وقال في الباب الذي بعده: قال: بابه حق الجسم في الصوم. قال: حدثنا ابن مقاتل، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو سلمة، أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال لي، قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟» قلت: بلى يا رسول الله. قال: «فلا تفعل، صم وأفطر، وأقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك عليك حقا، وإن بحسبك أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله». فشددت، فشدد علي، وقلت: يا رسول الله، إني أجد قوة. قال: «فصم صيام نبي الله داود عليه السلام، ولا تزد عليه». قلت: ما كان صيام نبي الله داود عليه السلام؟ قال: «نصف الدهر». فكان عبد الله يقول بعدما كبر: «يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه وسلم». وقال بعده: الحديث ونفسه يكرر على إمام البخاري رحمه الله. قال: باب صوم الدهر. قال: حدثنا عبدان، قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أن عبد الله بن عمرو قال: أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أقول: والله لأصومن النهار، ولأقومن الليل ما عشت، ولا أقوم الليل ما عشت. فقلت له: قد قلت، بأبي أنت وأمي. قال: «فإنك لا تستطيع ذلك، فصم وأفطر، وقم ونم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدهر». قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما وأفطر يومين». قلت: إني أطيق أفضل من ذلك. قال: «فصم يوما وأفطر يوما، فذلك صيام داود عليه السلام، وهو أفضل الصيام». فقلت: إني أطيق أفضل من ذلك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك». نعم، الباب الأول ذكر فيه المصنف رحمه الله هذا الحديث، وهو حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأيضا الحديث في الترجمة الثانية، وأيضا في الترجمة الثالثة. وحاصل هذا الحديث: أن عبد الله بن عمرو بن العاص، أحد الزهاد والعباد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أقسم قسما أنه ليقومن الليل وليصومن النهار، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. وفي بعض الروايات: أن أباه زوجه امرأة ذات حسب ونسب، فلم يعتن بها وقصر معها، فلقيها أبوه فقال لها: كيف حالك؟ أو كيف زوجك؟ فقالت: نعم الرجل من الرجل، لم يطع لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أعطيناه. كناية على أنه لم يلتفت إليها، ولم يفعل معها ما يفعله الأزواج مع أزواجهم من المداعبة والملاعبة والملاقفة والمضاجعة وغير ذلك. قالت: نعم الرجل من الرجل، لم يفتش لنا كنفا، أو لم يطع لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبيه، وقد شكى ولده إلى النبي عليه الصلاة والسلام: قال له: ألقني به. فلقيه عبد الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أخبرت أنك تريد أن تصوم النهار وتصوم الليل»، يعني: تصوم سردا ولا تفطر، «وتقوم الليالي»، يعني: وتقوم الليالي كلها بدون نوم. أن هذا صحيح أنك تريد أن تصوم الصوم سردا بدون تخلل الإفطار، وأنك تريد أن تقوم الليل بدون تخلل النوم؟ قال: نعم يا رسول الله. قال: «لا تفعل، لا تفعل»، فهذا ليس بمشروع، هذا يضر به. فرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأخف: أنه يصوم ويفطر، وأنه يقوم وينام، وأنه إذا أحب أن يستكثر من الصوم فعليه أن يصوم يوما ويفطر يومين. قال: يا رسول الله، إني أجد قوة أكثر من ذلك. قال: «فصم» يعني يوما وأفطر يوما. وفي بعض الروايات: أن التدرج كان بصوم يوم ويفطر تسعة أيام، صوم يوما ويفطر ثمانية أيام، صوم يوما ويفطر سبعة أيام، إلى أن وصل صوم يوما ويفطر يوما. قال: يا رسول الله، إني أجد قوة. قال: «لا صوم فوق صوم أخي داود عليه السلام، وهو صوم الدهر، صوم يوما ويفطر يوما». وأرشده في شأن القرآن أن لا يزيد على تلاوته زيادة، يعني: في أكثر من، في أقل من سبعة أيام. وفي بعض الروايات خارج الصحيح: يعني نهاه أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاثة أيام. فهكذا أرشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأفضل وإلى الأكمل الذي يستطيع أن يستمر عليه وأن يواصل عليه. فكان عبد الله قويا وشابا ونشيطا، وطمع في أن يواصل في أعظم العبادة، والنبي عليه الصلاة والسلام أخبره في الترجمة الأولى: قال: «فإن لزورك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا». ترجمة المصنف رحمه الله: باب حق الضيف في الصوم. يعني: قد يكون المشروع للإنسان إذا كان صائما صوم التطوع، ونزل عليه ضيف، ولا يستأنس الضيف إلا بإفطار صاحب المنزل معه. إذا كان صائما، فإنه يعني يحتشم، ويحترم، ويترب الإنبساط في الأكل، فيشرع حينئذ لصاحب البيت أن يفطر لأجل أن يشجع هذا الضيف على الإنبساط في الأكل، وفي الشرب، وفي أخذ راحته في محل ضيافته. فقالوا: إن لزورك عليك حقا. وقد يحتاج الزائر أو الضيف إلى أن يقوم معهم في حاجاته، ويعني يجلس معه ويقضي معهم العُقَد، فهذا كله يتطلب أن يكون الإنسان مستعدا، وعنده من الوقت، وعنده من القوة للقيام بحاجة، وحق كل ذي حق: الزوجة لها حق عليك، والأولاد لهم حق عليه، والضيف له حق عليه، ونفسك لها حق عليك، فأعط كل ذي حق حقه. أما أنك تكتفي بعبادة من العبادات، فهذا لا شك أنه سيكون على حساب العبادات والوظائف الأخرى. وفي الترجمة الثانية: قال: باب حق الجسم في الصوم. وذكر له هذا: «إن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، ولزورك عليك حقا». يعني: هذا الرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان لا يتعمق في بعض العبادات ويتجاوز فيها، فإنه يعجز، وإنه يقصر في القيام بباقي الحقوق. فإن من صام الدهر سردا صومه بدون فطر، وقام الليل بدون نوم، لا شك أنه يتعب. من قام الليل كله بدون تخلل النوم، لا شك أنه سيتعب في النهار. هو بين أمرين في النهار: إما أن ينام أكثر النهار، وإما أن لا ينام فيحصل له ضرر ظاهر. إذا قام الليل كله ولم ينم في النهار، فإنه يحصل له ضرر ظاهر. وإذا حاول أن يعوض في النهار، فإنه تفوت أعمال وبحاجة إليها، من حاجة الزوجة، وحق الولد، والقيام بأمر المعاش، والقيام بما يحتاج إليه. فلذلك رشده النبي صلى الله عليه وسلم إلى أكمل الأحوال وأفضل الأحوال: وهو أن يقوم شيئا وينام، وأنه يصوم ويفطر، وأنه يؤدي الحقوق إلى أهل الحقوق. والمصنف رحمه الله فرر من هذا الحديث في تراجم عدة، سيأتي ذكرها في هذه الأحاديث القادمة والأبواب القادمة. نكتفي في هذا الدرس بهذا، قدر الله هنا، والحمد لله.