كتاب الأطعمة  6

كتاب الأطعمة 6

الدرس في كتاب الأطعمة 6، باب الذبح . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الذبح الشرعي

يشرح المقطع شروط الذبح الشرعي وفقًا للسنة النبوية، ويشترط أنهر الدم وذكر اسم الله، ويجوز الذبح بأي أداة حادة. يُفضل استخدام الشفرة الحادة لإراحة الذبيحة.

تحريم تعذيب الذبيحة والمثلة

لا يجوز تعذيب الذبيحة عند الذبح، ويحرم المثلة بها أو بالإنسان، واستثنى بعض الحالات الخاصة. كما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب من فم السقاء.

تعليم الذبح للصغار وتحريم الإضرار بالحيوانات

نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوانات وتجويز تعليم الذبح للصغار إذا كانوا أهلًا لذلك، وحذر من الإضرار بالمسلمين وتجريم المثلة بالحيوانات.

أحكام الذبح في الحج

المقطع يشير إلى استكمال شرح أحكام الحج، وتحديدًا ما يفعله الحاج إذا تعذر الذبح، وسيتم تغطية هذا الموضوع في الدرس اللاحق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: باب الذبح: هو ما أنهر الدم وفر الأوداج وذكر اسم الله عليه، ولو بحجر أو نحوه، ما لم يكن سنا أو ظفرًا. مر معنا في أوائل هذا الباب ذكر شيء من شروط الذكاة، وعلمنا أن التذكية لا تكون تذكية شرعية تحل به المذكى إلا إذا توفرت فيه خمسة شروط. وفيما تقدم إشارة إلى ما يحتاج لذكر بعض أدلته في هذه المسائل التي سيذكرها رحمه الله، فبعضه قد سبق ذكره. فقوله رحمه الله: هو ما أنهر الدم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم في حديث رافع بن خديج في الصحيحين: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا». وعلمنا فيما تقدم أن إنهار الدم معناه خروج الدم بتدفق وكثرة، وهذا يكون بقطع العرق الذي يكون في العنق. فقد يجزئ، وقلنا: الذي يقطع في العنق أربعة أشياء: الأوداج جانبي العنق عرقان غليظان، وهكذا الحلقوم وهو ممر الهواء، والمريء ممر الطعام. وعلمنا فيما سبق أن ما كان بقطعه يحصل إنهار الدم فهو المقصود، لأن المقصود هو إنهار الدم. ولهذا كان التفريق بين البعير في أنه ينحر، وبين الشاة والمعز فإنه يذبح، والبقر يذبح وينحر، وذلك لأن النحر أدعى لاستفراغ أكثر الدم من الجسد. ولهذا كذلك كان من السنة نحر البعير قائمًا مربوطة أحد أقدامه ليستدعي ذلك منه حركة يكون بها استفراغ هذا الدم من جسده. فعلم بهذا أن المقصود هو إخراج الدم من الجسد بهذا الذبح، فالذبح يكمل باستكمال إنهار الدم، ولا يصح إلا بحصول إنهار الدم. ولهذا كان الصحيح أنه لا يشترط قطع هذه الأربعة، ولا كذلك قطع ثلاثة من أربعة أو اثنين من ثلاثة. ولكن الصحيح أنه يقطع ما يحصل به إنهار الدم، فإن كان لا يحصل إنهار الدم إلا بالعرقين الغليظين فبهما، أو كان بالأربعة فبها، أو كان بأحد العروق فيكفي به، فيختلف من ذبيح إلى أخرى. بل نص بعض أهل العلم أن الذبيح إذا كانت ضعيفة -يعني ليس فيها قوة تجعلها تتحرك فتستفرغ الدم بحركتها- فيخرج الدم على وجه الكثرة، فعند ذلك ينبغي أن يقطع منها حتى ولو الأربعة؛ لأجل أن يحصل استفراغ إخراج الدم. وقوله رحمه الله: وفر الأوداج، هذا لم يأتي باشتراطه الدليل، لكن معناه هو المقصود؛ لأن إنهار الدم في الغالب يكون بفر الأوداج -يعني قطع الأوداج- أي مجرى الدم. وقوله: وذكر اسم الله عليه، للحديث: حديث رافع بن خديج، كما تقدم، وغيره من الأحاديث الأخرى. وقوله رحمه الله: ولو بحجر أو نحوه، لما ورد في حديث كعب بن مالك، وأصله بصحيح البخاري، وجاء معناه في أحاديث كثيرة. وفي حديث كعب بن مالك وذكره بالشرح وذكر قصة الجارية التي كانت ترعى الغنم لهم، فأصيبت شاة، فخشيت موتها، ولم يكن عندها سكين، فكسرت حجرًا -أي الجارية- فذبحتها بهذا الحجر. فأمرهم كعب بن مالك أن لا يأكلوا منها حتى يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه، فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بأكلها، فدل ذلك أنه لا يشترط أن يكون الذبح بالسكين، بل بكل شيء حاد يحصل به المقصود، ولو كان هذا حجرًا أو نحوه. لكن لا شك أن استعمال الشفرة، وكلما كانت أحد هو الأفضل والأكمل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: «ليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته»، في حديث شداد بن أوس في صحيح مسلم وغيره؛ فإن ذلك من الإحسان إلى هذه البهيمة، وقد أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لكن إذا لم يكن هناك شفرة، فهل تترك الشاة تموت؟ الجواب: لا، تذبح ولو بحجر، ما دام الحجر فيه حد يحصل معه المقصود بالذبح. فكل ما كان فيه حد يمكن الذبح به ويحصل المقصود به فإنه يجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجزأ في هذا الحديث بالحجر. وفي حديث زيد بن ثابر في قصة الذئب الذي اعتدى على شاة، فذبحوها بمروة -والمروة نوع من الحجارة كذلك- فرخص النبي صلى الله عليه وسلم بأكلها، والحديث حسن رواه أحمد وغيره بإسناد حسن. وهذا هو قوله: ولو بحجر أو نحوه، مثلا إذا كانت هناك شفرة شفرة من زجاج مثلا، واستطاع أن يذبح بها، جاز له أن يذبح بهذا الزجاج أو غير ذلك. قال: ما لم يكن سنا أو ظفرًا، وقد تقدم معنا ذلك في الشروط، وذلك لأن السن والظفر غالبًا يكون مضنة الحرمة؛ لأنه مما يبان من البهيمة وهي حية، فيكون جزءًا منها فهو ميتة. ولأنه كذلك قد يتبقى فيه ما يكون به الضرر، حتى ولو أبينا؛ لأنه قد يقول قائل: هل معنا إذا أبينا من المذبوح جاز الذبح به؟ الجواب: لا، حتى ولو أبينا من المذبوح فلا يجوز الذبح به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عمم الحكم. وذكر العلماء لذلك علل، سواء علمنا بالعلة أو لم نعلم، الواجب امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب. فمن العلل التي ذكرها العلماء: قالوا: إن الغالب أنها تكون محل الشبهة، فمنها ما يكون من الميتة، ومنها ما لا يعلم مصدره. وقالوا: من العلل كذلك أنها مظنة نقل الأسقام والأمراض؛ فإن فيها من المسامات ما قد تحتفظ ببعض ما يكون سببًا لنقل الأمراض، فالذبح بها قد يحصل به الضرر. وبعضهم ذكر علل أخرى. فالمقصود أنه لا يذبح بالسن والظفر، وكل ما كان بمعناه من العظام. وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله كما تقدم: باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم إلا السن والظفر وسائر العظام. وقوله رحمه الله: ما لم يكن سنًا أو ظفرًا. ويحرم تعذيب الذبيحة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالإحسان إلى كل شيء، ومن ذلك الذبيحة إذا ذبحناها، كما في حديث شداد بن أوس كما تقدم. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيبها -أي في ذبحها- بل أمر بإراحتها، ومن ذلك أن يحد أحدنا شفرته وليرح ذبيحته -أي عند ذبحها-. فإذا كان كذلك، فمن باب أولى أن يعذبها بالذبح. ومن التعذيب بالذبح أن يذبحها بما ليس يحصل به المقصود من الذبح -يعني كأن تكون السكين غير حادة- فيعذب هذه الشاة أو بهيمة الأنعام التي يحتاج إلى ذبحها. ومن ذلك أن ينتقل إلى غير الشفرة وهو يستطيع أن يذبح بالشفرة، فهذا كذلك من تعذيبها، وهو لا يجوز إلا للضرورة. ثم قال رحمه الله: والمثلة بها، وذبحها لغير الله. وإذا تعذر الذبح بوجه جاز الطعن والرمي، وكان ذلك كالذبح وذكاة. وذكاة الجنين ذكاة أمه. وما أبين من الحي فهو ميتة. وتحل ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال. وتحل الميتة للمطر. وهذه المسائل كذلك كلها متعلقة بهذا الباب. فقوله: والمثلة بها، أي ويحرم كذلك التمثيل بهذه الذبيحة. وأصل المثلة هو قطع الأطراف -أطراف الحيوان أو بعضه- والأصل أنه يكون في الحيوان، فإذا وقع مثله في الإنسان فهو كذلك يسمى مثلة وتمثيل، وهو أشد وأعظم -أي ما يفعل في الحرب والغزو- فإنه لا يجوز. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فإذا نهى عنه في الحيوان فهو أشد وأعظم في الإنسان، فلا يجوز المثلة لا بالحيوان ولا بالإنسان، حتى ولو كان كافرًا، فإن ذلك مما يحرم، فلا تجوز المثلة. وهل لا تجوز المثلة على إطلاقها في حق الكفار حتى ولو مثلوا بالمسلمين؟ الصحيح أنه لا يجوز حتى ولو مثلوا بالمسلمين، إلا لرجل بعينه علم أنه مثل بمسلم، فالجروح قصاص، يقتص منه كما يقتص من المسلم، بل الكافر من باب أولى. وأما غير ذلك المعتدي -أي لا يعلم من الذي فعل- فلا يجوز أن يفعل مثله بإنسان آخر، وأن لا تزر وازرة وزر أخرى. وأما بالنسبة للبهائم فهو كما تقدم لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه نهى عن ثلاثة معان تدخل في معنى المثلة، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المثلة والمصبورة والمجثمة. وبوب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه بابًا فقال: باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة. فأما المثلة فهي التي يقطع بعض أطرافها وهي حية، فإن ذلك يحرم ولا يجوز. وما قطع منها وهي حية فهو ميتة لا يحل. وأما المصبورة فهي الدابة التي تحجز وهي حية، فتقتل بالرمي أو غيره. وأما المجثمة فهي الدابة -فهي الدابة التي تربط بهيمة كانت أو طيرًا- وترمى حتى تقتل، فالمجثمة أخص من المصبورة، فكل مجثمة مصبورة، وليس كل مصبورة مجثمة. وقد رويت في هذا المعنى أحاديث كثيرة، ومر معنا حديث ابن عباس الذي رواه الإمام أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبن الشاة الجلالة، وعن المجثمة، وعن الشرب من في السقاء، والحديث حسن. وعلمنا في درس سابق حكم الجلالة، وهكذا كذلك الشرب من في السقاء -أي أن يشرب من فم الوعاء الذي يستقى منه- وغالبًا يكون ذلك في الوعاء الذي لا يعرف ما بداخله، كالقربة وسائر الأواني التي لها فتحة ضيقة، ولا يعرف ما في داخلها. فمثل ذلك لا يجوز أن يشرب منه؛ لأمور، من هذه الأمور أنه قد يكون سببًا لتضرره، فقد تدخل حية -خصوصًا مع شدة الحر- إلى داخل هذه القربة أو غير ذلك من الدواب، فيشرب من في السقاء فتلدغه أو تقرصه ما في هذه القربة أو الوعاء، فيكون سببًا لضرره. وغير ذلك مما قد يكون في الوعاء فيكون سببًا في تضرره، وهذا قد وقع لأناس كثر، أحيانًا تضع القارورة التي لا يرى ما بداخلها، فإذا بالنمل يدخل داخلها بكثرة وأنت لا تدري، فإذا شربت من في السقاء مباشرة شربت أول ما تشرب ماذا؟ النمل هذا النمل الذي في الأول، وهذا يضرك لا شك، فكيف إذا كان الذي دخل فيه ما هو أعظم من النمل؟ فهذا أحد الأسباب في النهي عن الشرب من في السقاء. ومن ذلك كذلك أنه سبب لتقذير هذا المشروب، الغالب أن مثل هذه الأوعية يشترك الناس في الشرب منها، فإذا صار كل واحد يشرب من في السقاء أثرت أفواه الناس على هذا السقاء، فأنتجت روائح، وربما دخلت فيه فضلات الطعام، كان في ذلك سببًا في تقذر الناس من هذا الماء، وهذا لا يجوز، فلا يجوز الإضرار والأذية بالمسلمين. وهكذا كذلك غير ذلك من العلل التي قد تكون سببًا في ذلك. وأما المجثمة فهذا الذي سمعناه، فهذا هو تفسير المجثمة في كلام أهل العلم: التي تربط وترمى حتى تقتل. وجاء في صحيح الإمام البخاري، والحديث ذكره الإمام البخاري في نفس الباب: باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، عن هشام بن زيد قال: دخلت مع أنس بن مالك رضي الله عنه على الحكم بن أيوب، فرأى غلمانًا أو فتيانًا نصبوا دجاجة يرمونها. فقال أنس رضي الله عنه: نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تصبر البهائم -يعني أن تقتل وهي محجوزة وهي حية- فإن ذلك لا يجوز. وهكذا روى الإمام البخاري وغيره في صحيحه، وذكره الإمام البخاري تحت ذلك الباب عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه دخل على يحيى بن السعيد، وغلام من بني يحيى قد يربط دجاجة يرميها. فمشى إليه عبد الله بن عمر حتى حلها -أي من قيدها- ثم أقبل بها وبالغلام -يعني مسك الدجاجة ومسك الغلام- وأتى به إلى أهله، وأمرهم أن يزجروا هذا الغلام، فقال: ازجروا غلامكم عن أن يصبر هذا الطير للقتل؛ فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تصبر بهيمة وغيرها للقتل. والحديث والحديث في الصحيحين. وجاء كذلك عند الإمام البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر أنه رأى فتية نصبوا دجاجة يرمونها، فلما رآهم عبد الله بن عمر فروا -هربوا وتفرقوا وتركوا الدجاجة- فقال عبد الله بن عمر: من فعل هذا؟ فسكتوا. فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال -أو قال إن النبي صلى الله عليه وسلم- لعن من فعل هذا. والحديث في الصحيحين. وفي رواية للبخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من مثل بالحيوان. وجاء في حديث عدي بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم -والحديث في الصحيحين- نهى عن النهبة وعن المثلة. والمثلة عام تشمل المثلة بالحيوان، وهكذا كذلك المثلة بالإنسان، فكل ذلك لا يجوز. وبه نعرف حرمة ما يفعله الكثير من الأبناء، فيلحق ذلك الإثم كذلك الآباء إذا علموا بذلك وتساهلوا في زجر أبنائهم، فإنهم يلحقهم مثل هذا الوعيد؛ لأنهم ممن يسألون عن أبنائهم، فهم من رعيتهم. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». فلا يجوز لأولياء الأمور أن يثقفوا آباءهم يعبثوا بالحيوانات، بعضهم مثلًا قد يوكل الصغير يذبح فيعبث في ذبحه، يقول: أنا أريده يتعلم. إذا كان هذا الولد أهلًا للتعليم من ديانته ومن كذلك حسن تصرفه فإنه يمكن من هذا الفعل. وأما إذا كان ليس كذلك لعاب وعابث أو حتى ضعيف ربما يكون سببًا في تعذيب هذه الذبيحة، فهذا لا يجوز. وكذلك من باب أولى العبث في الصيد، مثل ما يفعل بعض الأطفال يرمون الحمام أو بعض الطيور بالمنطاد وغيره، فإن هذا كذلك لا يجوز. أولًا: لأن الحجر لا يحصل به المقصود، فلا تحل هذه الطيور. وثانيًا: لأنه فيه تعذيب لها. ثم ذكر رحمه الله تعالى حكم الذبح لغير الله، وأنه كذلك مما يحرم ولا يجوز، فلا تحل هذه الذبيحة كما أنه يحرم. فالذبيح لا تحل كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 121] -أي مما يحرم ولا يؤكل-. وما أهل به لغير الله هذا عام يشمل ما ذبح لغير الله ولو ذكر عليه اسم الله. ننتبه لهذا بعض الناس يظن أن الذي يحرم هو الذي لا يذكر عليه اسم الله، وليس هذا هو المقصود. بل قال بعض أهل العلم -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره- أن ما أهل لغير الله أعظم شركًا وحرمة مما ذكر عليه اسم غير الله؛ لأن الأول من شرك القصد، والثاني من شرك الاستعانة، وشرك القصد أعظم إثمًا وجرمًا من شرك الاستعانة، وكله شرك. كما أن الكفر كما أن المعاصي تتفاوت، فكذلك الشرك والكفر تفاوت. فقول النصراني مثلًا عند دبحه باسم المسيح، ثم يذبح الذبيحة لله سبحانه وتعالى ويبتغي بها وجه الله، هذا ليس بأعظم من دبح المسلم إذا دبح وقال باسم الله، ولكنه ذبح للولي الفلاني، صار الشرك هذا المسلم أعظم من شرك ذاك النصراني؛ لأن شرك النصراني في شرك الاستعانة، وهذا في شرك القصد، كلاهما شرك لكنه يتفاوت في العظم بعظم الفعل، وكله لا يجوز. فما أهل به لغير الله -أي ما أريد به غير وجه الله- سواء ذبح للتوابيت أو القباب أو القبور، أو ذبح للأصنام والأوثان، أو حتى ذبح للأنبياء والملائكة، وأعظم من ذلك أن يذبح للجن والسحرة، فكل ذلك مما أهل به لغير الله وهو لا يجوز. وفي صحيح مسلم من حديث علي رضي الله عنه: «لعن الله من ذبح لغير الله». ثم ذكر رحمه الله أنه إذا تعذر الذبح ماذا يفعل؟ وهذا إن شاء الله سنتركه وما بعده إلى الدرس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.