الدرس في كتاب الأطعمة 8، باب الضيافة . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يجب على المضيف إكرام ضيفه بما يكفيه لمدة ثلاثة أيام، وما زاد عن ذلك يعتبر صدقة. يحرم على الضيف الإطالة حتى يحرج المضيف.
إطعام الطعام للضيف من مكارم الأخلاق التي حث عليها الإسلام، وهناك أحاديث نبوية تحدد مدة الضيافة بثلاثة أيام. ما زاد عن ذلك يعتبر صدقة.
يمكن أخذ مال الغير بدون إذنه في حالة الضرورة، بشرط عدم التسبب في مفسدة أو خصومة، وأخذ ما يكفي فقط لدفع الضرورة.
لا تدخل الأدوات في حساب عروض التجارة، وهذا حكم شرعي يبينه الشرع في مسائل التجارة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال: «يجب على من وجد ما يقري به من نزل عليه من الضيوف أن يفعل ذلك، وحد الضيافة إلى ثلاثة أيام، وما كان وراء ذلك فصدقة، ولا يحل للضيف أن يثوي عنده حتى يحرجه». وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه، كان للضيف أن يأخذ من ماله بقدر قراه. ويحرم أكل طعام الغير بغير إذنه، ومن ذلك حلب ماشيته وأخذ ثمرته وزرعه، لا يجوز إلا بإذنه، إلا أن يكون محتاجا إلى ذلك، فلينادي صاحب الإبل أو الحائط، فإن أجابه وإلا فليشرب وليأكل غير متخذ خبنة. ويجوز بالكسر قوله رحمه الله «باب الضيافة»، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام الضيافة، والمقصود بها ما يكون من إكرام الضيف ونحوه من أحكام. ومن فضل الله عز وجل على أهل هذا الدين أن أنزل الله عز وجل من تفاصيل شريعته الحكيمة وأحكام دينه سبحانه وتعالى المحكم ما فيه صلاح أحوال الناس في الدنيا وهكذا في الآخرة. فما من صغير وكبير يحتاجون إليه إلا وأنزل الله عز وجل لهم فيه علما، ومن ذلك تفاصيل ما يتعلق بهذا الباب وهو أمر الضيافة. وقد ذكر المؤلف رحمه الله هنا مجموعة من المسائل وأشار في الشرح إلى أدلتها وإلى بعض ما يتعلق بمسائلها. أولها وجوب الضيافة على من وجد ما يقري به، يعني أن يكرم من نزل عليه من الضيوف إن وجد ما يكرمهم به. وهذا الوجوب مأخوذ من أدلة كثيرة، وأشار في الشرح إلى حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه في الصحيحين حين سأل، قال: قلت يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى؟ فقال: «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم». فقوله عليه الصلاة والسلام «فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم» دليل على أنه واجب عليهم. وأصرح منه حديث أبي شريح الخزاعي العدوي رضي الله عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته». قال: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة». وجاء في لفظ لمسلم أنه قال عليه الصلاة والسلام: «ولا يحل لرجل أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه». قالوا: كيف يؤثمه يا رسول الله؟ قال: «يقيم حتى وهو يعلم أنه لا يجد ما يقريه». وهو يعلم أنه لا يجد ما يقريه. والحديث مشهور وهو في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة، والشاهد في قول النبي عليه الصلاة والسلام «فليكرم ضيفه جائزته»، وقوله كذلك «والضيافة ثلاثة أيام». وفي بعض الألفاظ «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه». وهذا يدل على أن الضيافة تنقسم إلى قسمين. فالضيافة عموما التي يحق للضيف ثلاثة أيام، ويستحب أن يكرم الضيف في هذه الأيام الثلاثة وأولها إن استطاع بجائزته. والجائزة على الصحيح من أقوال أهل العلم هي الإكرام الزائد الذي يكون فيه زيادة اعتناء بالضيف. فمثلا تكرم الضيف في أول يوم ينزل عليك، أو إذا كان مثلا نزل عليك يوم الخميس وترى أن إكرامه والمبالغة في ذلك يكون أنسب يوم الجمعة، أخرت ذلك إلى يوم الجمعة. المهم أحد الأيام الثلاثة تكون جائزة هذا الضيف، فتزيد في ضيافته. فإن استطعت مثلا وكان عرف الناس أن الإكرام باللحم هو الأبلغ، جعلت أحد هذه الأيام الثلاثة باللحم، ثم بقية الأيام بما يتيسر من إكرام الضيف. وعلى هذا يجمع بين الأدلة التي وردت في هذا الباب، ولا معارضة بينها. فما أشار إليه المؤلف رحمه الله في شرحه من الخلاف في هذا الباب، وأن الجمهور أو من ذهب من الجمهور إلى أن الضيافة مندوبة لا واجبة، واستدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام «فليكرم ضيفه جائزته». وقالوا: إن الجائزة هي العطية والصلة، وأن مثل هذا مأخوذ على الندب لا على الوجوب. فيجمع بينه كما تقدم بأن ما كان منه بهذا المعنى وهو الجائزة الشيء الزائد، فهذا مستحب لمن استطاع. وأما إكرام الأيام الثلاثة فهذا واجب على كل مستطيع أن يكرم ضيفه الذي نزل به ثلاثة أيام، ولكن بما يتيسر. وقد نهينا عن التكلف، ونهانا النبي صلى الله عليه وسلم عن التكلف كما جاء بحديث عمر وسلمان رضي الله تعالى عنهما معناه. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. وقد أشار المؤلف رحمه الله تعالى إلى بعضها، وبعضها في الصحيح وبعضها خارج الصحيح، وبعضها لفظها صريح وبعضها لفظها ليس بذاك الصراحة. وفي الباب مجموعة أحاديث منها عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وعائشة وأبي سعيد وابن عمر والمقدام وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أرضاهم. ومن ذلك ما أشار إليه في حديث المقدام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ليلة الضيف واجب على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما كان دينا له عليه إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه». الحديث رواه أحمد وأبو داود وغيرهما بإسناد حسن وصححه العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه. فهذا الحديث فيه إشارة إلى أن الضيافة تكون في ليلة، «ليلة الضيف واجب على كل مسلم». لكن لا يعارض هذا ما جاء من أن حق الضيف ثلاثة أيام، لأنه قال «ليلة الضيف» يعني إذا نزل بك في ليلته. ولا ينافي ذلك إذا جلس أكثر من ليلة. فإثبات الليلة ليس نفيا للزائد، إثبات الحق في الليلة ليس فيه نفي للزائد. فما دام الزائد ثبت بدليل آخر صحيح صريح فهو كذلك ثابت. وقد يحمل كذلك على من لا يستطيع إلا ليلة، فله أن يضيف ليلة. ولهذا قال في الحديث الآخر «ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه»، يعني من علم من أخيه قلة ذات اليد، فلا يجوز له أن يثقل عليه في ضيافته، لأن إثقاله عليه في ضيافته إحراج له وتأثيم، يعني سيظهر عند الناس أنه تأثم. وقد نزل قول الله جل وعلا: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾، جاء عن بعض السلف أن هذه الآية نزلت في حق الرجل إذا نزل ضيفا ولم يضيف، جاز له أن يقول: إني لم أضف ولم يحسن إلي ونحو ذلك. والصحيح في هذا على ما تقدم من تفصيل، لا يجوز لإنسان أن يثقل على إنسان يعلم أنه عنده شيء من الشدة في الحال، بل علي أن يخفف عليه. ولهذا كذلك ينبغي ابتداء أن يعتني باختيار من ينزل عنده، وإن استطاع أن يخف على نفسه وعلى غيره فهذا أحسن وأفضل. ولا شك أن المسلم كلما كان مستشعرا لإخوانه وألا يثقل عليهم كان هذا أحسن، «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». ومن علم أنه أن من سينزل عندهم يفرحون به ويحبون إكرامه نحو ذلك، فهذا كذلك يدخل في تواصل أهل الإيمان بعضهم مع بعض، فضلا أن يكون بينهم من معاني الصلة والقرابات ونحوها فهو أولى وأولى. قال بعض أهل العلم أو أشار بعض أهل العلم إلى أن هذا الحكم كان عند الحاجة إليه، وأنه إذا لم تكن حاجة إليه فلا يبقى أمر الوجوب، يعني إذا صار الإنسان يستطيع أن يقوم بإكفاء نفسه فإن الحكم يدور مع العلة وجودا عدما. لأنه في ذلك الزمان لم يكن الإنسان يستطيع أن يقوم بإطعام نفسه حتى ولو كان عنده المال، ربما تيسر له أن يشتري إذا نزل في بعض القرى لعدم وجود من يبيع. وكذلك لا يخفى عليكم ليس بكل مكان يتيسر أمر المطاعم ونحوها. هل هذا الحكم صحيح أو هل هذا التعليل صحيح؟ الصحيح أنه ليس بصحيح، فهذه الأحاديث كما نرى عامة، سواء كان الرجل مقتدرا أو غير مقتدر، وسواء وجد ما يشتري أو لم يجد، فالأصل أن هذا الباب ينبغي أن يعتنى به، وهو من مكارم الأخلاق. ومن الحقوق التي جعلها ديننا في أوساط المسلمين، كما أنه كذلك كان عرفا جرى عليه أحوال الناس من العرب. ولما كان خلقا عظيما جميلا أقره الإسلام، كغيره مما بقي في الناس من المعاني النافعة التي أقرها الإسلام. والكثير من ذلك ربما كان بقي مما كان من أخلاق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مما أدب به هذا الإنسان، ومما فطر الله عز وجل عليه الإنسان، لأن الإنسان فطر على الفطرة الحق، ولكن اجتالت هذه الفطرة الشياطين فغيرتها حتى صارت على غير الصراط المستقيم. فما بقي منها على الفطرة جاء ديننا فأقره، وما خرج منها على الفطرة جاء ديننا فدعا الناس لإصلاح ذلك الذي حصل فيه التغيير والتبديل. وأما قوله رحمه الله تعالى: «وحد الضيافة إلى ثلاثة أيام»، فكما تقدم للأحاديث من الحديث بأبي شريح الخزاعي العدوي رضي الله عنه. وأما قوله: «وما كان وراء ذلك فصدقة»، يعني إن شاء لعموم الأحاديث في هذا الباب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة أيام، وما زاد عن ذلك فهو صدقة. والأحاديث في الصدقة بالطعام كثيرة، كحديث عبد الله بن سلام وغيره. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من أسباب دخول الجنة إطعام الطعام، فإطعام الطعام للضيف كذلك ولو زاد على ثلاثة أيام، ما دام ذلك لا يعين على إثم ولا عدوان ولا على فساد وإفساد فهو خير وبر. وربما بعض الأحكام يكون لها ما يختص بها بحسب ما تقتضيه الحال. وقوله رحمه الله: «ولا يحل للضيف أن يثوي عنده حتى يحرجه»، لما جاء في بعض الروايات ومنها ما جاء في لفظ حديث أبي شريح، بعض معناه في الصحيحين وبعض انفرد به مسلم كما تقدم، وسبقت الإشارة إليه. وقوله رحمه الله: «وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه، كان للضيف أن يأخذ من ماله بقدر قراه»، يعني بقدر ما يكون به ضيافته. وهذا يرجع فيه إلى العرف، وأشار في الشرح إلى بعض هذه الأحاديث. ومنها ما جاء في حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يحلب أحدكم ماشية أحد إلا بإذنه». أَيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فينتهب طعامه؟ وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم، وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم. فلا يحلب أحد ماشيته إلا بإذنه. هذا الحديث مع ما ورد من الإذن في أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من الحائط، ومن كذلك ما يحتلب، يدل على أن الأصل هو المنع، فإن كان هناك حق جاز أن يأخذ ذلك الحق، خصوصا إذا كان فيه مضرة فيدفع عن نفسه مضرته. ومن ذلك ما جاء في حديث سمرة، وأشار إليه. وفي الحديث مقال، وبعضهم صححه بشواهده ومتابعاته، فشيخ العلامة الألباني رحمه الله حسن هذا الحديث لأنه جاءت له بعض الشواهد كحديث أبي سعيد وغيره. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن له فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها أحد فليصوت ثلاثا، فإن أجابه أحد فليستأذن، وإن لم يجبه أحد فليحتلب وليشرب، ولا يحمل». فقوله عليه الصلاة والسلام: «فليحتلب وليشرب» أولا ليدفع عن نفسه ضرورة، ولأنه من حق الضيف، ولأنه من حق الضيف. وفي قوله عليه الصلاة والسلام: «ولا يحمل»، هذا يشبه ما جاء في الأحاديث الأخرى في أمر الحائط أن لا يأخذ معه شيء، بل يأخذ ما يحتاج من إطعام نفسه ودفع الجوع والضرر عن نفسه. وأشار إلى بعض هذه الأحاديث، ومن ذلك ما أشار إليه من حديث عمير مولى آل اللحم، قال: أقبلت مع سادتي نريد الهجرة، حتى إذا دنونا من المدينة قال: فدخلوا وخلفوني، فأظهرهم فأصابتني مجاعة شديدة. فمر بي بعض من يخرج من المدينة، فقالوا: لو دخلت المدينة فأصبت من ثمر حوائطها؟ قال: فدخلت حائطا فقطعت منه قنوين -والقنوان يعني أحد شماريخ النخل التي تكون فيه الحبات التي تكون فيه حبات التمر- فأتى صاحب الحائط وآت بي رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني قبض علي فأخبره خبري وعلي ثوبان- فقال لي: أيهم أفضل؟ فأشرت إلى حديما، فقال: «خذه وعطي صاحب الحائط الآخر». قال: فخلى سبيلي. وهذا الحديث استدل به بعض أهل العلم على أنه لا يحل أن يؤخذ شيء إلا بإذن، ولكن الحديث فيه مقال كما أشار إليه الشوكاني رحمه الله في الشرح. وكذلك أشار في التعليق إلى ضعف الحديث، قال الشوكاني رحمه الله: «قد عل هذا الحديث بأن في إسناده عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن يزيد، وهو ضعيف». ولكن معناه يصوب بحديث ابن عمر الذي أتبعه بعد هذا الحديث، فيما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يدخل الحائط، فقال: «يأكل غير متخذ خبنة»، يعني لا يحمل معه، بل يأكل ما يدفع عن نفسه ضرورته. وهل هذا خاص بالضيف؟ قال بعض أهل العلم: ذلك والصحيح أنه ليس خاصا بالضيف، والحديث حديث حسن، حسنه العلامة الألباني رحمه الله في صحيح أبي داود وغيره. والصحيح أنه ليس خاصا بالضيف، بل هو للضيف وهكذا كذلك لكل من به ضرورة أن يأخذ ما يدفع ضرورته. أن يأخذ ما يدفع ضرورته، فإن كان إنسان جائعا لا يجد ما يدفع ضرورته من ماله، فمر بحائط فيه طعام، نادى ثلاثا، فإن أتى صاحب الحائط استأذن، وإلا أخذ وأكل ودفع عن نفسه الضرورة، ولا يحمل معه شيء. ويؤيده كذلك الحديث الآخر الذي أشار إليه رحمه الله كذلك في الشرح، حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتى أحدكم حائطا فأراد أن يأكل فلينادي صاحب الحائط ثلاثا، فإن أجابه وإلا فليأكل». وإذا مر أحدكم بإبل فأراد أن يشرب من ألبانها فلينادي: «يا صاحب الإبل أو يا راعي الغنم»، فإن أجابه وإلا فليشرب. وهذا مع الحديث السابق يفسر ما يكون به الحكم ويوضحه، فيكون على هذا التفصيل كما أشار إليه رحمه الله في المتن. وقوله رحمه الله تعالى: «وإذا لم يفعل القادر على الضيافة ما يجب عليه، كان للضيف أن يأخذ من ماله بقدر قراه»، وهذا لما جاء في حديث المقدام كما تقدم. وهكذا كذلك معناه في الأحاديث الأخرى، ففي حديث المقدام قال: «ليلة الضيف واجب على كل مسلم، فإن أصبح بفنائه محروما -يعني لم يكرمه أحد- كان دينا له عليه، إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه». فقوله: «كان دينا» دل ذلك على أنه حق. وهذا هو قوله رحمه الله: «كان للضيف أن يأخذ من ماله بقدر قراه». وهل معناه يأخذ ولو أدى ذلك إلى فتن ومفاسد؟ الجواب: لا شك لا، ولكن يأخذ بما لا تكون به تلك الفتن. وقوله: «يأخذ» ليس معناه يحتمل، ولكن معناه مفسر بالأحاديث الأخرى إنما يأكل. وهذا لا يزال في عرف الناس إلى اليوم، اليوم إذا حمل الإنسان من مزرعة عد سارقا، لكن إذا روي إنسان يأكل في مزرعة ربما له عذر، ربما جائع ليس عنده ما يشتري أو نحو ذلك، فلهذا يعدر الإنسان إذا أكل ولا يعدر إذا حمل، فلا يجوز له أن يحمل معه، ولكن يأكل بما يدفع عن نفسه ضرورته. ولا شك أنه إن استطاع أن يتنزه عن ذلك فهذا أفضل وأكمل لعموم الأدلة في هذا الباب. ولا شك كذلك إذا كان سيؤدي ذلك إلى مفسدة وخصومة، فإن ذلك يدفع ويدرأ، ولا يجوز أن يكون هذا سببا للخصومات والقطيعة وغير ذلك من المفاسد. وقوله رحمه الله تعالى: «ويحرم أكل طعام الغير بغير إذنه»، لأن هذا هو الأصل، فمثلا حديث ابن عمر في الصحيحين يبين لنا أن الأصل حتى في ما هو في معناه من أمر الاحتلاب، وقد أذن النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعنا في الأحاديث الأخرى إلا أن الأصل هو الحرمة. وقال عليه الصلاة والسلام: «وإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم»، يعني لا يغرك كون الضرع ملآن باللبن فتقول: هذا زائد، لو كان الناس لهم فيه حاجة ما تركوه بالضرع أخذوه. وهذا غير صحيح، لأن الذي تركه بالضرع لم يتركه لأنه زائد، لكن ربما تركه لأنه وعاء يحفظ له اللبن. لو أخرج اللبن كله دفعة واحدة فشربوا حاجتهم، وأرادوا الحاجة الأخرى إلى المساء فتركوه ربما خرب مع شدة الحر، ليس عندهم فلاجات وليس عندهم حافظات ولا غير ذلك. لكن ضروع المواشي هي كالمخازن تحفظ لهم أطعمتهم وأشربتهم. فالأطعمة تحفظ في الأشجار، وكذلك الشراب يحفظ في الضرع، فربما يريده في المساء، فأنت تأتي فتأخذه فتحرمه حاجته وضرورته، بل ربما له ضرورة أعظم من ضرورتك، عنده أطفال ونساء ضعفاء وكبار في السن ونحو ذلك. وأنت قوي مقتدر، ربما تستطيع بقوتك أو بمالك أن تطعم نفسك، فلأجل هذا كان الأصل هو الحرمة، بل عمومات الأدلة تدل على ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صح عنه من غير وجه تحريم مال المسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه». فلا يحل مال المسلم إلا عن طيب نفس منه، بل حتى الكتاب من معاهد أو ذمي أو مستأمن لا يحل ماله إلا عن طيب نفس منه، فله حق كما لأهل الإسلام. فالشاهد من هذا أن هذا هو الأصل، وما خرج عن الأصل مقيد بما لا تكون به مفسدة، ولا يكون كذلك بما يخالف الشرع. فيجوز لمن به ضرورة أن يأخذ بقدر ما يدفع عن نفسه ضرورته، ولكن لا يحتمل ولا يحمل، وإنما يأكل. وذكر الخبنة على وجه الخصوص، قال بعض أهل العلم: ليؤذن بذلك بالشيء اليسير الذي حمله يدل من الحال ومن العرف أنه ليس لأجل السرقة وإنما هو لأجل دفع الضرورة أو الأكل. فما كان كذلك فينبغي لراعي البستان أو كذلك صاحب الضرع أن يعذر صاحب هذا الفعل. والناس في هذا طرفان ووسط، فإن من الناس من ربما يشح حتى لا يأذن لأحد، وهذا خطأ، فإذا وسع الله عز وجل عليك فوسع على الناس. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن في الضرع حقا، وفي المركوب حقا، فضلا عن حق الزكاة، فمن لم يعط هذا الحق فإنه يعذب عليه يوم القيامة كما صح معناه عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيح في أصحاب الإبل والبقر والغنم. فإنه ذكر من الحق أن لا يحلب ولا يعطي من ضرعها، أي من فضل ضرعها، فلا يجوز للمسلم أن يمنع فضل الحلب والضرع، بل يجب عليه أن يعطي من يحتاج إلى ذلك، كما أنه لا يجوز في الطرف الآخر أن يتخذ هذا الباب منفذا ومدخلا لاستحلال أموال الناس كحال بعض العابثين. ربما ينتقل من مزرعة إلى مزرعة، ومن بستان إلى آخر، ومن ضرع إلى آخر، وهو بحجة أنه يأخذ حاجته وهو غير متخذ خبنة ولم يحتمل شيئا، فمن كان هذا حاله فإنه يسقط مرؤته، وهكذا كذلك يستحل بهذا عرضه. لأن الضرورة والضيافة لها أوصاف وشروط، فإن كانت الضيافة ثلاثة أيام فالآخذ أكثر من ثلاثة أيام ماذا؟ متلصص على الناس. وإن كانت الضرورة حتى لغير الضيف لها وصف ومعنى، فمن ادعى الضرورة وهو ليس كذلك فهو كذلك آخذ أموال الناس بغير حق، فذلك لا يجوز. طيب نكتب بهذا القدر ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق. والله تعالى أعلم. هذا يسأل عن المطاعم والمخابز هل تدخل في عروض التجارة؟ الأدوات لا تدخل، والمال والمواد المعروضة للبيع والشراء تدخل. وأما الأدوات فلا تدخل ولا تحسب من عروض التجارة. والله أعلم.