الدرس في كتاب الأطعمة 7، باب الذبح . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول المقطع حكم تذكية الحيوانات المتوحشة وذكاة الجنين، حيث يجوز طعن أو رمي الحيوانات عند تعذر الذبح مع شروط الصيد، وتكون ذكاة الجنين بذكاة أمه إذا خرج ميتًا. كما يجب تذكية الجنين إذا خرج حيًا.
ناقش المقطع تحريم ما قطع من الحي من البهائم، واستدل بحديث ضعيف الإسناد ولكنه له طرق متعددة. كما تطرق إلى حل ميتتين ودمان، الحوت والجراد، والكبد والطحال، مستندًا إلى حديث عبد الله بن عمر.
شرح المقطع حكم أكل الميتة للمضطر، حيث يجوز عند الضرورة مع الاقتصار على قدرها دون تجاوز. كما ينطبق هذا الحكم على كل ما يحرم أكله عند الاضطرار.
تطرق المقطع إلى ترتيب المحرمات حسب الشدة والتيسير، حيث يتم الترخص بالأخف ثم الأعلى عند الضرورة مع مراعاة الحقوق الإلهية والآدمية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهدوا أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدوا أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال «وإذا تعذر الذبح بوجه جاز الطعن والرمي وكان ذلك كالذبح». كذلك من مسائل هذا الباب كما تقدم معنا، وأشير إليه إلى هذه المسألة فيما قبله في كتاب الصيد. قال «وإذا تعذر الذبح بوجه جاز الطعن والرمي وكان ذلك كالذبح». ومر معنا مثاله فيما جاء في البعير الذي ندى فطعن أو رمي بسهم، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث رافع بن خديج، فإنه ندى عليهم بعير فلم يستطيعوا إدراكه أو إقافه، فرماه رجل بسهم فحبسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما فعل منها هذا ففعلوا به هكذا». وسبق معنا أن هذا الحكم عام في كل ما كان من بهيمة الأنعام، وما كان بمعناها مما يجب ذبحها وتذكيتها، إذا لم يمكن ذبحها وتذكيتها جاز رميها بما يرم به الصيد وبشروط الصيد. وتقدم معنا أن الصيد لا يحل إلا بشروط، فتلك الشروط تذكر كذلك هاهنا فيما يتعلق ببهيمة الأنعام وما كان بمعناها، أي من الطير ونحوها مما يجب فيه التذكية إذا ندى وهرب ولم يمكن إدراكه وإمساكه، فإنه عند ذلك يكون حكمه كحكم الصيد. ومن ذلك أن لا يرمى إلا بمحدد مما يقتل، ليس السن والظفر وما كان فيه معنى العظم. ومن ذلك أن يذكر اسم الله عليه. فما لم يذكر في حديث رافع بن خديج ذكر معناه في غيره مما تقدم في الأحاديث المتعلقة بالصيد. وهكذا كل الشروط التي سبقت تقال كذلك هاهنا. وهذا قد يحتاج إليه في البعير إذا توحش ولم يمكن السيطرة عليه إلا بأن يرمى بسهم، أو مثلًا اليوم برصاص، فيقال «بسم الله» ويرمى. ومثله كذلك بعض الغنم إذا صعدت بعض الجبال وكان الوصول إليها فيه مشقة أو هلكة. وهذا يكثر في المواضع الجبلية الوعرة. ورأيت أهل سقطر يكثرون من السؤال عن حكم هذا حتى توحشت الكثير من أغنامهم بسبب فرارها ووصولها إلى أماكن لا يستطيع أن يصل إليها الإنسان، فصارت بمثابة الغزلان، يعني توحشت في تلك الجبال، فهل يجوز أن تصاد كما يصاد الصيد؟ الجواب نعم، والدليل هذا الحديث حديث رافع بن خديج في الصحيحين، وما أشار إليه المؤلف رحمه الله من حديث أخرى في الشرح، ولكن بالشروط السابق المذكورة في هذا الباب. وهكذا كذلك الطير إذا ندى شيء من الطير مما يجب ذبحه ولم يمكن إدراكه إلا برميه، فإنه يرمى كما يرمى الصيد وبالشروط المتقدمة. ثم قال رحمه الله تعالى: قال «وذكاة الجنين ذكاة أمه، وما أبين من الحي فهو ميتة». وهكذا كذلك من مسائل هذا الباب أن ذكاة الجنين بذكاة أمه، فإذا ذكيت الأم فإن ذلك التذكي للجنين، يعني إذا خرج الجنين ميتًا. ودليله ما أشار إليه بالشرح في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، وهو حديث صحيح بمجموع طرقه يتقوى ويرتقي إلى الحسن، وبعضهم صححه. وحسن بعض الطرق فارتقى به إلى الصحة، أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين يكون في بطن الناقة والبقرة والشاة، فقال عليه الصلاة والسلام «كلوا إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه». وذكره المؤلف مختصرًا كما ترونه بالشرح. وقد رواه ابن ماجه وغيره، أبو داود، ابن ماجه وغيرهما مطولًا. والحديث وإن كان فيه بهذا الإسناد مجالد، لكن له طرق يشد بعضها بعضًا فيرتقي إلى الحسن. ففي قول النبي صلى الله عليه وسلم «فإن ذكاته ذكاة أمه»، يعني إذا خرج ميتًا يكفي فيه تذكية الأم. وهذا من جهة التعليل، هذا من جهة الدليل. وأما من جهة التعليل فلأن ما فيه من دم يخرج بتذكية أمه له، فإنه متصل بأمه بالمشيمة. وأما إذا لم يخرج ميتًا وخرج حيًا وجب عند ذلك تذكيته. ودليله ما سبق معنا في الصيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصياد إذا أدرك ما صاد حيًا أن يذكيه. وهكذا من باب أولى. وفي قوله عليه الصلاة والسلام «كلوا إن شئتم» فيه إباحة لمن يستقبح ذلك أن يؤذن له أن لا يأكل حتى لا يقال أنت حرمت شيئًا أحله الله، فالمسألة ليست كذلك. فإن من الناس من يعاف مثل هذا، فإذا عاف مثل ذلك ولم يحرمه فلا بأس في ذلك. أما إذا حرمه قال «حرام» فهذا هو المحرم والذي لا يجوز. ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب «هذا حلال وهذا حرام» لتفتروا على الله الكذب، إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، متاع قليل ولهم عذاب أليم. وفي قول أبي سعيد رضي الله عنه «سألنا عن الجنين يكون في بطني الناقة أو البقرة أو الشاة» ليس هذا للحصر، ولكنه خرج مخرج الغالب. وهذا الحكم عام في هذه وفي غيرها مما قد يكون لها نفس الحكم. فلو ذبح مما يجوز أكله غير بهيمة الأنعام فإنه كذلك يكون له نفس الحكم، ذكاة الجنين بذكاة أمه. وأما قوله رحمه الله تعالى «وَمَا أُبِينَ مِنَ الْحَيِ فَهُوَ مَيْتَةٌ» يعني ما قطع من الحي فهو حكمه حكم الميتة. والمعنى أنه لا يحل أكله. وهذا هو المتعلق بهذا الباب. ودليله ما أشار إليه في حديث عبد الله بن عمر، وفيه ضعف، لكن له طرق كما أشار إليها يشد بعضها بعضًا فيرتقي إلى الحسن. فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن ما قطع من بهيمة وهي حية فهو ميتة. وجاء في بعض الطرق أن فيه قصة. فالشاهد هذا الحديث يدل على أن ما قطع من البهيمة وهي حية فحكمه حكم الميتة، وذلك بأنه لا يحل أولًا، وأنه ثانيًا يكون حكمه حكم الميتة لا ينتفع به. وقد علمنا فيما تقدم أن الميتة لا ينتفع بها لا ببيع ولا شراء ولا غير ذلك، إلا ما كان مما لا ينافي ذلك، كأن يكون مثلًا سمادًا في أرض بغير بيع ولا شراء ونحوه. وهو كذلك نجس في قول بعض أهل العلم على ما تقدم ذكره في الأبواب المتقدمة، لأنه ميتة فيلحقه حكم الميتة من جميع جوانبها. والمقصود ها هنا أن المؤلف رحمه الله يريد أن يبين أن ما أبين وما قطع من الميتة فلا يحل أكله. ثم قال رحمه الله تعالى: قال «وتحل ميتتان ودمان: السمك والجراد، والكبد والطحال. وتحل الميتة للمضطر». وهكذا من مسائل هذا الباب أن الله عز وجل أحل لهذه الأمة ميتتان ودمان. وأشار إلى دليله في الشرح بحديث عبد الله بن عمر، روي مرفوعًا وموقوفًا. وأشار إلى المرفوع الذي رواه الدارقطني والشافعي والبيهقي. قال عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال». وأشار إلى أنه فيه ضعف، فبإسناده عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهذا الحديث بهذا اللفظ والسياق والإسناد لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد بيّن الحفاظ أنه روي مرفوعًا من طريق ثلاثة من أبناء زيد بن أسلم، وكلهم ضعفاء: عبد الله، وعبد الرحمن، وأسامة، وكلهم ضعفاء. ولا يصح الحديث بهذا السياق واللفظ مرفوعًا. ولكنه صح موقوفًا على عبد الله بن عمر من طريق سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عن عبد الله بن عمر من قوله «أحل لنا ميتتان ودمان». رواه الدارقطني وصححه. ورجح عدد من الحفاظ أن هذا أصح أي الموقوف من المرفوع. ومنهم أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما. والموقوف له حكم الرفع، يعني انتهينا إلى أن الحديث صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، لأن عبد الله بن عمر لا يقول «أحل» إلا لما علم أو لما علم أنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم. فهو من الموقوف الذي له حكم الرفع. ولهذا فالصواب إذا حدث أحد بهذا الحديث فلا يحدث به مرفوعًا، ولكن يحدث به موقوفًا، ثم يقول: هو موقوف له حكم الرفع، حتى لا ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله. والشاهد منه أن الحديث أفاد أن ميتتين اثنتين أحلت لهذه الأمة، أحدهما الحوت وهو ما يكون في البحر، والجراد وهو معروف. وهذا هو الشاهد لإيراد هذا الحكم في هذا الباب. وأما الدمان ففسر في الحديث الكبد والطحال، وهو معلومان. فالحوت لا يحتاج إلى تذكية، وإن وجد ميتًا فإنه كذلك يحل. وهكذا كذلك الجراد لا يحتاج إلى تذكية، وإذا وجد كذلك ميتًا فإنه يحل لنص هذا الحديث ولأحاديث أخرى كثيرة. وقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات نأكل الجراد». وهكذا صح في حديث عبد الله بن عمر معناه. وجاء كذلك في حديث ابن عباس موقوفًا عليه، وبعضهم جعل له حكم الرفع. وقد أورده البخاري معلقًا، وأشار إليه بالشرح أنه قال: «كل من صيد البحري صيد يهودي أو نصراني أو مجوسي». وهذا الذي روي معلقًا وصله الحافظ في التغليق تغليق التعليق، وذكر أن البيهقي رحمه الله وصله وحسنه. وهذا من الموقوف الذي لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع، فيكون حكم ميتة البحر مما يعيش في البحر: الحوت والسمك حلال، لأنه لا يحتاج إلى تذكية. وهكذا كذلك الجراد. وقد رويت فيه موقوفات كثيرة عن عدد من الصحابة. وهذه الموقوفات لا تقال بالرأي، فعلم أن لها أو في أكثرها لها حكم الرفع. وهل هذا الحكم يخص هذين الصنفين المذكورين أو يلحق به غيره؟ بعض أهل العلم خصّه، وبعض أهل العلم ألحق به غيره مما له نفس المعنى. فإن الشرع لا يجمع بين مفترق كما لا يفرق بين مجتمع، فألحقوا بالجراد كل ما لا سائل له أو ما ليس له نفس سائلة مما يحل أكله. وقد مر معنا في كتاب الأطعمة في بعض الحشرات التي أجازها بعض أهل العلم لعدم وجود الدليل الصحيح الصريح المحرم لها. فهي وإن لم تسمى جرادًا ألحق بها حكم الجراد، لأنها لها نفس وصف الجراد، فهي من الحشرات التي تتغذى على الأشجار، وليست بخبيثة ولا نجسة، ولا تتغذى على الخبيث النجس، وليس هناك في الشرع شيء صحيح صريح يحرم ما كان مثل ذلك. وكون بعض الناس لا يأكله أو كذلك يعافه لا يعني ذلك أنه حرام. وقد عاف النبي صلى الله عليه وسلم الضب ولم يأكله، ولكنه لم يحرمه عليه الصلاة والسلام. وهكذا لا تزال عدد من الأطعمة إلى يومنا هذا يعافها قوم ويأكلها آخرون. والعبرة في الإقدام والإحجام ليس هو الأهواء والعواطف ولا الشهوات والرغبات، ولا كذلك عرف الناس، ولكن المعيار هو ما دل عليه الدليل الشرعي بخصوص لفظه أو عمومه، وما كان عليه فتاوى أهل العلم من السلف الصالح ومن تبعهم من أئمة الهدى. فلذلك كان الصحيح أنه يلحق بالجراد ما كان بمعناه إذا اجتمعت فيه نفس العلة. وهكذا كذلك الحوت، وإن كان هو في سمك البحر فهو كذلك في سمك النهر، بل وهو كذلك في البحيرات الصغيرة، فكل ما يعيش في الماء مما يختص بالماء فله حكم الحوت. وإن كان لفظ الحوت كما هو معلوم يطلق على السمك وما كان بمعناه من الكبير والصغير من الأسماك. لكن هل الحكم خاص بالسمك الصحيح؟ لا، بل هو للسمك ولكل ما كان بمعنى السمك مما يختص عيشه في البحر، هو الحل ميتته. فقول عليه الصلاة والسلام «الحل ميتته» في الحديث الآخر دليل على أن هذا الحكم متعلق بهذه العلة: كونه يختص بالعيش في الماء. فتوجد أشياء تعيش في الماء وتختص بالعيش في الماء، وليست هي من جنس السمك، مثل: ما يسمى بالروبيان أو صرطان البحر أو قواقع البحر أو غير ذلك مما يكون في الماء ويختص بالعيش في الماء، فله حكم هذا الحوت والسمك. وحلت لنا ميتتان ودمان: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته. وهل هذا الحكم يكون كذلك لما يعيش في البر؟ تقدم معنى أن ما كان منه يعيش في البر فيه خلاف. والصحيح والأحوط أنه لا بد من تذكيته ما دام أنه يعيش في البر. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم في الصيد أن يذكى إذا أدرك حيًا، مع أن رمية الصياد تحله، وصيد كلبه يحله. ومع ذلك إذا أدركه حيًا وجب عليه أن يذكيه. فكذلك من باب أولى ما كان من صيد البحر يخرج إلى البر حيًا، فلا بد من تذكيته. فإن الشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع كما تقدم معنا. فمثلًا السلحفاة يكثر السؤال عنها، هل يجب تذكيتها؟ الجواب: يجب أن تذكى إذا أدركت حية في البر، لأنها قد أدركت حية. وإذا قال ما قال عليه الصلاة والسلام في حق صيد البر، فمن باب أولى صيد البحر. وهذا هو القول الصحيح، وهو الأحوط، والذي تقتضيه عمومات الأدلة. ثم قال رحمه الله تعالى: «يجوز أكل الميتة للمضطر». ويشير بهذا إلى أن من أحكام هذا الباب حل الممنوع عند الضرورة. حل الممنوع عند الضرورة إذا كانت الميتة لا تحل، لكنها للضرورة تحل، فكذلك ما كان بمعناها مما فيه معنى هذا التحريم، فإنه يحل للضرورة. وأشار إلى دليله من الكتاب والسنة: قول الله جل وعلا في الميتة، وما كان بمعناها من المحرمات «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ» بعد ذكر أصناف من أنواع المحرمات مما لا يجوز أكله. فإذا كان كذلك فيكون هذا الحكم مجتمِعًا لكل ما سبق ومر معنا من المحظورات، ما لم يكن فيه شيء من الضرر، فلا ضرر ولا ضرار. ولهذا يجوز له أن يأكل بقدر رفع الضرورة، كما قال الله عز وجل «فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ». واستره ابن عمر. وجاء معنا عن ابن عباس قال: «لا يتعداه من الحلال إلى الحرام». وروي عنه أنه قال: «لا يأكل أكثر من حاجته». وفي رواية: أنه «لا يتزود منه». فهذا معناه أنه يأكل بقدر الضرورة. فلو كانت الضرورة مستمرة، غلب على ظنه مثلًا أنه سيأكل الآن قليلًا يدفع عن نفسه الضرورة، لكنه لن يجد طعام فيما يغلب على ظنه فيما بقي من سفره أو من طريقه، فهل يجوز له أن يستزيد حفاظًا على ما بقي من ضرورته أو يتزود؟ الجواب: نعم، يجوز له إذا غلب على ظنه، لأنه بهذا هو ليس معتد وإنما المحرم هو من كان باغيًا أو معتدًا، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه. أما الذي يتعدى الضرورة إلى المحظورة فهذا هو الآثم. ولهذا قال العلماء: الضرورات تبيح المحظورات، بشرط ماذا؟ عدم نقصانها عنها. ومعنى عدم نقصانها عنها: أي أنه لا يكون أمر اقتراف المحظورة أعظم من الضرورة، وإنما أبيحت المحظورة لأجل الضرورة. فلذلك إذا اندفعت الضرورة بالقليل فلا يجوز له أن يتعدى إلى الكثير. وهكذا له صور ومسائل كثيرة تدخل في هذا الحكم. وبه نعلم كذلك أن هذا الحكم ليس خاصًا بالميتة، بل هو كذلك في كل ما سبق ذكره مما يحرم أكله إذا اضطر إليه، فإنه يجوز له أن يأكله. على أن أهل العلم نبهوا في بعض المطولات إلى أن ذلك المحرم يتفاوت. ولذلك ينبغي أن يقدم من أراد أن يترخص بالرخصة في هذا الباب ما هو أخف حرمة، ما هو أخف حرمة. فهي كلها محرمات، لكن المحرمات تتفاوت. فمثلًا الميتة فيها معنى من معاني الحرمة، ولكن هل الميتة أو لا؟ إذا كانت مطلقة أو ميتة وهي ملك لإنسان آخر، فهذا صار فيه الحرمة من جهتين. وهذا صار فيه الحرمة من جهة واحدة. وكذلك لو كان مثلًا فيه معنيين من معاني التحريم، فهذا أعظم مما فيه معنى واحد. وهكذا قس على ذلك في الأخص والأعم، وما يتعلق بحق الله وما يتعلق بحق الآدمي وغير ذلك مما يترتب عليه ترتيب هذه المحرمات خفة وشدة، بما يكون به الترخص بالأخف، ثم إذا اضطر إلى الأعلى. طيب نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.