الدرس في كتاب الزكاة من الاختيارات الفقهية 3، الدرس الثالث:من( ودين الإبن الذي له على أبيه ...هل ينزل منزلة تبرعه في المرض أم لا ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تناول الشيخ مسألة زكاة دين الإبن على الأب، حيث ذكر خلافًا بين أهل العلم في وجوب الزكاة واستدل بحديث "أنت ومالك لأبيك". شيخ الإسلام ابن تيمية اختار عدم وجوب الزكاة في هذا الدين.
يناقش المقطع حكم زكاة المال الذي عند الأب للابن، ويبين أن الصحيح أنه لا تجب الزكاة عليه لعدم استقرار المال في يده. يقارنه بدين الكتابة الذي لا تجب فيه الزكاة لأنه ضائع.
يتناول المقطع حكم استرجاع المريض ملكه المنتقل عنه أو عن غيره، ويشرح الخلاف في هذه المسألة. يبين أن الصحيح هو جواز الاسترجاع إذا كان بوجه صحيح، كما يتناول مسألة تصرف الأب في مال ابنه.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وقال رحمه الله تعالى: ودين الإبن الذي له على أبيه، قال أبو العباس: الأشبه عندي أن يكون بمنزلة المال الضال، فيخرج على الروايتين، وجهه ظاهر. فإن الإبن غير ممكن من المطالبة به، فقد حيل بينه وبينه، ولو قيل: لا تلزمه زكاته بمنزلة دين الكتابة، لكان متوجهًا. وهذه مسألة أخرى من المسائل الخلافية بين أهل العلم، تتعلق بدين الإبن الذي هو عند الأب، وذكر الأب خاصة؛ لأن هذا النوع من الدين بمنزلة المال الضال، أي الضائع. وسبب ذلك ما ورد في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك»، حديث جابر وسمرة وابن مسعود عن النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا الحديث هو الأصل في هذه المسألة. فلما كان الأب يملك أصل المال، ويجوز له أن يأخذ منه، فمن باب أولى إذا كان للإبن عند الأب دينًا، فيجوز للأب أن لا يرد هذا الدين للإبن، كما لا يجوز للإبن أن يطالب أباه بهذا المال، ما علمه بحاجته له وغناه عنه. وفي هذه المسألة خلاف كما أشار، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله اختار أحد الروايتين عن الإمام أحمد بأنه ليس فيه زكاة. فقوله: ودين الإبن الذي له على أبيه، أي معطوف على قوله: لا تجب في دين مؤجل إلى آخره، أي كذلك لا تجب الزكاة في دين الإبن الذي له على أبيه، لا تجب الزكاة. ومعنى لو أخرج من نفسه جاز ولا يجب عليه؛ لماذا لا يجب عليه؟ لأن هذا المال لا يمكن للإبن أن يمتلكه الآن، كما أنه كذلك لا يستطيع أن يطالب به. فلذلك قال ما قال رحمه الله تعالى. وقوله: الأشبه عندي؛ لأن المسألة فيها خلاف، فقال هذا الذي ذكره رحمه الله، على أن هذا الكلام ليس على إطلاقه، فقد ثبت عنه رحمه الله تعالى أنه ذكر بعض القيود في مواضع أخرى من كتبه. فذكر في الفتاوى الكبرى كلامًا معناه أنه يقيد بما كان هذا عند اتفاق الدين، أي الإبن والأب، لا عند اختلاف الدين. وهذا هو المروي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهكذا كذلك يفهم من كلامه في مواضع أخرى: أنه رحمه الله فصل فيما إذا كان الإبن مستغنيًا والأب محتاجًا، وفيما إذا كان الإبن محتاجًا والأب مستغنيًا. يعني لا يجوز للأب أن لا يرد المال للإبن مع علم الأب أن الإبن فقير ومحتاج، قد ينقل بالحال، قد يستدين الأب من الإبن في حال حاجة الأب العارضة، وربما تكون حاجته ليست أشد من حاجة الإبن، فيؤثر الإبن ما عنده لأبيه. فإذا أغنى الله عز وجل الأب مع علمه بحاجة الإبن، وجب عليه أن يرد لإبنه هذا المال، هذا من حيث الاستحقاق. وأما من حيث وجوب سداد الزكاة من هذا المال الذي هو في الدين، فهذا الصحيح: أنه مثل مال المعسر؛ لأن الإبن لا يمكنه الإلحاح على الأب، فلا يستطيع الإبن أن يطالب الأب ويلح عليه للحديث المتقدم. وقوله رحمه الله تعالى: ووجهه ظاهر، أي ترجيح هذا القول ظاهر لما ذكر رحمه الله من التعليل، قال: فإن الإبن غير ممكن من المطالب به، فقد حيل بينه وبينه؛ لماذا؟ للحديث: «أنت ومالك لأبيك»، فهو لا يستطيع أن يطالب الأب ما دام أن الأب يمتلك ماله وهو في حوزته. فكيف وقد خرج من حوزته إلى حوزة الأب؟ فصار هذا المال الذي ليس في يده ليس بمستقر، وبهذا لا تجب عليه الزكاة على القول الصحيح. وقوله: ولو قيل لا تلزمه زكاته بمنزلة دين الكتابة لكان متوجها؛ لماذا؟ لأن دين الكتابة دين ضائع. الرجل الذي يكاتب عبده من أين سيأتي العبد بالمال؟ المكاتب من أين سيستسعي؟ سيذهب هنا وهنا ويأتي بالمال، فهل هذا الدين الذي عند العبد المكاتب فيه زكاة؟ الصحيح ليس فيه زكاة؛ لأنه بمثابة المال الضائع، مال ليس في يده، ولا يدر هل سيصل إليه أو لا يصل. فلذلك الصحيح أنه ليس فيه زكاة، فكذلك المال الذي عند الأب للإبن بمثابة دين الكتابة، فدين الكتابة ضائع، كذلك دين الإبن عند الأب ضائع. ومعنى ضائع: أي لا يستطيع أن يطالب به، كما أن المكاتب لا يستطيع أن يطالب المكاتب -أي العبد الذي قد استسعى في كتابه ليعتق نفسه- فكذلك الحال في دين الإبن مع أبيه. وهذا قياس، وذاك الدليل. قال رحمه الله تعالى: ودين الولد هل يمنع الزكاة عن الأب لثبوته بالذمة أم لا لتمكنه من إسقاطه؟ أخرجه أبو العباس على وجهين. والوجه كما تقدم معنا في دروس سابقة غير الرواية، فالرواية هو القول المروي عن الإمام، إمام المذهب، مثلا الإمام أحمد، يقال له رواية في كذا ورواية بكذا، مثلا رواية بالمنع ورواية بالجواز، رواية بالوجوب ورواية بعدم الوجوب. فهذا المنقول عن الإمام نفسه يسمى رواية، وما لم ينقل على الإمام، ولكن ينزل قول بعض الأتباع على قول يشبهه عن هذا الإمام، يسمى وجه، يقولون: هذا وجه في مذهب الإمام أحمد. فالوجه ليس هو القول الصريح عن الإمام، ولكنه قول بعض الأتباع المخرج على قول بعض الأئمة. فإن كان مثلا هنا الإمام أحمد، فالإمام أحمد قال: أخرجه أبو العباس على وجهين، أي في المذهب، وجعل أصلهم الخلاف على أن قدرة المريض على استرجاع ملكه المنتقل عنه أو عن غيره، هل ينزل منزلة التبرع بالمرض أم لا؟ وهذه مسألة أخرى، وهي عكس الأولى: دين الولد هل يمنع الزكاة عن الأب لثبوته بالذمة؟ يعني فيكون ذلك منقصًا من الزكاة. إذا قلنا أن الإبن لا يمتلك ما عند الأب، إذا قلنا أن الإبن لا يمتلك ما عند الأب، فإذا كان كذلك، فهل كون الأب يمتلك ما عند الأب يكون ذلك مانعًا للزكاة؟ فإذا كان مثلا للولدين على الأب، هل يمنع ذلك الزكاة عن هذا الأب؟ قال: أن أبو العباس خرجه على وجهين، أي في المذهب. وجعل أصلهم الخلاف على أن قدرة المريض على استرجاع ملكه المنتقل عنه، والمراد بالمريض هنا صاحب العطية؛ لأن تبرع المريض في مرض مخوف ينزل منزلة الوصية، وهو ما يسميه الفقهاء بالعطية، ما يسميه الفقهاء بالعطية. فما كان كذلك ينزل منزلة الوصية. فإذا تبرع إنسان بماله وهو مريض مرض مخوف، الصحيح أن هذا المال لا ينفذ منه إلا ما لا يزيد عن الثلث، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الثلث والثلث كثير». وهل هذا كان بعد الوفاة أو كان في حال مرض مخوف؟ الجواب الثاني: في مرض مخوف. فهنا حصل القياس، قال: أصلهما الخلاف على أن قدرة المريض على استرجاع ملكه المنتقل عنه أو عن غيره، هل ينزل منزلة تبرعه في المرض أم لا؟ وهذه عكس مسألة التبرع. التبرع أن يتبرع، لا يجوز للمريض أن يتبرع بأكثر من الثلث؛ لأن ما زاد عن الثلث فهو للورثة. طيب إذا كان لا يجوز له التبرع بأكثر من الثلث؛ لأن أكثر من الثلث لا يملكه، هل يجوز له الاسترجاع؟ أم أننا نقول كذلك هو لا يملك؟ في هذا خلاف، أي في استرجاع المريض ملكه المنتقل عنه أو عن غيره خلاف؛ لأن بعضهم لم يجعل المسألة مضطردة. فقالوا: النص إنما ورد في الإخراج، ولم يأتي النص في الإدخال، النص ورد في الإخراج، يعني النهي إنما ورد في إخراج أكثر من الثلث، ولم يأتي النهي في إدخال شيء من المال إلى الملك والحوزة، هذا من جهة الدليل والقياس فيه. وهكذا كذلك تعليل آخر: أن يقال أن إدخال المال إلى الملك هو في مصلحة المالك ومصلحة الورثة. وإنما ورد النهي في عدم إخراج أكثر من الثلث؛ لما فيه من الإضرار على من؟ على الورثة. فإذن هذا لا ينافي هذا، لا ينافي ما ورد من نهي في هذا الباب. ولهذا كان الصحيح أن المريض يجوز له أن يسترجع ملكه المنتقل عنه إذا كان بوجه صحيح. لهذا القيد، فمثلا العائد بهبته هذا ليس وجه صحيح، العائد بهبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه. لكن وهبه به أو أعطى عطية لمن ظن أنه يستحق فتبين أنه لا يستحق؛ لأنه أعطى بقيد وشرط، هل يجوز أن يسترجع؟ لفقدان الشرط والقيد، الجواب الصحيح: يجوز أن يسترجع؛ لأنه لا يزال يحسن التصرف، وما يتكلم به يقبل شرعًا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وليس هذا منهم. وقال: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وهذا ليس منهم. «ورفع القلم عن ثلاثة»، وهذا ليس منهم. فإذا ما وجه إبطال تصرفه؟ لا وجه لإبطال تصرفه، فيبقى على أصل الحل. طيب إذا تبين هذا في المسألتين، نرجع الآن إلى مسألة الزكاة، فهل كذلك يقال أن تصرف الأب في مال ابنه إذا كان يملكه، فهل كذلك لا يضره كون المال له عند ابنه؟ الصحيح أن هذا لا علاقة له بذلك. الصحيح أنه لا علاقة له بذلك، ولهذا قال: ودين الولد هل يمنع الزكاة عن الأب لثبوته في الذمة أم لا لتمكنه من إسقاطه؟ الجواب: ترك المسألة على الخلاف، ثم قال: أخرجه أبو العباس على وجهين، وجعل أصلهم الخلاف على أن قدرة المريض على استرجاع ملكه المنتقل عنه أو عن غيره، هل ينزل منزلة تبرعه في المرض أم لا؟ والوجهان المرويان ها هنا، أي المسألة فيها خلاف، أن المسألة فيها خلاف في هذه، في المسألة التي بعدها، هي مسألة العطية، والصحيح فيها التفصيل، فكذلك في هذه التفصيل. فما هو التفصيل؟ التفصيل: أنه يفرق في العطية، فلا يجوز في أكثر من الثلث، ويجوز الاسترجاع. فكذلك يقال: يقال بالنسبة لدين الولد مع زكاة الأب، فإن الأب لا يضره، ولا ينافي ما ورد في الدليل كون أنه عليه دين للإبن، أن يضر ذلك بالزكاة، فيقال: هو كغيره من الناس. إن كان الدين للولد على الأب، وكان الأب لا يستطيع السداد، فأعطاه فنقص من الزكاة عن النصاب، فلا تجب الزكاة. أو كان الدين العكس للأب عند الولد، ويستوف به النصاب، وهو أي الولد معسر، فلا يستكمل الأب النصاب إلا إذا رد هذا الدين، فإذن ما دام المال لا يستكفي النصاب والولد معسر، فهو كسائر الناس، ليس عليه زكاة. وإن كان الولد ليس بمعسر، فعليه أن يأخذ المال من هذا الولد ويستكمل ويستوفي به الزكاة، فحكمه كحكم سائر الناس في هذه المسألة. طيب نكتفي هذا اليوم بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.