تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 3

تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 3

الدرس في تفسير سورة القمر من تفسير الجلالين 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

قصص الأمم السابقة وعذابهم

يتحدث الدرس عن قصة عاد وثمود وكيف عذبهما الله لعنادهما وكفرهما، حيث سلط على عاد ريحًا صرصرًا قوية وفي يوم نحس مستمر. يُظهر القرآن بلاغة في التخويف والتذكير بتكرار الآيات التي تُيسر للذكر.

تفاصيل عذاب قوم عاد بالريح العظيمة

تصف الآيات عذاب قوم عاد بريح عظيمة قوية شديدة تسببت في اقتلاع الأشجار وتدمير كل شيء. يبين الشيخ قوة هذه الريح وشدتها في تدمير قوم عاد.

عقوبة الله تعالى للأمم السابقة وعدم الاستجابة

يتحدث الدرس عن عقوبة الله للأمم السابقة مثل قوم ثمود، ويبين أن الله لم يعاجل بالعقوبة بل وعظ وذكر مرات عديدة. كما أوضح أن عدم استجابة الناس يوقع عقوبة الله.

التفريغ النصي الكامل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فَذُبِتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ، إِمَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ، تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. كذَّبت ثمودُ المرسلين، فقالوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ، أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ، سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنْ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ. إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ، وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ، فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ، فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ. إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ. وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ. قال المفسر رحمه الله: كذبت عادٌ نبيَّهم هودًا، فعُذِّبوا، فكيف كان عذابي ونذري؟ وللإعلام والإنذار لهم بالعذاب قبل نزوله، أي: وقوع موعده، وقد نبَّه بقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ أي: شديدة الصوت، ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ شؤمٍ ﴿مُسْتَمِرٍّ﴾ دائم الشؤم أو قويه، وكان يوم الأربعاء آخر الشهر. ﴿تَنزِعُ النَّاسَ﴾ تقلعهم من محلِّهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ كان لهم وحالهم ما ذكر، أعجاز نخل مقلوعة، موقع ساقط على الأرض. فكيف كان عذابي ونذري؟ ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر؟ كذبت ثمود بالنذر، أي: بالأمور التي أنذرهم بها نبيهم صادقًا إن لم يؤمنوا به ويطيعوه. فقالوا: أَبشر منا واحدًا نتبعه؟ إنا إذا لفي ضلال وسعر، أألقي الذكر عليه من بيننا؟ بل هو كذاب أشر، سيعلمون غدًا من الكذاب الأشر. إنا مرسلون الناقة فتنة لهم، فارتقبهم واصطبر، ونبئهم أن الماء قسمة بينهم، كل شرب محتضر، فتنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر، فكيف كان عذابي ونذري؟ إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر. ما زلنا في هذه الآيات العظيمة من سورة القمر، التي فيها محاججة المشركين وتخويفهم وتهديدهم بعد إقامة الحجج عليهم. ومر معنا ذكر قصة نوح، وما فيها من عظات وعبر وتخويف. وأتبعت هذه القصة بقصة نبيين من أنبياء الله، وأمتين من الأمم عُذِّبتا لما كان منهم الكفر والعناد والإعراض عما جاء به رسولهم عليهم الصلاة والسلام. فأتبع لقوم عاد ونبيهم هود عليه الصلاة والسلام، وأخبرنا الله عز وجل كيف عذبهم لما كان منهم الكفر والعناد والإعراض عما جاء به نبيهم ورسولهم هود عليه الصلاة والسلام. وانظروا إلى بلاغة آيات القرآن العظيم كيف يأتي فيها إجمال وتفصيل، ثم إجمال ليحصل من ذلك تخويف وتذكير. ثم يأتي التفصيل فيزداد ذلك الخوف والذعر، وكذلك الوعظ والازدجار، ثم يختم بشيء من الإجمال الآخر الذي هو التذكير لذلك التفصيل. ثم يختم بالآية التي فيها الأمر بالاتعاظ والذكر بما جاء في القرآن، فبدأت الآيات بقوله: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾. وبهذا ربط للسابق بالماضي، وهذه هي الحكمة في تكرار مثل هذه الآية، كأنه واعظ يعظ ويذكر ويخوف ويقول: اتقوا الله، ارجعوا قبل أن يأتي عذاب الله. اتقوا الله، اتعظوا لما في كتاب الله، اتقوا الله، انتبهوا أن يصيبكم ما أصاب الأمم السابقة من عذاب الله. فهذه الجملة تناولت معاني كثيرة عظيمة فيها تخويف للمشركين، وتسلية للمؤمنين، حين يسمعها المؤمن ينظر إلى معاني فرج الله وعظيم قدرة الله. وكيف أنه أنجى عباده المؤمنين في أمم سابقة كثيرة، وهكذا كذلك إن شاء الله سيأتيهم الفرج فيما هم فيه. وحين يسمعها الكافر والمشرك يكون فيها من التخويف والتهديد ما يوقع في قلبه الخوف. ذكر قوم عاد، وذكر الله عز وجل كيف عذبهم بهذه الريح العظيمة، سماها ريح صرصر، يعني لها صوت شديد. والقاعدة عند أهل العربية: تكرار المبنى يدل على تكرار المعنى، يعني صريرها يتكرر بقوة وشدة. قال: شديدة الصوت، والصحيح أنها أعظم من ذلك؛ لأن فيها صوت وأثر، فهي فيها صوت شديد وأثر أشد من ذلك الصوت. وبين الله عز وجل هذا الوصف أنها تقتلع كل ما في الأرض كأنه أعجاز نخل منقلع. تصور نخلة تقتلع من الأرض، كأنك تقلع مساويك، انظر كيف تقلعها المسواك إذا أردت أن تقلعه وأنت إنسان ضعيف. فكيف بنخلة على قوته يخرج قلعًا بماذا؟ بريح، ليس إنسان عظيم قلعًا نخل قلعًا، وإنما ريح تقلع النخل. والنخل معروف من أقوى الأشجار وثباتًا؛ لأن جذورها تنزل في العمق ولا تمشي في الأفق، فهذا معناه أنها أشد ثباتًا كالأوتاد العظيمة. يعني كأنك ضربت مسمارًا الذي دخل في الأرض ضعفين مما فوق الأرض، أن جذور النخل يقولون: تمتد طولًا أكثر من ضعفين طولها. كيف تستطيع أن تقلع شيء ثابت ماسك في الأرض أكثر من ضعفين ما طوله؟ ولذلك تجد النخلة طويلة ونحيفة وتأتيها الرياح الشديدة تميل كل الميل ولكن ما تخرج، ما تنكسر. الأشجار الأخرى تنكسر، الأشجار الأخرى تنكسر إذا اشتد عليها الريح، حتى ولو كان جدعها ضخم ربما جدع بعض الأشجار ضعف عرض جدع النخلة بمرتين بثلاث، ومع ذلك ينكسر إذا جاءت الريح الشديدة. وتنخلع حتى السدر، ترون السدر على ضخامة شجرة السدر الذي يعرف، أشجار السدر تنخلع تنخلع بالماء تنخلع بالريح الشديدة. لكن النخل ما ينخلع؛ لأن جذوره تضرب في بطن الأرض بعيدًا فتتمسك بقوة، ومع ذلك أخبر الله أنها تقتلع وكل ما في الأرض يقتلع مثلها، هذا دليل على قوة هذه الريح. قوة هذه الريح أنها ريح عظيمة قوية شديدة، صرصر صوت، وكذلك أثر أعظم من هذا الصوت، ولهذا سماه ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ يعني فيه من معاني الشؤم عند هؤلاء ما لا يمكن أن يوصف. كل شيء دمر بهذه الريح، ما بقي شيء، وقيل: إنه كان آخر يوم في آخر الشهر، يوم الأربعاء في آخر يوم في السنة، هكذا اشتهر في الإسرائيليات. وليس هذا ببعيد، لكن ليس عندنا فيه خبر صحيح صريح، والأخبار الإسرائيلية لا نصدقها ولا نكذبها، فالله أعلم قد يكون وقع وهو من حيث الحساب كما قال بعض الفلكيين: أنه معقول الوقوع. ومن حيث التجربة هو كذلك، لكن كونه وقع حتى لو وقع في يوم الأربعاء في آخر يوم في شهره في السنة، آخر يوم في السنة لا يعني ذلك أنه يوم مشؤوم. اليوم إلى اليوم، تجد بعض الناس إذا قلت: واحد أربعاء، تقول: على قرنبوك، ها تشيئمون يوم الأربعاء؟ والسبب ماذا؟ يقول الله سماه في القرآن يوم نحس. وهذا ليس صحيح، الله أولًا لم يسم يوم الأربعاء، وما ذكره بعض أهل التفسير وهو كذلك عند أهل الكتاب، حتى لو صح أنه يوم الأربعاء لا يعني أن كل يوم أربعاء يوم نحس. لكن قال بعض العلماء: أنه كونه وقع في آخر يوم في الشهر في السنة، هذا معناه أن من أسباب العقوبة بالتجربة، بالتجربة آخر يوم في السنة. ولذلك لو تأملت أحداث التي وقعت في الأرض تجد أنها تقع كثيرًا في آخر يوم في السنة، والله عز وجل على كل شيء قدير. الغالب أن احتفالات المشركين من قديم تقع متى؟ في آخر يوم في السنة، ويكون فيها من الفساد والشر الشيء العظيم. وكذلك يوافق ذلك حركة الشمس والقمر والأفلاك والبحار والأشجار والرياح تتأثر بماذا؟ بحركة الشمس والأشجار والأفلاك والقمر. ولذلك لو تأملنا على سبيل المثال القريب تسونامي الذي وقع أعظم تسونامي في العصر الحديث، وقع دمر الكثير من البلدان، كان متى؟ في آخر يوم في السنة. ذهبت إلى بعض تلك الجزر، جزيرة أتشيه، أتشيه هذا من الجزر التي وقع فيها العذاب، تسونامي وصلها، رأيت سفينة أقول مثل هذا المسجد نصفه أكبر من نصفه. يعني في الطول أطول من هذا المسجد يمكن مرتين منه، كأنها مدينة، سبحان الله، تعرف قوة عقوبة الله سبحانه وتعالى وعظيم أثر هذا البحر والموج الذي دخل إلى وسط المدينة. الآن بعد أن رجع البحر استقر، كيف دخلت هذه السفينة إلى هنا؟ سبحان الله، كيف دخلت هذه السفينة؟ قيمتها مليارات، ما استطاعوا أن يردوها إلى البحر، خلاص بقيت. دمرت كل شيء، فجعل الله لهم آية السفينة أدخلها لهم إلى وسط المدينة، تجي تنظر المدينة تقول: السفينة أين البحر؟ ما في بحر، البحر بعيد. كيف أدخلها الله بقوته أعظيم عظمته سبحانه وتعالى؟ وقد جلست مع أحد الناجين إمام مسجد هناك، يقول: سبحان الله، لما وقع هذا التسونامي. يعني انظر سفينة بهذا الكبر دخلت في مدينته، وهو إمام مسجد بجانب هذا البحر في هذه المدينة، يحكي لنا يقول: ذهبت ذاك اليوم إلى الساحل كعادتي أبحث عن شيء من السمك قبل الظهر لأجل أسرتي. فإذا به يسمع بصوت صرير، فنظر إلى البحر فإذا مثل الجبل العظيم مقبل، الماء كالجبل، قالت: ما دريت كيف أفر؟ فما كان مني إلا أن أقول: قامت القيامة، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله. فهذا الصرير جعل الناس يقبلون على البحر، جاءت زوجته فرأته وهارب من الموج، فيأتي الموج فيأخذه، قال: فكنت أصعد وأنزل، الماء يأخذني إلى أعلى ويردني إلى أسفل البحر. والبحر دخل فوق البيوت فوق البنيان فوق الجبال، الشاهد: كلما أطلع أقول: قامت القيامة، لا إله إلا الله، وينزل إلى الأسفل، فأخذ على هذا وقت. فما دري بنفسه بعد ساعات بعد أن تراجع الماء إلا وهو فوق أحد الجبال، فوق أحد الجبال، أنجاه الله، سبحان الله، قوة الماء أن أصعده إلى أحد الجبال. وهذه الجبال مليئة بأشجار جوز الهند، ومن عظيم قدرة الله وآية: مات أكثر من في القرية، أكثر من في القرية مات، رجال نساء أطفال، وهو وزوجته ممن نجيا. قال: وكان من أسباب النجاة أن الله سخر هذه الماء ترفعنا إلى الجبل وتضعنا فوق الأشجار، والشاهد هنا: أن كل شيء قلع إلا أشجار جوز الهند كانت باقية، الكثير منها كان باقيًا؛ لأنها في الأعلى ومن تمسك أكثر. فأول ما بدأوا شربوا من ماء جوز الهند، ويقولون: الغريق يستحسن إذا أريد نجاته أن يشرب من ماء جوز الهند، يشرب من ماء جوز الهند، فأنجاه الله سبحانه وتعالى. فالشاهد: انظروا إلى عقوبة الله العظيم أثرها، وهكذا كذلك ما وقع للأمم السابقة، فالشاهد قوله: آخر يوم، لا مانع أن يكون ذلك، ولكن الله أعلم. لا نصدقهم ولا نكذبهم، ومع هذا لو وقع لا يعني أنه ماذا؟ لازم أن يكون فيه شؤم وشر، خطأ، ولهذا جاء في الحديث: «لا عدوى ولا نطيرة ولا هامة ولا صفر» حديث أبي هريرة في الصحيحين. ومعنا من حديث ابن عمر، فنهانا أن نتشاءم من الأيام بعينها، أو كذلك الأوصاف، والتشاؤم هو أو التطير هو التشاؤم بكل مسموع أو معلوم أو مرئي. الخير وشر كله بيد الله سبحانه وتعالى، وهكذا كذلك ما بعده في قصة ثمود كيف أن الله عز وجل عذبهم وامتحنهم وابتلاهم بالناقة التي أخرجها من الهضبة. وهذه هي معنى الآية: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةُ اللهِ﴾ وآية: أنها أخرجت لهم من غير ولادة، امتحنهم الله عز وجل بها، وعلم الله أنهم سيفشلون في هذا الامتحان. وهذا وقت نزول العذاب والعقاب عليهم، فكان منهم أن لم يصبروا في هذا الامتحان، فعاجلهم الله عز وجل بالعقوبة العظيمة، وهي هذه الصيحة التي أصابتهم. فكان بذلك أن عذبوا كذلك بهذا العذاب العظيم، حتى كانوا كهشيم المحتضر، يعني كشيء تهشم من شدة ما أصابه من العقوبة والعذاب والعقاب. وقد ذكر الله عز وجل تفاصيل هذه العقوبة بما تقشعر منه الأبدان وتخشع له القلوب، وهذه سنة الله سبحانه وتعالى في من كفر وعاند بعد أن تقوم عليهم الحجج. وإذا تأملنا هذه الآيات وسمعناها وقرأناها وعلمنا كذلك كيف أنها أنزلت للتذكير والتخويف والاتعاظ للمشركين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولمن بعدهم من الناس والأمم. علمنا عظيم رحمة الله سبحانه وتعالى وحكمته وحلمه بعباده ولطفه بهم؛ فإنه لم يعاجل بالعقوبة، بل وُعظوا ووعظوا ووعظوا وذكروا وخوثوا مرات وكرات. فلما لم يستجيبوا أوقع الله عز وجل عقوبته، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظنا بحفظه، وأن يدفع عنا عقوبته وعذابه، وأن يجعلنا هداة مهتدين، والحمد لله رب العالمين.