كتاب الحج 37

كتاب الحج 37

الدرس في كتاب الحج 37، الدرس السابع والثلاثون : من : ( الحديث السابع والعشرون بعد المائتين ... نسأل الله تعالى أن يعلي كلمته وينشر دينه ويقيم شعائره آمين ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح حديث متعة الحج

شرح حديث عمران بن حسين حول متعة الحج ودلالته على مشروعيتها، مع بيان الخلاف في معنى التمتع. يُبين أن الدليل من الكتاب والسنة والإجماع يؤكد مشروعية متعة الحج.

التمتع في الحج وسبب نهي عمر بن الخطاب

نقاش حول التمتع في الحج وسبب نهي عمر بن الخطاب، مع توضيح أن النهي كان اجتهادا لزيادة زوار البيت الحرام، وأن النصوص الشرعية مقدمة على الاجتهاد.

أدلة جواز متعة الحج وبيان نسخ حكمها

مناقشة أدلة جواز متعة الحج ونسخ حكمها، مع التأكيد على أن السنة النبوية تنسخ القرآن وأن خبر الواحد حجة إذا صح، وتوضيح مخالفة بعض الصحابة لعمر في تحريم متعة الحج.

الرد على القول بجواز المتعة في الحج وتوضيح الشعائر

الرد على من يقول بجواز المتعة في الحج، مع الإشارة إلى أن الناس كانوا يؤدون العمرة في كل وقت، والدعاء بأن يمكن لشعائره ويقيمها.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث السابع والعشرون بعد المائتين، قال عن عمران بن حسين رضي الله عنه قال: «أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولم ينزل قرآن بحرمتها، ولم ينهى عنها حتى مات»، وقال رجل برأيه ما شاء. قال البخاري: يقال إنه عمر. قال: «ولمسلم: نزلت آية المتعة -يعني متعة الحج- وأمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينهى عنها حتى مات»، قال: وله ما بمعنى. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله وتعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديث كتاب الحج، وفي وصف الحج وأنساكه على وجه الخصوص، وعلى أخص من ذلك في الكلام على مشروعية متعة الحج. وأقرب الألفاظ إلى اللفظ الذي ذكره رحمه الله هو لفظ الإمام البخاري في حديث رقم 4518، قال: حدثنا مسدد، قال: حدثنا يحيى عن عمران أبي بكر، قال: حدثنا أبو رجاء عن عمران بن حسين رضي الله عنه قال: «أنزلت آية المتعة...» إلى آخره، غير أنه قال: قال محمد: يقال إنه عمر، وهو محمد بن إسماعيل البخاري. وأما ما ذكره من لفظ مسلم، فهو بمثل ما ذكر، غير أنه زاد في آخره: «قال: ولم ينهى عنها حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء»، زاد هذه الجملة مسلم رحمه الله تعالى. قال الشارح رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: ذكر عمران بن حسين رضي الله عنه المتعة بالعمرة إلى الحج. المراد بالمتعة ها هنا متعة الحج. قال: فقال: إن شرعت بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع أصحابه. أما بكتاب الله، فقوله: «أنزلت آية المتعة في كتاب الله، ففعلناها». وأما قوله: وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقوله: «ففعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وأما الإجماع، فهو قوله: «ففعلناها» يعني جميع الصحابة، ولم ينكر أحد، وهذا إجماع بإقرار الوحي بما كان من فعل الصحابة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وهذه الأصول العظام في الدلالة على الأحكام الشرعية، الحكم يثبت بدلالة الكتاب أو السنة أو الإجماع المعتبر. والإجماع المعتبر هو الإجماع الذي كان في القرون الثلاثة المفضلة، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: «فإنك لا تدري لعل الناس اختلفوا» يعني بعد هذه القرون الثلاثة. والإجماع المعتبر: الإجماع الذي لا يوجد معه خلاف، كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: «إنما الإجماع الذي إذا قلت: أجمع، لم تجد أحدا يخالفك». قال رحمه الله تعالى: فأما الكتاب -يعني دلالة الكتاب-، فقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾. وقد مر معنا معاني التمتع، وأن الخلاف وقع في هذا المعنى الذي أشار إليه عمران بن حسين: من أنه تمتع بالعمرة بعد التحلل منها في نفس العام، أو في نفس الموسم -موسم الحج-، لما هو أخص من ذلك في نفس الموسم، إلى أن يأتي وقت الحج فيحج في نفس الموسم. فهذه المتعة بين العمرة والحج في نفس الموسم هو الذي وقع فيه الخلاف، والذي قصده عمران بن حسين في هذا الحديث رضي الله عنه. قال: وأما السنة، ففعل النبي صلى الله عليه وسلم لها، وإقراره عليها. وقد جاءت أحاديث كثيرة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بهذه المتعة -متعة الحج-، وأنه أقر فعلها، منها هذا الحديث -حديث عمران-، ومنها حديث ابن عباس المتقدم، ومنها حديث جابر بن عبد الله، ومنها حديث عائشة، وجماع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقد علمنا فيما سبق، وسيأتي إن شاء الله: علمنا أن المتعة -متعة الحج- أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام من لم يسق الهدي، وهي على الوجوب أو الاستحباب. قلنا: الصحيح أنها على الاستحباب، وسيأتي تفصيله إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: وأما الإجماع، فقد فعلها بعضهم مع علم من لم يفعلها وسكوته. يعني: فعلها من فعلها من الصحابة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، ومن كان نهى عنها بعد ذلك، قد حضر ذلكم الفعل، ولم يعلم عنه خلاف. ويريد بذلك ما وقع من الخلاف بعد ذلك، وما نقل عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين. والمقصود هو عمر؛ لأن حديث عمران كان في هذا المعنى. قال: وبعد هذا، لم ينزل ما ينسخها. يعني: لم ينزل شيء ينسخ حكم المتعة، لا في الكتاب ولا في السنة عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وتوفي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهي باقية لم تنسخ. بعد هذا، فكيف يقول رجل برأيه وينهى عنها؟ يعني: ينهى عن متعة الحج. قال: يشير بذلك إلى نهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عنها في أشهر الحج، اجتهادا منه؛ ليكثر زوار البيت في جميع العام؛ لأنهم إذا جاءوا بها مع الحج لم يعودوا إليه في غير موسم الحج. وكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أولى بالاتباع من قول كل أحد، مهما كان هذا أحد. ما نقل عن عمر رضي الله عنه في نهيه عن المتعة، أراد بذلك ألا ينقطع الناس عن الحرم، وأنهم لو جاءوا وجمعوا بين العمرة والحج لم يأتوا في العمرة في غير موسم الحج، فأراد أن يستمر الناس في إتيانهم إلى البيت، فكان يأمرهم بأن يفردوا أو يقرنوا بين الحج والعمرة؛ حتى يأتوا بعمرة مفردة في غير أشهر الحج. ومراده بذلك عمارة البيت الحرام. وفسر عنه، ونقل: أن مراده رضي الله عنه أرضاه: أن المتعة إنما أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام في أول الأمر، خلافا لأهل الجاهلية الذين كانوا يحرمون متعة الحج. ولما زال أهل الجاهلية وذهب ذلكم القول، اجتهد رحمه الله تعالى، وظن أنه ينبغي أن يعود الأمر على ما كان عليه. وهذا وجه على قاعدة: الحكم يدور مع علته وجودا وعدما. يعني: إذا كانت العلة موجودة، فيوجد الحكم. إذا العلة ذهبت، يذهب الحكم. هكذا فهم رضي الله تعالى عنه أرضاه. هذا تعليل مبني على أحد الأسباب التي لأجله أمر الناس بمتعة الحج، كما مر معنا. لكن كما بلغنا: أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه سئل: هل هذا لهم خاصة أم للناس عامة؟ فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه للناس عامة. هل هو لعامهم ذلك أم إلى أبد الأبد؟ فأخبر عليه الصلاة والسلام أنه لأبد الأبد. فهنا قدم النص على التعليل. قدم النص على التعليل والقياس. وبهذا نستفيد في مسألة الاجتهاد والخطأ فيه: أن من أوجه الخطأ عدم العلم بالدليل. فعمر رضي الله عنه أرضاه قد يعذر بأنه لم يبلغه الدليل الخاص الذي يفيد هذا التعميم، فأخذ بالنظر إلى العلة. ونستفيد منه كذلك: أنه ليس دائما القياس الصحيح يكون جاريا على الأصول الصحيحة، وهو الصواب؛ لأنه قد يكون قياسا صحيحا، لكن خالفه الدليل. كيف يخالفه الدليل؟ يخالفه الدليل بمعنى: وهو أحد المعاني الصحيحة المعتبرة أن نقول: الحكم قد نسخ. الحكم قد نسخ. ممكن أنه في أول الأمر -على سبيل المثال- كان لإزالة هذه الشبهة وهذا المعنى الخاطئ عند أهل الجاهلية: وهو أنه لا تجوز عمرة في الحج. ثم بعد ذلك أقرت وأبقيت، واستمر حكمها إلى أبد الأبد، بيانا للمشروعية. وهذا قد جاء به النص. وهذا قد جاء به النص. فإذا ينبغي الانتباه لمسألة ثبوت النص. فإن النص مقدم على القياس. وبه نستفيد كذلك: أنه قد يعارض النص أو قد يعارض القياس النص. فعند ذلك يقدم النص على القياس. فبعضها للعلم: هل يتصور أن يعارض قياسا بنص؟ الجواب: نعم، يتصور معارضة قياس بنص. وهذا مثاله: فإن عمر رضي الله عنه نظر إلى القياس، والنص جاء على خلاف القياس. والنص جاء على خلاف القياس. قال رحمه الله تعالى: ما يؤخذ من الحديث: أولا مشروعية التمتع، وثبوته في الكتاب والسنة، كما سبق بأدلته. قال: ثانيا: والمراد بالتمتع: تمتع الحج. وينبغي أن نعلم أن المتعة في اصطلاح الفقهاء تذكر على معنيين: متعة الحج، وهي هذه التي مرت معنا، ولها معان كما سبق في أوائل أو في الحديث الذي قبل هذا. والمعنى الثاني: متعة النكاح. فأما متعة الحج، فمشروعة، ودلت عليها أدلته الكتاب والسنة والإجماع، كما ذكر. وأما متعة النكاح، فهي محرمة، ونسخ جوازها الذي رخص به فترة يسيرة، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه. قال رحمه الله تعالى: ثانيا: أنه قد توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وحكمها باق لم ينسخ. أي: حكم متعة الحج. ولهذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يخالفون عمر في ذلك. حتى لما قيل لعبد الله بن عمر رضي الله عنه أرضاه في ذلك، وروجع حين أفتى بعمرة بمتعة الحج، فكأنهم قالوا له: كيف تخالف ما جاء عن أبيك عمر؟ فقال: «أقول لكم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال عمر» أو كما قال. وجاء عن عبد الله بن عباس: أنه كان إذا عرض بهذا يقول: «يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر». والمعنى: أنه لا يجوز لمسلم أن يعارض النص بقول أحد من الناس، ولو كان أبو بكر وعمر على فضلهما رضي الله عنهما. قال: الثالث: أنه لا يحل الأخذ برأي أحد يخالف ما ورد عن الله تعالى أو عن رسوله عليه الصلاة والسلام. كما سبق: وأن من طريقة السلف رضي الله عنهم عدم التقليد. فإذا كان أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لا يقلدون، وهم خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن دونهم من الأئمة والعلماء من باب أولى. قال: رابعا: قوله: «لم ينزل قرآن يحرمها» دليل على ثبوت النسخ في الشريعة، وأن القرآن أو ينسخ بالقرآن. وهذا كما قال رحمه الله: فيه دليل على ثبوت النسخ، خلافا لمن أنكر ذلك من المعتزلة. وهم بهذا يوافقون اليهود أو بعض طوائف اليهود الذين ينكرون النسخ -كالشمعونية وغيرها-، وأن النسخ يكون بالقرآن، ويكون كذلك بالسنة. وهذا هو قوله. قال: وقوله: «ولم ينهى عنها» دليل. خامسا: قوله: «ولم ينهى عنها» دليل على جواز نسخ السنة، أو على جواز نسخ القرآن بالسنة. «ولم ينهى عنها» يعني النبي عليه الصلاة والسلام. في هذا دليل على جواز نسخ القرآن بالسنة. أي: أن السنة تنسخ القرآن. وهذه مسألة فيها خلاف. الصحيح: أن السنة تنسخ القرآن، سواء كانت السنة متواترة أو كانت السنة آحاد؛ إذ العبرة بما صح من هذه السنة. ودل عليه المعنى. قال رحمه الله تعالى: ووجهته: أنه لو لم يكن النسخ ممكنا، لم يحتاج إلى الاحتراز برفع حكم التمتع الثابت بالقرآن من نهي النبي صلى الله عليه وسلم. يعني: ومعناه: أنه كان مستقرا في علم الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أن السنة تنسخ القرآن. أن السنة تنسخ القرآن. وتضمن ذلك فائدة أخرى: وهو أنه استقر في علم الصحابة: أن خبر الواحد حجة إذا صح. وأن خبر الواحد حجة إذا صح، وأنه ينسخ به المتواتر والأحاد. فلم يكونوا يفرقوا بين المتواتر والأحاد. وهذا هو الصواب. وإنما هي بدعة أحدثها بعض أهل البدع، وهم المعتزلة بعد عهد الصحابة بقرون. قال: قوله: سادسا: قوله: «قال رجل برأيه ما شاء»، فسره البخاري بعمر بن الخطاب. وروي أيضا عن عثمان ومعاوية رضي الله عنهم. يعني: القول بالنهي عن المتعة -متعة الحج-. قال: وقصدهم: أن لا يقتصر الناس على زيارة البيت في أشهر الحج فقط، بل يقصد في جميع العام. وروي عن بعض هؤلاء التراجع، كما روي عن عثمان رضي الله تعالى عنه: أن عليا راجعه، فاستجاب لرأي علي رضي الله تعالى عنهم جميعا وأرضاهم. وهذا الذي ذكره أحد سببين حتى تستمر عمارة البيت، أو يستمر أمر عمارة البيت. والسبب الثاني: ما سبق ذكره: أن الأمر بالتمتع كان لعلة، وهو مخالفة أهل الجاهلية. فلما زالت العلة، اقتضى ذلك عندهم زوال الحكم. وهم يعذرون بذلك؛ لأنهم ربما ما بلغهم النص عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما تقدم: أن العمرة دخلت في الحج لأبد الأبد. قال رحمه الله تعالى: ولكن كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مقدمان على كل اجتهاد. والله أعلم بأسرار شرعه. يعني: الله سبحانه وتعالى أعلم بما أراد من حكمة في ذلك. والواجب على المسلم الوقوف عندما وقفت به الأدلة. قال: والآن مع إجماع الناس على جواز التمتع، وإتيانهم بالعمرة في أشهر الحج، لم يخلوا البيت من الزوار في كل وقت. يعني: انظر مع أن الناس اليوم يقولون بأن المتعة جائزة في الحج، ومع ذلك هل رأى الناس أن العمرة لم تكن في غير أشهر الحج؟ الجواب: لا، بل لا يزال البيت والناس يأتونه في كل وقت. قال: نسأل الله تعالى أن يعني كلمته، ويقيم شعائره. آمين. طيب، لهنا إن شاء الله.