الدرس في كتاب الحج 53، الدرس الثالث والخمسون: من: (الحديث التاسع والثلاثون بعد المائتين ... التي في غير موضعها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح صفة سير النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، حيث كان يسير سيرا متوسطا يسمى "العنق". يبين أهمية معرفة هدي النبي في سيره.
يؤكد على أهمية السكينة في السير إلى المزدلفة وتجنب الإسراع في الزحام، لأن ذلك قد يؤدي إلى إيذاء الناس. السكينة تعبر عن تعظيم شعائر الله.
يشرح حديث أسامة بن زيد عن سير النبي صلى الله عليه وسلم بين عرفة والمزدلفة، موضحا أهمية التوسط في السير أثناء الحج وتجنب الإسراع أو التباطؤ.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال الحامد عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث التاسع والثلاثون بعد المائتين. قال عن عروة بن الزبير قال: سأله سلمة بن زيد وأنا جالس: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير حين دفع؟ فقال: كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص. قال: «العنق بضبط السير، والنص فوق ذلك». أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى هذا الحديث في سياق ذكره لأحاديثه في كتاب الحج، وهو -بالحقيقة- ليس له علاقة بباب فسخ العمرة إلى الحج، ولكن هو متمم، وفيه شيء من صفة الحج. وأقرب الألفاظ إليه ولفظ الإمام البخاري في حديث 1666 قال: حدثنا عبد الله بن يوسف قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أنه سئل: أسامة، قال: وأنا جالس: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير -زاد البخاري في حجة الوداع حين دفع- يسير في حجة الوداع حين دفع. والمعنى: حين دفع من عرفة، ثم ذكر الحديث، وقال في آخره: هشام قال: «والنص فوق العنق، وفجوة متسع، والجمع فجوات وفجاء»، وكذلك ركوة وركاء. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب: العنق والنص، العنق بفتح العين والنون، والنص بفتح النون وتشديد الصاد، وهما ضربان من السير، والنص أسرعهما. فالعنق هو السير المتوسط الذي يكون معه تحرك عنق الدابة، الدابة يتحرك عنقها إذا كان السير متوسطا، لا هو بالبطيء جدا ولا هو كذلك بالسريع. قال: والفجوة بفتح الفاء: المكان المتسع. ومعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير سيرا متوسطا، فإذا وجد فجوة بين الناس نص، أسرع في الدخول والمرور فيها قبل أن تنغلق هذه الفجوة. وأنتم تعرفون الناس إذا كانوا يمشون جماعات، فإنها تتيسر فجوات بين هذه الجماعات يتخللها الماشي، وتنغلق هذه الفجوات أحيانا، فيضطر إلى تحويل الطريق إما يمنة وإما يسرة. قال رحمه الله تعالى: المعنى الإجمالي: كان أسامة بن زيد رضي الله عنهما رديف النبي صلى الله عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة، والرديف هو الذي يجلس خلف الراكب. وكان النبي عليه الصلاة والسلام يردف، والارْداف يجوز إذا كان لا يضر بالدابة، إن كانت الدابة قوية تتحمل فلا بأس أن يردف الإنسان خلفه، وهو من التصدق على الآخرين. قال: فكان أعلم الناس بسير النبي صلى الله عليه وسلم، فسئل عن صفته، فقال: ولاحظ أن السائل ما سأل عن الفعل، ولكنه سأل عن هدي النبي عليه الصلاة والسلام، قال: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في حجة الوداع حين دفع؟ فليس الشأن كل الشأن أن يسأل عن الفعل، ولكن يسأل عن الهدي، هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فهو الأكمل، وبه تعرف حسن تدين السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى. قال رحمه الله: كان يسير العنق، وهو انبساط السير، ويسره في زحمة الناس، انبساط المراد به السير بهدوء، ويسره في زحمة الناس، وهو الموافق لأمره عليه الصلاة والسلام كما جاء بالصحيح -صحيح البخاري وغيره- في حديث ابن عباس: «يا أيها الناس عليكم بالسكينة، فإن البر ليس بالإيضاع»، يعني ليس بالإسراع، البر ليس بالإسراع وسرعة الوصول إلى المزدلفة، ولكن البر إنما هو بالسكينة، أن تمشي بهدوء، وأن تصل إلى المكان من دون أن تؤذي أحدا. قال رحمه الله تعالى: لئلا يؤذي به، يعني لو أسرع فإنه لا يأمن أن يؤذي أحدا، فإما أن الدابة تضرب أحدا أو تصفق أحدا، أو كذلك أثناء سيره يكون في ذلك إيذاء لبعض الناس. وكيف إذا كان الأمر بحال الناس اليوم من المركوبات الحديثة -سيارات ودراجات وعربات وغيرها- فهذا لا شك أنه يحتاج إلى رفق وسكينة أشد من ذي قبل، لأن الخطأ فيها ليس كالخطأ في غيرها، فهو يؤذي إيذاء بالغا، بل ربما يؤدي إلى الوفاة، وما أكثر الوفيات الذي يحصل بسبب تهور بعض السائقين لتلك المركوبات، فتحصل بسببها حالات وفاة كثيرة بسبب ذلكم التهور وكذلك الطيش. فإن بعضهم يضيع عقله في ذلكم الزحام، بدلا من أن يمشي بالسكينة والهدوء، تجد المسابقات والعناد، وكذلك التنافس في الوصول إلى المكان كل قبل الآخر، وهذا خطأ، خلاف السنة، خلاف التعظيم لشعائر الله، والله يقول: ﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾. قال رحمه الله تعالى: وليكون بعد انصرافه من هذا الموقف العظيم، وإقباله على المشعر الحرام خاشعا خاضعا عليه السكينة والوقار، راجيا قبول عمله، شاكرا على نعمه التي من أجلها عز الإسلام وذل الشرك. وهذا كله ينافيه التعجل، لأن في التعجل منافاة لهذه المعاني العظيمة، وإيذاء للمسلمين، وسبب لإيجاد الغل والشحناء والبغضاء، وسبب كذلك لحصول التنافر، بخلاف السكينة والسير بهدوء ووقار، فإنه سبب للتراحم والتعاطف والتآلف والاجتماع. حين يرى منك أخوك المسلم أنك تؤثره على نفسك، إذا أردت مر أي حد يريد مر، تقف فضلا تقدم، حتى لو كان وليس عنده هذا الخلق سيستحي ويكون عنده هذا الخلق، كما قال القائل: «وإن أنت أكرمت الكريمة ملكتها وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا». قال: راجيا قبول عملي، شاكرا على نعمه التي من أجلها عز الإسلام وذل الشرك. فإذا وجد فرجة ليس فيها أحد من الناس حرك دابته فأسرع قليلا. إذا وجد مكانا فيه فرجة ليس فيه أحد، ولا أحد يريد أن يدخل فيها، فأنت تدخل فيها بسرعة، لأن لا يكون سببا في ترددك وتردد غيرك، فيحصل بذلك التصادم ويحدث وهكذا كذلك لأجل أن تدرك المكان الذي ربما يذهب إذا لم تدركه بتعجيلك السرعة في السير. ولكن هذه السرعة ليست سرعة فيها ضرر، لأن النص هو عبارة عن الإسراع المؤقت، الإسراع المؤقت، ليس إسراع مستمر، إنما تنص مثلا أن تواقف عند السارية، فوجد الباب سينغلق وتريد أن تدخل قبل أن ينغلق الباب، دخولك بسرعة قبل انغلاق الباب يسمى ماذا؟ يسمى نص، يقول: فلان نص من الباب، يعني دخل بسرعة، لكن ما جرى جريا ولا استمر كذلك بالإسراع، إنما هي دخل خفيفة واحدة حتى وصل إلى المكان المقصود، فهذا هو نص. قال رحمه الله: فإذا وجد فرجة ليس فيها أحد من الناس حرك دابته بأسرع قليلا، وخشوعه وخضوعه لا يفارقانه صلى الله عليه وسلم بكل حركة وسكون، لأن النص في الحقيقة لا ينافي السكينة والوقار، النص هو خفة الحركة الواحدة، فإن حركة واحدة خفيفة، ثم يصير على سيره المعتاد من الهدوء والسكينة. قال رحمه الله: ما يؤخذ من الحديث: أولا كون أسامة بن زيد رديف النبي صلى الله عليه وسلم من دفع عرفة إلى مزدلفة، فهو أعلم الناس بسيره، ولهذا رجح العلماء ما ذكره أسامة وبلال من أشياء خالفها في ذلك غيرهم، فكان قولهم مقدم، لأنهم ممن لازموا النبي عليه الصلاة والسلام، صحبوه عن قرب. ثانيا: قال: كان سيره صلى الله عليه وسلم بينا لا تباطؤ فيه، يعني وصف ليس بتثاقل وليس عجلة، قال: ولا خفة ولا سرعة فيؤذي بهما، لأن التثاقل يؤذي من خلفك، أمام الفرجة مفروض تمشي، لا تمشي بهدوء جدا، هذا يورد كذلك الشحناء والبغضاء، يغضب الذين خلفك. لكن إذا كنت معتدلا تسير سيرا معتدلا، فإذا وجدت فرجة نصصت، دخلت بسرعة فيها، أرحت نفسك وأرحت غيرك، ولم تؤذ أحدا، لم تؤذهم بسرعة ولم تؤذهم بتثاقل، وهذا هو العدل. قال رحمه الله تعالى: ولا خفة ولا سرعة فيؤذي به، يعني بالخفة وبالسرعة ويذهب معه ما قشع، لكن الوسط. قال: ثالثا: إذا وجد فجوة ليس فيها أحد حرك دابته، مع ما هو فيه من القشوع والقضوع لله تعالى، ومراقبته الله وتعظيمه لمناسكه ومشاعره. رابعا: أن ما عليه الناس اليوم من الطيش والخفة والسرعة والسباق على السيارات مناف للسنة وهيبة الحج وسكينته ووقاره، بل وللأسف سبب لتحويل الحج من عبادة فيها تعظيم لله وخشوع وبر وتقوى إلى غير ذلك من السفه والطيش والتنافر والتباغض والعداوة، بل وربما وصفك بالدماء، وكم رأى الناس ورأينا من ذلك وقائع مؤلمة، ربما تسابق بعض أصحاب الباصات فيدوسون جماعة من الناس، ليس واحدا، ليس واحدا أو اثنين، جماعة يمر عليهم الباص، يمر على الجماعة فيدوسهم بسبب طيشه وتعجله وتهوره، وكان في غني عن ذلك لو أنه سلك سبيل السنة. بل ربما بعضهم يرطم الناس في وسط بين الباصين، يضربون بعض الناس وسط بين الباصين بسبب التعجل والطيش والتهور، لكن لو أنهم سلكوا مثل السكينة والهدوء لكان في ذلك السلامة لهم ولغيرهم. قال رحمه الله تعالى: ويحدث من جراء هذه السرعة ما يناهي عنه الشرع من المبادرة بالخروج من حدود عرفة قبل الغروب، وهذه مفسدة من مفاسد التعجل، أن بعضهم ربما خرج من عرفة قبل الغروب، وهذا محرم لا يجوز، فإن الواجب هو البقاء في عرفة إلى غروب الشمس، قال: فيحصل التشبه بالمشركين، ويحصل أضرار تلحق الراكبين ومراكبهم، وهذا ظاهر، ويحصل من الشجار والنزاع ما ينافي آداب الحج، إلى غير ذلك من المفاسد المترتبة على هذه العجلة التي في غير موضعها. فالخلاصة: استفدنا من هذا الحديث أن السنة في السير هو التوسط، وإذا وجد فجوة النص، وأن ذلك ينبغي أن يراعى في سائر تنقلات الحاج راكبا أو ماشيا. نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.