كتاب الحج 21

كتاب الحج 21

الدرس في كتاب الحج 21، الدرس الحادي والعشرون : من : ( الحديث الخامس عشر بعد المائتين ... حرمتها إليها مطلقاً إلى يوم القيامة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

فتح مكة وأحكام الحرم

شرح حديث ابن عباس عن فتح مكة وتحريم القتال فيها وأحكام الحرم المكي. يبين الشيخ معنى الهجرة والجهاد بعد الفتح.

أحكام الإحرام واستثناءاته

يتناول المقطع أحكام الإحرام والاستثناءات مثل الإذخر، ويشرح استخداماته وفوائده ومعاني المصطلحات ذات الصلة.

الهجرة ومكة بعد الفتح

شرح حديث النبي حول الهجرة من مكة بعد فتحها واستمرار الهجرة إلى قيام الساعة، وتحريم مكة وحرمتها الأزلية.

ختام الدرس والدعاء

أنهى الشيخ الدرس بسبب نفاد الوقت ودعا بالتوفيق في حفظ الحديث وشكر الحضور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى: الحديث الخامس عشر بعد المائتين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». وقال يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل إلا ساعة من نهار، وهي ساعة هذه، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خله». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر، فإنه لقينهم وبيوتهم، فقال: «إلا الإذخر». قال: القين الحداد. أورد الحافظ عبد الغني المقدسي رحمه الله هذا الحديث في سياق ذكره لمسائل كتاب الحج، وسيأتي معنا إن شاء الله مسائل هذا الحديث. وأقرب الألفاظ إليه هو لفظ الإمام البخاري رحمه الله في حديث 1951، قال رحمه الله: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: فذكر الحديث بلفظه، غير أنه لم يقل: «وهي ساعة هذه»، فهذه الجملة ليست في هذا اللفظ عند البخاري رحمه الله في هذا الموضع. ورواه مسلم نحوه في حديث 1353. قال الشارح رحمه الله تعالى: الغريب قول: «استنفرتم فانفروا»، قال: نفر خرج بسرعة. وكما مر معنا أن الألف والسين والتاء تدل على الطلب غالبًا، يعني إذا طلب منكم النفير فانفروا، كما قال الله عز وجل: ﴿ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اتقلتم﴾ يعني طلب منكم الخروج، قال: خرج بسرعة، يعني إذا طلب خروجكم للحرب بسرعة فخرجوا كما طلب منكم، يعني لا تتأخروا. ومن باب أولى أن تمتنعوا إذا كان التأخر إثمًا ومعصية، التأخر إثم ومعصية، فمن باب أولى عدم الخروج، فعدم الخروج أشد إثمًا وأشد معصية؛ لأن المطلوب من الطاعة هو سرعة الخروج إذا قيل: خرجوا يعني بسرعة، فخرجوا بسرعة. فإذا كان التأخر معصية، فعدم الخروج معصية أعظم. ولهذا هجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بوحي من الله الذين تخلفوا بضعًا وخمسين يومًا، يعني قرابة شهرين، هجرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلت توبتهم وتابوا التوبة الصحيح النصوح، فتاب الله عز وجل عليهم. قال ثانيًا: لا يعضد شوكه، قال: العضد القطع. ومر معنا أنه نوع خاص من القطع، نوع خاص من القطع، وهو ما يستعمله الرعاة، الخبط، تعرفون الخبط، ما يخبط على شجر السمر، هذا نوع من العض، يضرب الشجرة، تعرف هذا يا عبد الله؟ يضرب الشجر حتى ينزل الورق، لا يقطع الشجر قطعًا، يضرب حتى يسقط الورق، فإذا سقط الورق أكلت الأغنام الشجر. لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته، قال: لا ينفر صيده، أي لا يزعج من مكانه، ولا يزعر، فإذا كان لا ينفر، فمن باب أولى أن لا يصاد ولا يقتل. وإذا كان لا يعضد يعني يطبط وما كان بمعنى من معاني العض، فمن باب أولى أن لا يقطع، من باب أولى أن لا يقطع. قال خامسًا: الإذخر يجوز فيه الرفع بدلًا مما قبله، ونصب لكونه مستثنى بعد النفي، يعني إلا الإذخراء، ويجوز إلا الإذخر، قال: واختار ابن مالك النصب لكون الاستثناء وقع متراقيًا عن المستثنى منه، يعني وهذا أفصح. قال: والإذخر نبت أصله ماض في الأرض، وقضبانه دقاء، رائحته طيبة، ويعرف الناس اليوم هو مثل الحشيش الرقيق، يستعمله أهل الحدادة لإشعال النار؛ فإنه سريع الاشتعال في النار، يزيد في شعلة النار حتى تقبض النار على الخشب، تعرف الخشب المتماسك القوي الذي يكون منه الفحم ويكون منه النار، لا تمسك فيه النار مباشرة حتى توجد شعلة، فمن أين تظهر هذه الشعلة؟ شعلة النار ما تأتي شعلة النار إلا من هذا النبت إذا جف، وهو الإذخر. ويستعمل كذلك لرائحته، لرائحته كذلك بالنسبة للموت؛ فإنه يجعل لهم كذلك أو في البيوت لرقته، يخلط مع الطين فيلبن به اللبن والتلييس. قال: والإذخر نبت أصله ماض في الأرض، يعني جذوره تمشي في الأرض، وقضبانه دقاق، يعني رقيقة مثل الحشيش هذا، رائحته طيبة، وهو كثير في أرض الحجاز، وكانوا يسكفون به، فيجعلونه تحت الطين أو يخلطونه بالطين، يخلطونه بالطين ويوضع في أول السقف، فيجف ويعمل فوقه التراب ناشفًا، وهذا ما زال الناس يبنون به ويعملون به. قال: وفوق الخشب ليسد الخلل، فلا يسقط الطين. وكذلك يجعلونه في القبور، يعني لرائحته طيبة، أو كذلك للتلبين الذي يلبن به في القبر. قال: لقينهم بفتح القاف وسكون الياء بعدها نون، وهو الحداد، وسمي الحداد قينًا؛ لأنه مأخوذ من القن، وهو العبد، فكان أكثر الحدادين عند العرب من العبيد، كان أكثر الحدادين من العبيد، فغلب هذا اللفظ، فصار يطلق على العبد والحر، كل من يعمل بالحدادة يسمى بالقين، مع أنه كان يطلق في أول الأمر على العبيد. قال: وهو الحداد، وحاجته لها ليوقف بها النار؛ لأنه كما قلنا هو السريع الاشتعال لرقته وجفافه، يعني تمام جفافه؛ فإنه يقبض على النار ويشتعل بسرعة، فإذا ظهرت شعلة النار قبضت شعلة النار في الحطب. قال: المعنى الإجمالي: بعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في مكة المكرمة، وكما قلنا أن لفظة المكرمة ليس بلفظ شرعي حتى يحافظ عليه، ولكن مكرمة مكة حرسها الله وحفظها الله وغير ذلك؛ لأن بعض الناس يظن أنه لفظ شرعي، وإن قيل على وجه غير التعبد فهو جائز، مثل ما تقول: مكة المشرفة المكرمة التي كرمها الله. قال: ودعا أهلها إلى الإسلام، فآمن به قليل منهم، فآذاهم المشركون في مكة، فوسع الله لهم بالهجرة منها إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، فهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر معه أصحابه، وصارت الهجرة واجبة منها؛ لأن المسلم لا يتمكن أن يظهر فيها إسلامه. فلما فتح النبي صلى الله عليه وسلم وصارت بلدة إسلامية انقطعت الهجرة منها؛ لأنه زال موجبها، والهجرة تكون من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، فلما صارت مكة بلاد إسلام، فإنه لا هجرة. هذا أمر، والأمر الثاني: أن الهجرة في أول الإسلام كان لها فضل عظيم ومزية في الدنيا والآخرة، وبعد أن صارت مكة بلاد إسلام ذهبت هذه المزية وذهب هذا الفضل بالنسبة للمهاجرين الأولين، يعني لا يقول قائل: أنا من المهاجرين بعد أن فتح الله مكة أبدًا، ما في أحد يكون من المهاجرين إلا قبل أن تصير مكة بلاد إسلام. هذا المعنى الثاني للحديث. وفي كلا المعنيين ليس فيهما انقطاع الهجرة، بل الهجرة ماضية إلى قيام الساعة كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام معناه. قال رحمه الله: وبقي الجهاد في سبيل الله لعلاء كلمته ونصر دينه قائمًا، ولكن لا يعني أن الهجرة انقطعت من الأرض، لا، لا زالت الهجرة من بلاد الكفر إلى الإسلام باقية إلى قيام الساعة. قال: ونصر دينه قائمًا إلى يوم القيامة باللسان والسلاح والنية الصالحة بإخلاص الأعمال لله تعالى. قال: ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذكر الجهاد وجوب الخروج بسرعة ونشاط إذا استنفرهم ولي الأمر للقتال. ثم ذكر تحريم الله تعالى لمكة أنه قديم بقدم خلق السماوات والأرض. وهل معناه: وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم؟ وهل معناه أن مكة كانت معلومة وموجودة قبل أن يبنيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ إذ أن الله حرمها في هذه المسألة قولان لأهل العلم، من أهل العلم من قال: إنما جددها إبراهيم، ومن أهل العلم من قال: إنما حرمتها يوم أن خلق السماوات والأرض، يعني كتب في كتاب عنده كتب في كتاب عنده أن مكة محرمة، يعني حرمتها قديمة، وليس معناه أن مكة كانت موجودة قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام. وهذا القول الثاني هو الأصح لعدم وجود الدليل الصحيح الصريح الذي يدل على وجود مكة قبل بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام لها، وهذا كذلك الذي دلت عليه أدلة الكتاب والسنة، فظاهر الأدلة يدل على هذا المعنى، وإنما رواية أخبار إسرائيلية تدل أن نوحًا طاف بالبيت، وأن آدم وغير ذلك من الأنبياء قبل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، هذا ليس بالصحيح. قال رحمه الله تعالى: لأن الله هو الذي حرمها ومن تلك المدة فهي حرام إلى يوم القيامة، فلا يحل فيها القتال تأسيًا بقتال النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في موضعه. قال: فقد أحلت له خاصة ساعة من نهار، ثم رجعت حرمته إليه مطلقًا إلى يوم القيامة. نكتفي بهذا والآن انتهى الوقت، وحتى لا نضر بالأخوة الذين عندهم دروس أخرى، فإلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. إن شاء الله يجتهد الأخوة في حفظ الحديث، أزاكم الله خيرًا. شكرًا لكم.