كتاب الصيام 4

كتاب الصيام 4

الدرس في كتاب الصيام 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم اختلاف المطالع وعدد الشهود لرؤية الهلال

يتناول حكم اختلاف المطالع في الصيام وعدد الشهود المطلوب لرؤية الهلال. يشترط لصيام رمضان شهادة عدل واحد بينما لغير رمضان شهادة عدلين.

صيام المسلم برؤية هلال رمضان وحده

يتناول آراء الفقهاء في صيام المسلم برؤية هلال رمضان وحده. يرى البعض أنه يلزمه الصوم بينما يرى آخرون أنه لا يصوم إلا بشهادة مقبولة شرعًا.

حكم الإمساك لمن زال عنه المانع

يتناول حكم الإمساك لمن زال عنه المانع من الصيام. من أفطر أول النهار بسبب شرعي جاز له الفطر ولا يلزمه الإمساك ولكن يلزمه القضاء.

ختام الدرس وتوجيهات ختامية

تم اختتام الدرس بنشر العلم والصلاة على النبي محمد مع توجيه الشكر للمشاهدين. يشمل توجيهات ختامية للطلاب.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم الآن مع الدرس الرابع من هذه المسائل. ما ذكره رحمه الله في مسألة الصيام مع اختلاف المطالع، ما هو الراجح؟ ما هو الراجح مع اختلاف المطالع؟ نعم، والدليل نعم، حديث كريب في صحيح مسلم: «إن أتى إلى المدينة وقد صام مع أهل الشام؛ ليلة الجمعة -كان رؤية الهلال يعني صاموا من الجمعة- وفي المدينة صاموا من السبت، فلم يأخذ أهل المدينة برؤية أهل الشام»، كما جاء في حديث ابن عباس ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، آخر ما وقفنا عليه نعم. قال رحمه الله تعالى: «ويقبلوا في هلال رمضان قول عدل، في سائر الشهور عدلان». كذلك من المسائل في رؤية الهلال: أنه فرقت الأدلة الشرعية بين هلال رمضان؛ فإنه يكتفى فيه بشاهد واحد عدل، وسائر الشهور بشاهدين اثنين. والسنة والدليل فرق بين هذين الأمرين، ففي حديث ابن عمر عند أبوداود وأحمد والبيهقي وغيرهم، بسند صحيح، وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء، قال: «ترى الناس الهلال، فرآه -أي ابن عمر- فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر الناس -نادى بلال- وأمر الناس بصيامه». وهذا الحديث يدل أنه يكتفى بشاهد واحد عدل، يكتفى بشاهد واحد عدل. وليست العدالة يكتفى فيها بالإسلام، وأما ما جاء في حديث أن عربيا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه رأى الهلال، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله؟ قال: نعم، قال: قم يا بلال فأذن في الناس فليصوموا غدا»، فهذا الحديث ضعيف، لم يصح أن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد ذكره غير واحد من أهل العلم، مضعفًا له، جاء من حديث ابن عباس ولم يصح، فبإسناده ضعف. ولكن الصحيح: شهادة عدل، ولا يكتفى بأصل الإسلام، بل لابد من العدالة مع الإسلام والمعرفة. فابن عمر معروف، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم رؤيته وشهادته، واكتفى بواحد. بينما في غير رمضان يبقى على الأصل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء عند أحمد والنسائي والدارقطني وغيرهم، بإسناد صحيح، وصححه وجماعة من أهل العلم، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله، رواه في الإرواء، في قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن شهد شاهدان فصوموا أفطروا». وجاء في رواية: «مسلمان». وهذه اللفظة لم تصح، والصحيح: «شاهدان». فيبقى في لفظ الشاهدين شروط الشهود المعروفة التي دلت عليها عمومات الشريعة، فلابد من العدالة في هذين الشاهدين. وهذا هو الأصل في كل شهر، لكن رمضان خفف فيه. قال العلماء: لأن رمضان فيه الأمر بعبادة وتكليف لها، فخفف فيه طمعًا في الوصول في هذا الخير، وكذلك لأنه يستبعد الغلط فيه مع كثرة المترائين، وكذلك وجود التكليف فيه، وغير ذلك من الحكم التي ذكرها العلماء. كذلك قال رحمه الله تعالى: «وعن عثمان لا يقبل إلا شهادة إثنين، وهو مذهب مالك؛ لحديث عبد الرحمن بن الخطاب». ولنا حديث ابن عباس، وحديثهم إنما يدل بمفهومه -يعني حديث عبد الرحمن بن الخطاب في شهادة الشاهدين- «فإن شهد شاهدان»، وهذا عام، ولكنه الصحيح أنه مخصوص بحديث ابن عمر. وأما حديث ابن عباس الذي أشار إليه، فهو الذي تقدم في شهادة الأعرابي، وهو ضعيف، وهو ضعيف، ولكن يغني عنه حديث ابن عمر الذي سبقت الإشارة إليه. قال رحمه الله: «ولنا حديث ابن عباس، وحديثهم إنما يدل بمفهومه». ومعناه: حديث ابن عباس صريح في قبول شهادة الرجل الواحد، وكما تقدم معناه صحيح، لكن إسناده ضعيف، وبعض المعنى فيه ليس بصحيح، وهو أن يتقبل الشهادة من أي أحد، يكتفى فيه بالإسلام، فهذا لا يصح. ولكن حديث ابن عمر أولى منه وأصرح، وفيه معناه حديث ابن عباس وزيادة، فالمقصود هذا حديث خاص دل على المقصود. وأما حديث عبد الرحمن بن الخطاب فهو عام في كل الأشهر، فصار بما ورد في رمضان خاصة. قال رحمه الله: «وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين فلم يروه أفطر؛ لحديث عبد الرحمن بن زيد». وإن صاموا بشهادة واحد، فعلى وجهين: أحدهما لا يفطرون؛ لحديث عبد الرحمن. والصحيح في هذا -على ما تقدم في الأول- أنه لا فرق بين أن يكون قد ابتدأوا الصيام بشهادة رجل أو رجلين، حتى يكون الحكم مختلف في الإفطار -يعني في شوال في رؤية هلال شوال- فالصحيح أنه لا فرق، سواء كان بشهادة رجلين كان دخول شهر رمضان، أو كان بشهادة رجل واحد، فخروجهم من رمضان لابد من شهادة رجلين. وأما دخول رمضان فلابد من شهادة، يكتفى بشهادة رجل، وإن جاء رجلان فهذا زيادة في ثبوت الشهر، ولا يلزم منه كذلك التفريق في الخروج من الشهر، فالخروج من الشهر لابد بشهادة رجلين على كل حال، هذا هو الصحيح في هذه المسألة، والله أعلم؛ للأدلة التي سبقت قبل قليل. قال رحمه الله: «ومن رأى هلال رمضان فردت شهادته لزمه الصوم، وقاله مالك والشافعي». وقال إسحاق: «لا يصوم». وإن رأى هلال شوال وحده لم يفطر، روي عن مالك والليث. وقال الشافعي: «يحل له أن يأكل بحيث لا يراه أحد، وإن قامت البينة بالرؤية لزمهم الإمساك والقضاء». وقال عطاء: «لا يجب الإمساك». قال ابن عبدالبر: «لا نعلم أحدًا قاله غير عطاء». هذه مسألة فيمن إذا رأى الهلال رجل واحد، فمن أهل العلم من قال: من رأى الهلال لا فرق بين هلال رمضان وهلال غيره من الأشهر الأخرى، من رأى هلال رمضان أو غير رمضان ولم تأخذ بشهادته، ما دام أنه على يقين، فإنه يلزمه الصوم في الصيام، ويلزمه الفطر في الفطر، وإن كان يسبب فتنة فيسر بذلك، فهو يتعبد الله بما رأى. ومن أهل العلم من فرق، فقال: يفرق بين دخول رمضان الذي ثبت بالدليل أنه يكتفى فيه بشهادة واحد، فإنه له أن يصوم، والخروج من رمضان لا يكتفى إلا بشهادة رجلين، وهو عنده شهادة واحدة، فلا يكتفى فيه بهذه الشهادة، ولا هو يجوز له أن يكتفي بهذه الشهادة؛ لأن الشرع لم يأذن بشهادة واحدة. وعلى هذا لم يجوز له الفطر حتى يشهد معه شاهد آخر، فإن شهد شاهدان فهنا يقال بمثل ما قيل في رؤية رمضان؛ لأنه تم شهادة شاهدين، ولم تقبل شهادتهما، لا يلزمهما الصيام، ويجوز لهم الفطر، ولكن بما لا يكون به فتنة، فيسران بذلك. ومن أهل العلم من قال: بل الناس في هذا تبع للإمام، فيجب طاعة الإمام في دخول الشهر وفي خروج الشهر، سواء رآه وحده أو رآه معه أحد، ما دام أن الإمام لم يعتبر بهذه الرؤية، فإنه لا يجوز له -لا في نفسه ولا مع الجماعة- أن ينفرد بحكم. والصحيح في هذا والله أعلم: التفصيل، فإذا ثبت أن ما عنده صواب فيجوز له أن يأخذ الحكم ما دام أنه ثبت عنده، ولكن يفرق بين دخول رمضان فيكفى فيه بواحد، والخروج من رمضان فلا يكتفى فيه بماذا؟ بواحد؛ لأن الأدلة الشرعية دلت أنه لا يكتفى بواحد، ما دام أنه هذا هو الصواب. ولكن لأجل الفتنة لا يظهر ذلك، أو لا يظهر في ما إذا كان الخروج من شوال، قلنا: لابد من اثنين، لا يظهر ذلك لما تقدم من الأدلة وعدم حصول الفتنة. ويدل عليه حديث ابن مسعود وغيره في إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن أقوام يؤخرون الصلاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يصلوا لأنفسهم الصلاة على الوجه الصحيح في بيوتهم، ويصلون مع الناس؛ لأجل أن تجتمع الكلمة، فأمرهم أن يصلوا مرتين. وهذا يدل على أن الإنسان إذا علم الصواب فإنه يعمل بالصواب في نفسه، وفي نفس الوقت لا مانع لدرء الفتنة أن يجتمع مع الناس، ويكون مع ما عليه الإمام حتى لا يحصل للشر بالفرقة. قال رحمه الله: «وإن رأى هلال شوال وحده لم يفطر، روي عن مالك والليث». قال الشافعي: «حل له أن يأكل بحيث لا يراه أحد، وإن قامت البينة بالرؤية لزمهم الإمساك والقضاء». وقال عطاء: «لا يجب الإمساك». قال ابن عبد البر: «لا نعلم أحدًا قاله غير عطاء» -يعني لا يجب الإمساك- والصحيح التفصيل الذي سبق وتقدم قبل قليل. قال: «وإن طهرت حائض أو نفساء أو قدم المسافر مفطرًا لزمهم القضاء، وفي الإمساك روايتان» -يعني أن من زال عنه المانع من السفر كالحائض أو النفساء أو المسافر، من زال عنه المانع عن الصيام كالحائض زال حيضها، والنفساء زال نفاسها، أو المسافر أو المريض أو نحو ذلك، فهل يجب عليه الإمساك والقضاء؟ يقول: روايتان عن الإمام أحمد. وقد اختلف أهل العلم فيه على أربعة أقوال مشهورة توجد غيرها. فمن أهل العلم من قال: يجب عليهم الإمساك والقضاء، يجب عليهم الإمساك أو يجب عليهم جميعًا الإمساك والقضاء. ومنهم من قال: يجب عليهم القضاء ولا يجب عليهم الإمساك. ومن أهل العلم من فصل فجعل الإمساك والقضاء في حق المسافر والمريض، وليس في حق الحائض والنفساء فلا يلزمهم الإمساك. ومنهم من جعله في بعض هذه الأحوال الأخرى. والصحيح والله أعلم -وهذا الذي روي عن عدد من الصحابة وتدل عليه عمومات الشريعة- أن من أفطر أول النهار جاز له أن يفطر آخره، وقد استدل به جماعة من أهل الحديث والفقه بعدة آثار وعمومات تدل على هذا الأصل. فلا يلزمهم الإمساك، ولكن يلزمهم القضاء، يلزمهم القضاء لعموم الأدلة في ذلك. فمن السنة حديث عائشة: «كانوا يؤمرون بالقضاء -يؤمرون بالقضاء أي الصيام للصلاة- نسبة للحائض». وهكذا كذلك عموم الدليل في قول الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. وتبقى هنا تتمة مسألة أخيرة، وهي ما إذا كان حدث وجوب بعد عدم وجود سبب هذا الوجوب، ككافر أسلم ومجنون أفاق ونحو ذلك، فهل حكمه كحكم من زال عنه المانع؟ من أهل العلم من قال: حكمهما واحد. ومن أهل العلم من فرق. وكان شيخنا الشيخ محمد بن صالح الثيمين رحمه الله يفرق بين زوال المانع ووجود السبب، فيرى في زوال المانع أنه لا يجب الإمساك ويجب القضاء، وفي وجود السبب لا يجب القضاء ويجب الإمساك. ويجب الإمساك. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه لا يجب الإمساك ولكن يستحب؛ لاحترامًا للشهر. ولعل هذا هو الأقرب؛ لأن الصيام الصحيح هو الذي يكون من الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وهؤلاء لم يدركوا وقت الصيام الصحيح، فيكون صيامهم إن فعلوا احترامًا للوقت والاجتماع ونحو ذلك. فإن قيل له: من يفطر؟ يقال: نعم له من يفطر؛ لعموم ما سبق من أفطر أول النهار بسبب فإنه يفطر آخره، يفطر آخره، ولكن لا يظهر ذلك، لا تكون فتنة وفرقة ونحو ذلك. هذا هو الصحيح والأفضل والأكمل كما تقدم، والأحوط أن يمسك، ولكن ليس عليه القضاء؛ أي بالنسبة لمن وجد فيه سبب الوجوب كالكافر الذي يسلم والمجنون الذي يفيق ونحو ذلك. طيب نكتب بهذا القدر إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. شكرًا للمشاهدة. شكرًا.