كتاب الصيام 2

كتاب الصيام 2

الدرس في كتاب الصيام 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شروط وجوب الصيام ورؤية الهلال

يتناول هذا الفصل الشروط اللازمة لوجوب الصيام، مع التركيز على رؤية الهلال وإكمال شعبان ثلاثين يومًا عند عدم الرؤية، مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

حكم صيام رمضان عند عدم رؤية الهلال

يناقش هذا الفصل آراء الفقهاء حول صيام رمضان عند عدم رؤية الهلال بسبب الغيم أو القتر، مع التركيز على آراء الإمام أحمد وترجيح القول بوجوب الصيام.

أحكام يوم الشك وتأثير التكنولوجيا على رؤية الهلال

يتناول هذا الفصل حكم صيام يوم الشك وأهمية متابعة الإمام، بالإضافة إلى أثر التكنولوجيا الحديثة في تسهيل تحديد رؤية الهلال بدقة.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح كتاب الصيام من مختصر الإنصاف والشرح الكبير للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، مرّ معنا في بداية الدرس السابق ما ذكر من تعريف الصيام، فما هو تعريف الصيام؟ فضل؟ ها؟ أحسنت، لغة: إمساك مخصوص، وفي الشرع: تعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، نعم، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. طيب، ومرّ معنا أن للصيام حكمًا كثيرة، من أهم هذه الحكم: تحصيل التقوى، كذلك صبر، كذلك: رفع الدرجات، تكفير السيئات، تأسي الفقراء، الشعور بالفقراء، استشعار الفقراء، نعم، استشعار الفقراء، وكذلك من حكمه أنه سبب في طهارة القلب والجسد، طهارة القلب بتحصيل التقوى والإقبال على الله بهذه الطاعات، والجسد بإخراج السموم وغيرها، ففيه مصالح ومنافع وحكم كثيرة، وقد أوصلها بعضهم إلى أكثر من مئة حكمة ومنفعة، ولكن هذا الذي ذكر أهمها. طيب، قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: «يجب الصوم بإحدى ثلاثة: الأول رؤية الهلال إجماعًا، الثاني كمال شعبان ثلاثين، لا نعلم فيه خلافًا، ويستحب تراءي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وفي الترمذي: أحصوا هلال شعبان لرمضان». طيب، ذكر -رحمه الله- الأمور التي يجب بها الصوم، واستفتح به كتاب الصيام؛ لأنه من أهم وأول المسائل التي يبتدأ بها الصيام، فذكر أنه يجب بأحدى ثلاث، وذكر ثنتين من الثلاث ليس فيها خلاف، والأول فيها إجماع، ومعناه أن الثالث فيه خلاف كما سيأتي -إن شاء الله-. أما الأول فهو رؤية الهلال، وهذا كما ذكر -رحمه الله- ونقل غير واحد من العلماء الإجماع، كابن المنذر في المغني وغيرها من كتب أهل العلم الكبار والصغار، وله أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، فمن هذا الكثير قول الله عز وجل: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وفسر الشهر بالهلال، فسر الشهر بالهلال، ولا يزال العوام إلى يومنا هذا يسمون الهلال الشهر، يقولوا: رأينا الشهر، أي رأينا الهلال الذي به يدخل ويخرج الشهر. وهكذا قول النبي -عليه الصلاة والسلام- في عدة أحاديث، ومنها ما جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين»، الحديث له روايات كثيرة، وهذا هو مستند الإجماع وغيرها من الأدلة الكثيرة، ولا إجماع إلا على نص، ولكن قد يخفى هذا النص، قد يخفى هذا النص. وقوله: «الثاني كمال شعبان ثلاثين»، كذلك للأحاديث الكثيرة، ومنها حديث أبي هريرة المتقدم، وجاء معناه عن جماعة من الصحابة، وهو قول عامة الصحابة والتابعين، ولا إمهال ولا يعلم فيه خلاف، وقد جاء النص الصحيح الصريح به، فإذا أكمل شعبان ثلاثين فلا شك أنه يصام، ومتى يكمل ثلاثين؟ إذا لم ير الهلال، فإذا لم ير الهلال يكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، وبعد ذلك يجب الصيام بعد إكمال عدة شعبان ثلاثين يومًا. وقوله: «ويستحب تراءي الهلال ليلة الثلاثين»؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حث الصحابة على ذلك، وفيه أحاديث كثيرة، ومنها ما أشار إليه فيما رواه الترمذي وغيره، وصححه جماعة من أهل العلم منهم الشيخ الألباني -رحمه الله- في الصحيحة، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «أحصوا هلال شعبان لرمضان»، ومعناه: تحروا هلال شعبان لدخول رمضان، وفي حديث ابن عمر أنهم تحروا الهلال، وتحراه معهم فرآه، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة الذي تدل على التحري لرؤية الهلال في دخول شهر رمضان. قال -رحمه الله تعالى-: «الثالث -أي من الأمور التي يجب الصوم بها- أن يحول دون منظره غيم أو قتر فيجب صومه، وعنه لا يجب ولا يجزئه عن رمضان إن صامه»، وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، «وعنه: الناس تبع للإمام، فإذا رؤي نهارًا قبل الزوال أو بعده فهو للليلة المقبلة»، وقال الثوري وأبو يوسف: «الرؤية قبل الزوال فهو للماضية؛ لقوله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، وقد رأوه فيجب الصوم والفطر»، «ولنا قول عمر وابنه وغيرهما من الصحابة، والخبر محمول على ما إذا رؤي عشية؛ بدليل ما لو رؤي بعد الزوال، ثم إن الخبر إنما يقتضي الصوم والفطر من الغد؛ بدليل ما لو رؤي عشية»، «وعنه: إن كان في أول رمضان فهو للماضية، فعليها يلزم قضاء ذلك اليوم وإمساك بقيته»، «فإذا رأى أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم، وأن لعكرمة لأهل كل بلد رؤيتهم»، ومذهب أصحاب حديد كريب عن ابن عباس -رواه مسلم-، «ولنا قوله: فمن شهد منكم الشهر فليصم، وقد ثبت أن هذا مثل سائر الأحكام من وقوع الطلاق والعتاق وغير ذلك، فوجب صيامه بالنص والإجماع»، وحديث كريب دل على أنهم لا يفطرون بقول كريب، «ونحن نقول به ويقبل به لا لرمضان قول عدل». طيب، هذه مجموعة من المسائل، أول هذه المسائل الموجب الثالث في قوله: «الثالث أن يحول دون منظره غيم أو قتر فيجب صومه»، هذه هي المسألة الثالثة التي قال بعض أهل العلم بوجوب صيام رمضان بها، وفيها خلاف، وذكرها هنا عن الإمام أحمد -رحمه الله- ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجب صومه، يعني إذا لم ير الهلال بسبب الغيم أو بسبب الغبار ونحوه، فالرواية الأولى عن الإمام أحمد أنه يجب صيامه. والرواية الثانية: أنه لا يجب ولا يجزئه صيامه، وهي توافق قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، والرواية الثالثة: الناس تبع للإمام في هذه المسألة، هذه ثلاثة أقوال، والشيخ -رحمه الله- أشار في آخر هذا المبحث أو هذه المسألة إلى ترجيح القول الأول، وهو قوله: «ولنا قول عمر وابنه وغيرهما من الصحابة»، هكذا قال جماعة من أهل العلم، وفيه احتمال خلاف. هذا أنه يرجح القول الثاني، وهذا الذي أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في مواضع من كتبه؛ فقد رجح أن القول الصحيح الصريح عن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- هو القول بعدم الوجوب؛ أنه لا يجب الصيام لعدم وجود الموجب، وأنه كذلك لم يصح عن الصحابة المذكورين؛ لأنهم ذكروا أن هذا القول -القول بالوجوب- روي عن عمر وابنه عبد الله بن عمر وعمر بن العاص وأبي هريرة وأنس ومعاوية وعائشة وأسماء -رضي الله عنهم أجمعين-، وجماعة من التابعين. والصحيح -كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- وقد وقف على كلامهم-: ليس في كلامهم ما يدل على الوجوب، ليس في كلامهم ما يدل على الوجوب، بل الذي يدل من كلامهم أن الأمر ليس فيه وجوب، أن الأمر ليس فيه وجوب، وهذا الذي رجحه الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتاب زاد المعاد في هدي خير العباد، والذي يظهر أنه هو كذلك قول شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- تبعًا لقول الشيخين في هذه المسألة، تبعًا لقول الشيخين في هذه المسألة. فالصحيح أن المروي عن عمر وابنه عبد الله بن عمر وعمر بن العاص وأبي هريرة ومعاوية وعائشة وأسماء ليس هو القول بالوجوب، بل القول بالتخيير؛ يعني أنه يجوز، ولكن لا يجب، يجوز لمن أراد أن يصوم خشية أن يفوته صيام يوم من رمضان، هذا إذا لم يكن هناك قول لولي الأمر، أما إذا كان هناك قول لولي الأمر فالصحيح -وهذه هي رواية أخرى صحيحة عن الإمام أحمد- وقال بها جماعة من أهل العلم: أن الناس تبع للإمام في هذه المسألة؛ يعني ما رأى الهلال، فرأى الإمام الصيام فيصومون، لماذا؟ قد يكون الإمام عنده مستند لهذا الذي قال به وأمر الناس به، أو أنه مثلًا أمرهم بعدم الصيام وإكمال عدة ثلاثين فلهم ذلك، وإلا فالأصل هو ماذا؟ عدم الصيام، الأصل هو عدم الصيام. والدليل على متابعة الإمام أدلة عامة كثيرة، ومن الخاص الذي استدلوا به قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «صومكم يوم تصومون، وأضحاكم يوم تضحون»، وهو حديث صحيح، صححه جماعة من أهل العلم منهم الشيخ الألباني -رحمه الله- في صحيح أبي داود وذكره في الإرواء، ورواه كذلك الدارقطني والبيهقي، وهو حسن بمجموع طرقه، وبعضهم يصححه بدرجة أعلى من الحسن. فهذا الحديث يدل على أن الإمام إذا قال شيئًا في مثل هذه المسألة فيتابع الإمام في هذا الباب، والصحيح من أقوال أهل العلم أن الإمام يطاع في ما هو طاعة لله ورسوله، وهذا لا شك فيه ولا خلاف، وقام عليه الإجماع إلا ما خالف به الخوارج، والثاني: أن يأمر بما فيه طاعة لله في الأمور المختلف فيها، وهذا كذلك الصحيح أنه يطاع فيها طاعة لله ولرسوله، ولهذا يقولون: الحاكم ينزع الخلاف، حكم الحاكم والقاضي والإمام ينزع الخلاف، مثلًا اختلف العلماء بحكم الطلاق، فأمر ولي الأمر بأمر وحكم، لا شك أن الصواب قد يكون عند بعض الناس خلاف الذي قال به هذا الإمام، لكن ما هو الواجب حتى تجتمع كلمة أهل البلد؟ طاعة الإمام في هذا الأمر الذي حصل فيه خلاف؛ لأجل ينزع الخلاف، وهذه المسألة منها. وقوله -رحمه الله تعالى-: «وقال الثوري وأبو يوسف: إن رؤي قبل الزوال فهو للماضية»، هذه مسألة أخرى في مسألة رؤية الهلال، ما هو الهلال المعتبر الذي رؤيته يكون بها ثبوت الشهر؟ فاختلف كذلك أهل العلم في هذا، والصحيح أن الهلال المعتبر هو الذي يرى بعد العصر، وبعضهم قال: بعد الزوال، وبعضهم قال: بعد الغروب، وبعضهم فصل فقال: يختلف حسب المطالع، لكن الذي عليه عمل الصحابة ومن بعدهم أن الرؤية إنما تكون بعد ماذا؟ الغروب، أو مع الغروب. وأما اليوم فمثل هذه المسألة -يعني- يقل وقوعها مع وجود الأجهزة الحديثة التي تساعد في الرؤية وتعطي العمر الصحيح الدقيق للهلال، العمر الصحيح الدقيق للهلال، فبها توجد حسابات كذلك تساعد، ولا يعتمد عليها، ولكن نقول: تساعد لمعرفة ماذا؟ العمر الصحيح للهلال، وبهذا يكون مثل هذه المسألة لا وجود لها في مثل هذا الزمان، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا القدر ونكمل الباقي في الدرس اللاحق، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.