كتاب الجهاد والسير 9

كتاب الجهاد والسير 9

الدرس في كتاب الجهاد والسير 9، الاسترقاق وقتل الجاسوس . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الاسترقاق والجاسوس

يناقش حكم استرقاق العرب وقتل الجاسوس، حيث يجوز استرقاق العرب ويختلف الأمر باختيار الإمام بين الاسترقاق أو العفو حسب المصلحة. كما أن قتل الجاسوس الحربي هو الأصل ويجوز العفو عنه للمصلحة.

أحكام الجاسوس والإسلام

يتناول حكم الجاسوس من الكفار، ويبين أن الإمام له الحق في قتله أو العفو عنه بناءً على المصلحة. كما يشرح حكم إسلام الحربي قبل القدرة عليه وأثره على ماله، وحكم إسلام العبد الكافر وعتقه.

اجتهاد الإمام في الأموال

يشرح كيفية تعامل الإمام مع الأموال العامة مثل الغنائم والفيء، ويبين أن للإمام حق الاجتهاد في التصرف بما يراه أصلح للإسلام والمسلمين. هذا الاجتهاد يجب أن يكون مبنيًا على علم وضوابط وقواعد.

ختام وتأكيد على العلم الإلهي

يتم الإشارة إلى أن هناك مسائل أخرى متبقية سيتم تناولها في وقت لاحق، ويتم التعبير عن العلم الإلهي.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله، الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: فصل، ويجوز استرقاق العربي، وقتل الجاسوس، وإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه أحرز أمواله، وإذا أسلم عبد لكافر صار حرًا، والأرض المغنومة أمرها إلى الإمام، فيفعل الأصلح من قيمتها أو تركها مشتركة بين الغانمين أو بين جميع المسلمين، ومن أمنه أحد المسلمين صار آمنًا، والرسول كالمؤمن، وتجوز مهادنة الكفار ولو بشرط، وإلى أجل أكثره عشر سنين، ويجوز تأبيد المهادنة بالجزية، ويمنع المشركون وأهل الذمة من السكون في جزيرة العرب. هذه مجموعة من المسائل كذلك تتعلق بهذا الكتاب، كتاب الجهاد والسير. أولها قوله: ويجوز استرقاق العرب، يشير بهذا إلى الخلاف في هذه المسألة، والصحيح كما قال رحمه الله، وقوله يجوز؛ لأن المسألة ترجع إلى الإمام، فهو مخير بين أن يأسر أو يقتل أو يعفو، بحسب ما تقتضيه المصلحة. هذا بالنسبة للمقاتلين، أما بالنسبة لمن لا يقاتل، فهو مخير بين الاسترقاق وبين العفو والإطلاق. فالاسترقاق كما جاء في أحاديث كثيرة، منها ما أشار في الصحيحين في تلك السبية من بني تميم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليها أن تعتقها. وهكذا كذلك ما وقع لهوازن، وكذلك ثقيف وخزاعة وغيرهم من العرب الذين أخذ منهم من هم سبي من النساء والذرية. وهذه الأحاديث في الصحيحين، وأشار إلى بعضها، ففي حديث ابن عمر في الصحيحين أن جويرية بنت الحارث كانت من سبي بني المصطلق. وهكذا كذلك في حديث وفد هوازن، وهو في البخاري وغيره، حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم أموالهم وذريتهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «أحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال». وفيه قصة حين جاءوا نادمين تائبين. وهكذا كذلك ما وقع لثقيف ولقبائل في نجد، فكلها تدل على هذا المعنى. ومن خالف كما أشار رحمه الله لم يأت بشيء صحيح، استدلوا بأحاديث لكنها ضعيفة لا تصح، مثل ما يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال يوم حنين: «لو كان الاسترقاق جائزًا على العرب لكان اليوم إنما هو أسرى». والحديث ضعيف لا يصح كما أشار رحمه الله. وقد يستدلون بشيء صحيح لكنه غير صريح، مثل عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة عام الفتح، فهذا غير صريح في أنه لا يجوز الاسترقاق للعرب، فليس فيه ما يدل على ذلك. بل لو أنصف المستدل لكان فيه دليل على ثبوت هذا الأصل؛ لأن العفو لا يكون إلا من أصل، لا يكون إلا من أصل، فيدل على أن أصل الاسترقاق موجود. ولكن كما قال الله: ﴿إِمَّا مَنًّا وَإِمَّا فِدَاءً﴾، فإما أن يفتدون وإما أن يمن الأمير بما يرى فيه المصلحة، فإما منًا بعد وإما فداءً، فحسب ما يرى الإمام المصلحة. فالحاصل، هذه المسألة كما ذكر رحمه الله، ويرى الإمام ما هو الأصلح فيفعله، كما دلت عليه الأدلة الكثيرة. وقد خير ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام كما مر معنا في الآية: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾. قال: وقتل الجاسوس، كذلك من أحكام هذا الكتاب، وهذا الفصل أن الجاسوس يقتل، هذا هو الأصل، وقيده رحمه الله بالجاسوس الحربي، وهذا هو الأصل في الجاسوس الحربي أنه يقتل، ويجوز أن يعفو عنه للمصلحة، سواء مصلحة خاصة أو عامة. ودليله ما جاء في البخاري وغيره في قصة صاحب الناقة الذي جاء إلى جيش النبي صلى الله عليه وسلم كأنه عابر يتعشى معهم، فلما رآهم ورأى عددهم ورأى ضعفهم انسل وأسرع، فعرف القوم أنه جاسوس، فتبعه سلمة بن الأكوع فضرب بقائمة ناقته ثم ضرب عنقه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم سلبه له، أي لسلمة. وقد أمرهم بقوله: «أطلبوه فاقتلوه»، دل على أن الجاسوس يقتل، أي الحربي من الكفار. ويجوز للإمام أن يستثني إذا اقتضت المصلحة ذلك، ويدل عليه ما أشار إليه بالشرح في حديث فرات بن حيان؛ فإنه كان عينًا لأبي سفيان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله. والحديث فيه ضعف بهذا الإسناد الذي أشار إليه، لكن له متابعات كما أشار إلى ذلك. ففي إسناد محمد بن محبب فيه ضعف لا يحتاج بحديثه، لكنه توبع من طريق بشر بن السري وعباد بن الأزرق. وكذلك صححه عدد من أهل العلم، فقد أشار أبو زرعة رحمه الله، كما فعل ابن أبي حاتم، إلى تصحيح هذه الرواية، رواية سفيان. وكذلك صححه العلامة الألباني رحمه الله في الصحيحة في المجلد الرابع. ففيه دليل على أن الإمام يجوز له أن يجتهد في هذا الباب إذا رأى المصلحة، والمصلحة ها هنا هي إسلام هذا الرجل؛ لأنه لما علم أنه سيقتل قال: أنا مسلم. سواء ادعاه قبل أو ادعاه في الحال، فيجوز ترغيبًا له في الإسلام أن يعفو، فينظر إلى حاله، إن صدق وحسن إسلامه فالحمد لله، وإن لم يحسن إسلامه فإنه يعاقب بما يستحق. ويؤيده حديث أسامة في الصحيحين لما فعل ذلك الرجل في المسلمين القتل الذريع، فلما حصره أسامة وصاحبه الأنصاري قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فتركه الأنصاري وضربه أسامة فقتله، فعاتبه النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، فقال: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟» قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا. فقال: «أشققت عن قلبه؟» فلم يزل يكرر عليه: «أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله؟». فالشاهد، إن كان هناك مصلحة فيجوز أن لا يقتل، مثل أن يستفاد من هذا الجاسوس بإخراج أخبار العدو، ويقابل ذلك بأسره بدلًا من قتله، أسره بدلًا من قتله، فهذه مصلحة قد يرى الإمام أن هذا ينفع للمسلمين. فالمهم يجوز. وأشار كذلك إلى أن المعاهد والذمي إذا فعلا فعل التجسس فإن ذلك ينقض عهده وميثاقه، ينقض العهد والميثاق؛ لأن شروط أهل الذمة أن لا يفعل ما يناهي الإسلام ويضر بأهل الإسلام، وهذا من أعظم الضر أن يكون جاسوسًا على المسلمين. فيجوز لمن كان قد فعل مثل ذلك أن يقتل؛ لأن حكم الجاسوس الأصل فيه القتل، خصوصًا إذا تجسس للكافر الحربي. ويجوز أن يعفى عنه أو يفعل معه ما يرى أنه أصلح من العقوبة، بحسب ما يراه الإمام. قال رحمه الله تعالى: وإذا أسلم الحربي قبل القدرة عليه أحرز أمواله. وهذه مسألة أخرى، معناها أنه إذا وقع الأسر، إذا وقع الحربي تحت قدرة المسلمين فإنه مخير بما يختاره الإمام المسلم من القتل أو العفو أو المن من القتل أو الأسر أو المن والعفو، وماله يأخذ غنيمة للمسلمين. وأما إذا تاب قبل أن يحرز فإنه يكون بهذا قد قبل أن يأخذ ماله ويقبض عليه، فإنه يكون بذلك قد أحرز نفسه وماله. ودليله ما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويزكوا، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم». فإذا أسلم الحربي قبل القدر عليه عصم نفسه وماله. وأما إذا قدر عليه فهو تحت تخيير الإمام بما يرى الأصلح في حقه. وذكر أدلة أخرى بعضها ضعيفة وبعضها يشهد لها معاني صحيحة، لكن كما سبق في حديث عبد الله بن عمر، وبمعناه عن جماعة من الصحابة، عن أبي هريرة وغيره. وكذلك حديث أسامة الذي تقدم في الصحيحين وغيره من الأحاديث الكثيرة تدل على صحة هذا الأصل الذي أشار إليه رحمه الله. ثم قال رحمه الله: وَإِذَا أَسْلَمَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ صَارَ حُرًّا. وهذه مسألة أخرى، إذا أسلم العبد الرقيق وسيده كافر، فإسلامه يعتقه، إسلامه يعتقه. ومعناه إذا أبقى هذا الرقيق لا يعد عاصيًا، بخلاف الرقيق الذي لِمسلم إذا أبقى كان ماذا عاصيًا. وأما للكافر ليس بعاصٍ. ودليله ما أشار إليه في عدة أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة تدل على صحة هذا الأصل. فقد جاء في حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتق يوم الطائف من خرج إليه من عبيد المشركين. وهذا الحديث وإن كان في إسناده ضعف، لكنه رجح الحفاظ أنه مرسل. لكن هذا المرسل له شواهد ومتابعات، صححه فقد جاء عن الشعبي مرسلًا كذلك، ما يؤيد هذا المعنى كما أشار إليه في الشرح. بل جاء مرفوعًا من حديث علي رضي الله عنه من عدة طرق كما أشار، رواه أبو داود والترمذي. وهكذا كذلك نحوه ابن الجارود والطبراني في الأوسط من طرق يشد بعضها بعضًا. في أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بعض رقيق المشركين الذين فروا إلى المسلمين وقد أسلموا: «أنهم عتقاء الله» حتى قال بعض المشركين: «إنما فروا هروبا من الرق لا طمعا في الإسلام»، فتركهم النبي صلى الله عليه وسلم وقولهم وغضبًا على ما قالوا، وقال: «هم عتقاء الله عز وجل». وفي هذا الباب كما قلنا مرفوع وموقوف ومرسل يدل على أن هذا المعنى صحيح. قال رحمه الله: والأرض المغنومة أمرها إلى الإمام، فيفعل الأصلح من قيمتها أو تركها مشتركة بين الغانمين أو بين جميع المسلمين. والقاعدة في هذا الباب أن الإمام له حق الاجتهاد في الأموال العامة، والأموال العامة ثلاثة: الغنائم، والفيء، والصدقات. فيجوز للإمام أن يجتهد بما يرى أنه أنفع للإسلام والمسلمين. وهذا الاجتهاد لا يكون عن هوى وعن عاطفة أو غير ذلك من المعاني والأغراض والأعراض الدنيوية، ولكن اجتهاد يقصد منه نصرة هذا الدين وأهله، فيرى ما يظن أنه أصلح. والعلماء ذكروا مواضع هذا الاجتهاد وأبوابه وتفاصيل فيها. فمن كان عنده علم بمثل هذه المسائل والضوابط والأحوال التي ذكرها العلماء يجتهد ولي الأمر، فإن كان ولي الأمر ليس عنده علم فيجب عليه أن يستعين بمن عنده علم من العلماء، فيبينون له الأصلح بما علمهم الله وما وقف عليه من الأدلة ومن كلام أهل العلم. وتلك التفاصيل والأحوال والضوابط التي ذكرت في كتب الفقه والحديث والسياسة الشرعية، فإن للعلماء كلامًا مبسوطًا مفصلًا دقيقًا في مثل هذه الاجتهادات، حتى لا يظن ظان أن هذا الاجتهاد رأي مجرد، لا، هذه الاجتهادات مبنية على ضوابط وقواعد وأدلة من الكتاب والسنة، ومسائل وقصص وأخبار من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم، وغير ذلك مما به يتوصل إلى الأنفع والأصلح للإسلام والمسلمين. ومن ذلك ما أشار إليه رحمه الله أنه يجوز للإمام أن يفعل الأصلح في الأراضي المغنومة. والصحيح أعم من الغنيمة، الأراضي العامة سواء دخلت على المسلمين غنيمة أو فيء أو غير ذلك، فصارت من الأموال العامة، فيجوز للإمام أن يجتهد فيها. ثم ذكر عددًا من الأدلة التي تدل على ذلك، ومنها بعض ما ورد في حق اليهود. وقد مر معنا قريبًا أن مال اليهود الذي دخل على المسلمين دخل بثلاثة أوجه، فمنها دخل بالقتال فهو غنيمة، وكان قد سلك معه النبي صلى الله عليه وسلم التخميس، خمس كسائر الغنائم التي تخمس: أربعة أخماس للمقاتلين، وخمس لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. وحال آخر كان فيئًا، المال الذي دخل من مال اليهود كان فيئًا بغير قتال، كما في مال بني النضير وبني قريظة وبعض أهل فدك وخيبر؛ فإنه كان فيئًا. ومنها كان بالصلح مصالحة، فكان للمسلمين النصف ولليهود النصف مقابل أن يعملوا فيها. فهذه ثلاثة أحوال، ومع ذلك يجوز للإمام أن يجتهد في جميع هذه الأحوال بما يرى أنه أصلح. إلا أن الاجتهاد في الغنيمة أضيق من الاجتهاد في الفيء، والاجتهاد في الفيء أوسع. وهكذا على تفاصيل يعرفها أهل العلم تذكر في مطولات كتب الفقه وشروح الحديث؛ لأجل لا يظن ظان أن هذا الاجتهاد لا ينبني على علم، بل الاجتهاد ينبني على علم. قال رحمه الله تعالى: ومن أمنه أحد المسلمين صار آمنًا. طيب، هذا نتركه بعد بقية مسائل، نجعلها إن شاء الله في الوقت اللاحق. والله تعالى أعلم.