كتاب الحدود  2

كتاب الحدود 2

الدرس في كتاب الحدود 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الزنا وحد الزاني المحصن

ناقش المقطع حكم الزاني المحصن وطريقة الرجم، حيث ذكر أن الأحاديث الصحيحة تشير إلى أن الرجم هو الحكم الأصلي للزاني المحصن. كما ناقش طريقة الرجم وضرورة أن تكون بطريقة لا تؤدي إلى تعذيب الزاني.

شروط إقامة حد الزنا وإسقاطه

حد الزنا لا يثبت إلا بشهادة أربعة شهود أو بإقرار المتهم، ويجب التثبت من الإقرار. يسقط الحد بالشبهات المحتملة وبرجوع المتهم عن إقراره.

أحكام إقامة الحدود والشفاعة فيها وتكرار الجريمة

ديننا يحث على إقامة الأحكام الشرعية لتحقيق إصلاح أحوال الناس، ويحرم الشفاعة في الحدود إذا بلغت السلطان. لا يكرر الجلد على البكر إذا تكررت جريمة الزنا، والمجنون لا يقام عليه الحد.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا فيما مضى ما ذكره المؤلف رحمه الله من مسائل في كتاب الحدود، وفي باب حد الزاني، وكان مما أخذ ما ذكره من حكم الزاني البكر الحر جلد مئة وتغريب عام. وهكذا كذلك قال رحمه الله: وإن كان ثيبًا جلد كما يجلد البكر، ثم يرجم حتى يموت. وهذا الذي ذكره رحمه الله جاءت به بعض ألفاظ أحاديث الرجم، كحديث عباد بن الصامت الذي مر معنا، فيما رواه الإمام مسلم وغيره، وفيه: «والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». وأكثر الأحاديث مما صحت عن النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين وغيرها من قوله، ومما أمر به أصحابه، ليس فيها ذكر الجلد. ولأهل العلم في زيادة الجلد مع الرجم مذاهب؛ لأجل ما ورد في هذا الباب. والصحيح الذي عليه أهل العلم، أو نقول: أكثر أهل العلم والمحققون منهم، أن الأصل في هذا الباب الرجم من دون جلد، وهو الذي جاءت به أكثر الأحاديث الصحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام. وما جاء من ذكر الجلد مع الرجم، على القول بصحته، يحمل أنه يكون أحيانًا، وهذا للإمام بما تكتضيه المصلحة، فهو مثل التغريب في حق من؟ في حق البكر. ولهذا ذكر هذا الحكم مع حكم التغريب بالنسبة للبكر «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا: البكر بالبكر جلد مئة وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». وأكثر الأحاديث فيها ذكر الجلد جلد مئة للبكر، وليس فيها التغريب، وأكثر الأحاديث فيها ذكر الرجم للثيب، وليس فيها جلد مئة. فمن أهل العلم من سلك مسلك ترجيح أحاديث عدم ذكر هاتين اللفظتين. ومن أهل العلم من سلك مسلك القول بالنسخ، الترجيح تارة بتصحيح هذا وتضعيف هذا، وتارة بالقول بالنسخ. ومن أهل العلم من قال بالجمع بين الأدلة، وهذا الأخير هو الأصوب. وقد تقدم معنا أن الأحاديث إذا صحت، فإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما، خصوصًا إذا كان يمكن الجمع، وتدل عليه نصوص وفتاوى صحابة وعمل أئمة. فالتغريب عمل به الخلفاء الراشدون، ونقل فيه غير واحد من أهل العلم قول أكثر الصحابة، حتى نقل فيه الإجماع. وهكذا كذلك بالنسبة للجلد للثيب، فإنه قد ثبت في أحاديث، وكذلك ثبت العمل به والفتوى به عن عدد من الصحابة. فالجمع بينها كما تقدم بحسب ما تكتضيه المصلحة، فإن كان الأنفع للمجتمع ولصاحب القضية أن يجلد ثم يرجم، حتى يكون أدعى للزجر، فليفعل ذلك، وإن كان ليس كذلك فيكفي الرجم، وهو الذي جاءت به أكثر الأحاديث. جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب. وقد أشار إلى بعض الأحاديث الدالة على هذه المسائل التي سبقت الإشارة إليها في الشرح. ثم ذكر رحمه الله قال: نعم، وإن كان ثيبًا جلد كما يجلد البكر، ثم يرجم حتى يموت. وأما طريقة الرجم التي صحت بها الأحاديث، هي أن يرجم رجما يكون به إيقاع هذا الحكم بما لا يكون به تعذيبه. ولهذا لا يرجم بالحجارة الصغيرة، ولكن يرجم بالحجارة الكبيرة، كما قال أهل العلم: ما يملأ الكف، ما يملأ الكف بهذا الحج حتى لا يتعذب كثيرًا. ويحفر له كما صحت به الأحاديث، وسيأتي إن شاء الله. فإن قال قائل: ألا يكفي أن يقتل بما يريحه دون الحاجة إلى الرجم الذي قد يكون أشد في تعذيبه؟ فيقال: لله الحكم البالغة في هذه الأحكام، فالله سبحانه وتعالى أعلم بما يصلح الخلق. فلما كانت هذه الجريمة جريمة يحصل بها ما يكون به استمتاع الجسد كاملًا، كان الرجم بما يقتضي به تطهير الجسد بالنسبة للمحصن؛ لأن الله من عليه بما يغنيه عن الزنا. ولما كان البكر لم يحصن، وهذا مدعاة لفتنته وأضعف لحفظ نفسه، خفف الله عنه الحكيم، فجعل له الجلد دون الرجم. وكون الرجم فيه ما قد يكون سببًا في تأخر الموت وزيادة التعذيب، هذا فيه مصلحة للمرجوم بتحقق تطهيره الذي هو أنفع له في آخرته، وفيه مصلحة لمن يشهد هذا العذاب، كما أمر الله عز وجل بردع المجتمع عن مثل هذه الجريمة. وهذا هو المقصود من هذه الحدود، هو ردع الناس عن هذه الجرائم. ولهذا كما سيأتي معنا، ليس المقصود هو تحقيق انتقام لأحد، ولا تشفي، ولا غير ذلك، بقدر ما المقصود هو ردع الناس وحفظ المجتمع من هذه الجرائم. ولهذا فرق الإسلام بين من تثبت جريمته بشهادة الشهود، فإنه يقام عليه الحد إذا بلغ الحاكم، وبين من يأتي مقرًا. فالأول لا يصرف عنه الحكم، وأما الثاني؛ لأنه كان مستترًا وقد ستره الله، فإنه يعرض له ما يكون سببًا لبقاء ستره ورد الحد عنه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ماعز والغامدية، كما سيأتي إن شاء الله. وهو مما يدل على هذا الحكم، وهذا التفريق يوضح ويجلي أن المقصود ليس هو الانتقام والتشفي وتعذيب الناس، بقدر ما المقصود هو ماذا؟ هو ردع المجتمع عن مثل هذه القاذورات. ولهذا من انفضح أمره يقام عليه الحد، وأما من جاء تائبًا فإنه ينصح بأن يستتر، فإن أبى إلا أن يقام عليه الحد أقيم عليه الحد. ثم ذكر رحمه الله أن الحد يثبت بالإقرار ولو مرة واحدة، له أدل كثيرة منها ما أشار إليه، وقد مر معنا في قصة إرسال أونيس في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد المتقدم. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «واغدوا يا أونيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها». ولم يقل: كرر عليها الاعستفهام، فاعترفت فرجمها، فاعترفت فرجمها. وهذا يدل أنها مرة واحدة. وأشار رحمه الله في الشرح قال: وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رجم الغامدية، ولم تقر إلا مرة واحدة، كما في صحيح مسلم وغيره. والصواب: الجهنية، فهي التي رجمت بإقرار مرة واحدة، كما جاء في صحيح مسلم من حديث عمران بن حسين. أما الغامدية، فنبي الله صلى الله عليه وسلم ردها في أول الأمر، جاءت إليه فقالت: زنيت يا رسول الله، فطهرني، فردها. فلما كان من الغد جاءت إليه مرة أخرى، قالت: يا رسول الله، لم تردني؟ لعلك تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلة. قال لها: اذهبي حتى تلدي. فذهبت فولدت، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم... وهذا يدل أنها تابت توبة نصوح، فأرادت أن يطهرها بإقامة الحد عليها. فلما جاءت ومعها الصبي، قال: «ومن يرضع الصبي؟» فقام رجل فقال: «أنا أرضعه يا رسول الله». فأخذه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجمها. والحديث كما ذكر في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن أبي ريد عن أبيه. لكن ليس فيه مرة واحدة كما ذكر رحمه الله، وإنما ذكر المرة الواحدة في قصة الجهنية، امرأة من جهينة، كذلك جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تائبة معترفة بذنبها، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم حين أخبرته أنها حامل أن تضع حملها. حتى إذا جاءته وما معها من الحمل الذي قد وضع، أمرها أن ترضعه، حتى إذا أرضعته وجاءت به والخبز في يده، أمر به فأخذ، ثم رجمت. فهذه الأحاديث تدل على أن الإقرار قد يكون مرة، وقد يكون أكثر من مرة. لكن أكثر الأحاديث تدل على أن الإقرار يكرر، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد المقر، ولا يرسل، ولا يرسل إليه، ولا يحبسه، ولا يفعل معه ما يفعل مع من أخذ وهو في هذه الجريمة. فإذن هناك فرق بين من ستره الله، وبين من وقع في ذلك حتى ظهر المجتمع، وكان بشهادة الشهود، على التفصيل الذي سيأتي، كما تقدم وسبقت الإشارة إليه. ثم ذكر رحمه الله تعالى من المسائل: الاعتبار في حد الزنا بالشهود الأربعة، وقد تقدم دليله من الكتاب، وهكذا كذلك جاءت به أحاديث كثيرة من السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وما ذكره رحمه الله من التكرار في الإقرار أنه قصد منه الاستيثبات، فهذا كما ذكر رحمه الله، وسيأتي معنا في حديث ماعز: كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتثبت بصور كثيرة، كرر عليه ثلاثًا، وفي رواية أربعًا، وفي رواية أنه أمر أن يستنكه، يعني: ينظر في فمه، هل هو مخمور؟ وفي رواية أنه سأله: أبك جنون؟ وفي رواية أنه سأل أصحابه: هل في عقله شيء؟ فقالوا: ما نعرف عنه شيء، يعني: إلا أنه إنسان عاقل. وبعد هذا سأله: هل يعرف ما معنى الزنا؟ لأنه قد يأتي إنسان يعترف على نفسه بالزنا، وهو لا يعرف الزنا. ولهذا جاء في بعض الروايات: «لعلك قبلت؟ لعلك غمزت؟ لعلك نظرت؟» وهو يقول: «لا يا رسول الله»، حتى ذكر له الأمر بلفظه؛ ليستثبت ويتأكد أنه يعرف معنى ما فعل، وأنه يعرف عاقبة فعله، فأقر بذلك كله. فعند ذلك أمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجم. بل جاء في بعض الروايات في صحيح مسلم أنه ما صبر على ألم الرجم فهرب، فتبعه الصحابة فرجموه حتى قتلوه. فبلغ ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو تركتموه». وهذا يدل على التفريق كما تقدم بين فعل من فعل ذلك فاستتر وجاء معترفًا ومقرًا، وبين من كان بشهادة الشهود. وهذا كذلك يعني: التكرار في التثبت جاء في قصة الغامدية، وكذلك معناه في جهة الرد في قصة الجهنية. وقوله رحمه الله: «ولابد أن يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج». لماذا؟ لأجل كما تقدم: قد يكون المعترف لا يعرف ما معنى الزنا، فلهذا يتثبت منه حتى يعلم أنه وقع فيما اعترف به على نفسه حقيقة. وذكر رحمه الله تعالى قوله: «ويسقط بالشبهات المحتملة وبالرجوع عن الإقرار». قوله: «بالشبهات المحتملة»، يعني: التي تسقط الحد. وقد رويت أحاديث كثيرة في هذا الباب، لم يصح منها حديث، لكن أجمع العلماء أن معناها صحيح: «ادرأوا الحدود بالشبهات»، «ادفعوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم»، وغيرها من الألفاظ التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعة: صحيحة، ضعيفة، وموقوفة: صحيحة. جاءت موقوفة عن بعض الصحابة: ضعيفة. وقال بعض أهل العلم: أن هذا الموقوف له حكم الرفع؛ إذ مثل هذا لا يقال بالرأي، مثل هذا لا يقال بالرأي. ولهذا أجمع العلماء على هذا الحكم: أن الحدود تدرأ بالشبهات. ويدل عليه قصة ماعز، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يدرأ عنه الحد بأدنى شبهة. ويدل عليه كذلك ما وقع للغامدية، وهكذا كذلك في قصة المتلاعنين، وهكذا كذلك في عهد الصحابة رضي الله عنهم. فقد شهد ثلاثة على أن رجلا وقع بامرأة، وأنهم رأوا ذلك بما لا شك فيه، وصرحوا بما رأوا على اللفظ الصريح. وتلك الرابع لم يستطع أن يجزم بما جزموا به، فجلدهم عمر؛ لأجل هذا المعنى: درء الحدود بالشبهات. لأنه كما أن الإسلام يحرص على حظ المجتمع من هذه القاذورات، وأن لا يقع فيها أحد من المسلمين بمثل هذه الحدود، كذلك يحرص الإسلام أن لا يتطاول أحد على أعراض المسلمين، بل الحرص على الثاني أشد. ولهذا كان حكم حد الزنا لا يثبت إلا بأربعة شهود يرون شيئًا واضحًا بينًا، كالميل في المكحولة. وما كان ليس كذلك لا يثبت به حد الزنا، لكن لا يعني أنه لا تكون عقوبة، تكون عقوبة، لكن دون الحد، تكون عقوبة دون الحد. وإنما تعزير للإمام، ينظر بما يصلح. فالخلوة بالأجنبية، وثبوت المباشرة فيها تعزير، ينظر الإمام بما تكون به العقوبة إذا ثبت الشهود فيه. لكن حد الزنا يسقط. وأولئك الذين أثبتوا حكم الزنا يعاقبون. لكن لو قالوا: «رأينا خلوة ومباشرة»، فهنا يختلف الحكم، يختلف الحكم. فأدل ما أشار إليه كثيرة. معنى إدرأ الحدود بالشبهات. وأشار رحمه الله تعالى كذلك أنه يدرأ الحد بالرجوع عن الإقرار، يعني: يسقط برجوعه عن إقراره. يدل عليه ما أشار إليه في قصة ماعز، في حديث أبي هريرة، وأصلها كما تقدم في صحيح مسلم: أنه لما وجد حر الحجارة فر فتبعه الصحابة حتى قتله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «هل لا تركتموه؟» وهذا فيه دليل أن من أراد الرجوع عن إقراره فله الرجوع، فله الرجوع. ولهذا كما تقدم في القصص الثلاث المذكورات التي فيها إقرار ترك المقر ولم يتابع. وأشار كذلك إلى روايات أخرى، وكلها روايات صحيحة، وأصل الحديث في الصحيحين. ومعنى هذه الرواية في صحيح مسلم. وأشار: فقبل ذلك في الباب الذي قبله إلى حديث عبد الله بن عباس: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمت هذه». فسألوا ابن عباس: من هذه؟ فقال ابن عباس: هي امرأة تظهر السوء. هي امرأة كانت تظهر السوء في الإسلام، هكذا جاء في الرواية في البخاري. وجاء في بعض الألفاظ كما أشار: أنها امرأة العجلاني، يعني: عويمر العجلاني الذي وقعت له الملاعنة مع امرأته. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر القصة كما في بعض ألفاظ الحديث: «إن أتت به أسحم أعين ذئابيتين فهو لفلان»، يعني: الذي هو الرجل الأجنبي. وإن أتت به كذا وكذا، يعني: إذا أتت به على هذا الوجه فيكون عويمر صادق، وإن أتت به على الوجه الآخر فعويمر كاذب. فأتت به كما قال الراوي على الوجه المكروه. فهنا جاء هذا الحديث: «لو كنت راجمًا أحدًا بغير بينة لرجمتها». استدل العلماء بهذا على أنه لا يثبت الحكم بالقرائن دون البينة الواضحة، بالقرائن دون البينة الواضحة. ووجود الشبه الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن سببًا لإقامة الحد. وهكذا ديننا جعل مثل هذه الأحكام المحكمة بعظيم حكمة الله عز وجل التي يكون بها إصلاح أحوال الناس. وجاء معنى الحديث في صحيح مسلم من حديث السهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه. ومما أشار إليه مما يمنع إقامة الحد: وجود ما يدل على عدم إمكان حصول الزنا، كأن تكون المرأة رتقاء أو عذراء، يعني: لم يدخل بها رجل، ولا يمكن أن يكون دخل بها رجل. أو يكون الرجل مجبوبًا أو عنينًا، يعني: ليس مثله ممن يقع منه زنا. والمقصود بهذا: عيوب تدل على انتفاء وقوع الزنا من هذا الرجل أو تلك المرأة، فإن كان كذلك علم به كذب ما رمي به. وذكر من الأحكام: تحريم الشفاعة في الحدود. ومما يدل عليه ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المرأة المخزومية، يعني: من قريش التي سرقت. كبر ذلك على أهل مكة أن تقطع يد امرأة شريفة عندهم، فقالوا: من يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يستطيع أن يكلمه إلا حبه؟ يعني: من يحبه النبي عليه الصلاة والسلام، أسامة بن زيد، أسامة بن زيد. فجاء يشفع عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أتشفع في حد من حدود الله؟». وفي لفظ: «لا أراك تشفع في حد من حدود الله». فالأول استفهام منكر، والثاني نهي، وكله يدل على حرمة الشفاعة في الحدود، حرمة الشفاعة في الحدود. وجاء كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كما جاء في بعض الألفاظ: «والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وإنما أهلك من كان قبلكم أنهم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه. ومعناه: لا تفعلوا فعل الأمم السابقة الملعونة والمغضوب عليها التي أهلكها الله بسبب عدم قيامها بدين الله، ومن ذلك التفريق في الأحكام بين الشريف والضعيف. وفي الباب أحاديث كثيرة أشار إلى بعضها. ولا يعارضه ما يدل على غير هذا مما جاءت به الأحاديث الأخرى، فقد جمع العلماء في ذلك، أو بين تلك الأحاديث وما جاء في تلك الوقائع: أنه إذا بلغ الحد إلى السلطان فلا يجوز الشفاعة فيه. وأما إذا كان قبل ذلك فإنه يجوز أن يشفع بين أهل الجاني والمجني، فهو من الصلح، والصلح خير. وأما إذا بلغ الحاكم فلا تجوز الشفاعة. ويدل على ذلك ما جاء في الحديث الذي أشار إليه في قصة الرداء المسروق، وأصله بصحيح مسلم: سرق رداء لصفوان رضي الله عنه وهو نائم في المسجد، فقبض على السارق وأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر بقطع يده. فقال: «قد عفوت عني، رسول الله، تقطع يده في ردائي؟» يعني: استعظم هذا، قد عفوت عنه، ما أريد هذا. فقال: «هل لا كان هذا قبل أن تأتيني؟» ولهذا قال العلماء: أن الحدود إذا بلغت السلطان فلا يجوز الشفاعة فيها، ولا تسقط، ولا يجوز للسلطان أن يسقطها، بل يجب عليه أن يقيمها. وكما قلنا: هذا متى؟ إذا ثبتت بشهادة الشهود. وأما إذا جاء بإقراره فهذا يختلف، جاء إنسان يقول: «أنا سرقت، اقطعوا يدي». ماذا سرقت؟ لعلك لم تسرق؟ يسأل، يستفصل، يرد. وهكذا، فإن ذهب ولم يرجع كان ستره بينه وبين الله سبحانه وتعالى. وإن أصر وأتى فتقطع يده. ولهذا قال العلماء: من وقع في شيء من هذه الحدود، ما هو الأفضل في حقه أن يستتر بستر الله ويتوب، أم يأتي إلى السلطان ويطهره بإقامة الحد عليه؟ قال العلماء: الأفضل أن يستتر بستر الله، ويصدق في توبته، ويصدق في توبته، ما دام قد ستره الله. ويدعو الله أن يستره في الآخرة كما ستره في الدنيا، وأن يغفر له ويتجاوز عنه بعظيم رحمته وواسع فضله. وذكر رحمه الله من المسائل: كيفية الرجم، وأشار إلى عدة أحاديث، وهي تدل على أن الأصل أن يحفر للمرجوم والمرجومة، ويعمق للأنثى أكثر من الذكر؛ ليكون أستر لها. معنى هذا جاءت به أكثر الأحاديث. وفي بعض الأحاديث أنه لم يحفر للمرجوم. وهذا يدل أنه يفعل بما تكتضيه المصلحة، فالأصل أنه يحفر له، ويجوز إذا اقتضت المصلحة ذلك أن لا يحفر له، ولا يوثق. وهذا جمعًا بين الأدلة الواردة في هذا الباب. وقد أشار إلى عدة روايات كلها صحيحة، وجمعًا بين هذه الروايات قال العلماء: بما سمعتم. وهذا هو التفصيل الذي تجتمع به هذه الأدلة، فإعمال هذه الأدلة أولى من إهمال أحدها. فقد صح أنه عليه الصلاة والسلام أمر بالحفر للغامدية إلى صدرها، كما في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن بريد عن أبيه. وهكذا كذلك جاء في قصة الغامد أنه ترك، كما في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد. فلم يحفر له، ولم يؤثق بحبل، ولا غيره. وهكذا كذلك جاء ذكر الحفر في قصة رجل آخر أتي به لأجل الزنا. فجمعًا بين الأدلة قال العلماء: ما سمعتم، وما تقدم. ومما أشار إليه: أن الحبلى لا ترجم حتى تضع حملها؛ لأن ما في حملها ليس له إثم من جريرتها. والله سبحانه يقول: «أن لا تزر وازرة وزر أخرى». وهذا عدل الإسلام ورحمته وحكمته في إقامة الحدود على وجه يكون به العدل والإصلاح. وأشار إلى لفظ حديث المرأة الغامدية حين أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اطهرني»، فقال لها: «ويحك، ارجعي فاستغفري، استغفري الله وتوبي إليه». وفي رواية أنها جاءت في اليوم الثاني، فقالت: «أتريد أن تردني كما رددت ماعزًا يا رسول الله؟» فقال: «وما ذاك؟» قالت: «إني حبلى من الزنا». قال: «أنت؟» قالت: «نعم». فقال لها: «حتى تضعي ما في بطنك»، يعني: اذهبي. فذهبت فوضعت ما في حملها، ثم جاءت النبي صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أنه قال لها: «فمن يرضع وليدك؟» فقال رجل من الأنصار: «أنا يا رسول الله». وفي رواية كما جاء: أنه قال: «إذن لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه». فقام ذلك الرجل من رجل من الأنصار، فقال: «أنا يا رسول الله أرضعه أو أقوم برضاعته». فأمر برجمها. وهكذا نحوه في قصة المرأة من جهينة، يعني: الجهنية. وهذا يدل على أن مثل هذا كان يقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا ينبغي الحذر كذلك من باب أولى في مثل هذه المجتمعات. وهذا يدل كذلك أن هذا يقع كلما بعد الناس عن العلم وحدث أمرهم فيه. ولهذا كان هذا فيمن هو حول المدينة ممن هم مضافون لأهل البادية ونحوهم. ثم ذكر رحمه الله كيفية جلد المريض، وأنه يجلد بعثكال. ومعنى العثكال: العذق من النخل الذي فيه شماريخ، فيكون مجموع تلك الشماريخ بمثابة مجموعة من ضربات العصا، مجموعة من ضربات العصا. قال العلماء: ممكن أن يكون مثله: عصا مفرعة إلى أكثر من فرع، فبدلًا من أن يضرب بعصا واحدة مئة ضربة، يضرب بعصا تتفرع إلى عشرة فروع، كم عشر ضربات، عشر ضربات، بمثابة مئة ضربة. هذا إذا كان مرضه يطول وهو زمن به. وأما إذا كان يبرأ فينتظر حتى يبرأ ثم يجلد. وقد أشار إلى بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب. وكما أشار رحمه الله فيها شيء من الضعف، لكن بمجموع طرقها ترتقي إلى إثبات هذا المعنى، فيكون حسنًا. فينظر في ذلك ما يمكن به تخفيف الشر والإضرار بهذا الضعيف. فإن كان يتماثل للشفاء حتى يشفى ثم يقام عليه الحد، وإن كان زمن ممن يلازمه ذاك المرض، فكما ذكر رحمه الله. كل هذا لأجل أن يردع الجميع، ولا يظن النظام أن أحدًا يتجاوز ويعتدي، ولكن يكون فيه كذلك رحمة وشفقة بالمريض. وهذا يؤكد ما تقدم من هذه الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة التي جاءت بها هذه الشريعة العظيمة من عند الله سبحانه وتعالى الحكيم العليم الكافية بإصلاح حال الناس في أمر الدنيا والآخرة. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين، وبإرشادنا بأمور شرع الحكيم، وأن يجعلنا هداة مهتدين. ويحفظنا والمسلمين من سائر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يجعلنا ممن يوفق للثبات على الصراط المستقيم وسنة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام حتى نلقاه. والحمد لله رب العالمين. سائل يقول: إذا كان البكر... غير واضح الكلمة، يقول: إذا تكررت كأن معنى كلامه والسؤال إذا تكررت هذه الجريمة من البكر، فهل يرجم؟ الجواب: لا يكرر عليه الجلد إلا إذا كان محصنًا، إلا إذا كان محصنًا. فضل المجنون رفع عنه القلم، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة»، ومنهم المجنون. فإذا وقع الزنا من المجنون أو وقع أن المجنون سرق، فلا يقام عليه الحد. لكن هل يفعل به شيء يقتضي تأديبه؟ الجواب: إن كان مجنونًا لا يعقل تمامًا فلا يقام عليه شيء. لكن يرجع بعد ذلك إلى التغريم، تغريم المتلفات على أوليائه، فما أتلف وما اعتدى يرجع به إلى أوليائه. وهناك تفاصيل كثيرة ذكرها الفقهاء وأهل العلم بأدلتها فيما ينبني على أفعال أمثال هؤلاء من الأحكام الوضعية التي تختلف عن الأحكام التكليفية. مما يكون به ربط الشيء بسببه، وما كان بمعناه فيرجع بهذا إلى أوليائه من إفساد المتلفات وغرامة ما يكون فيه تغريم. وأما هو فلا وضع القلم. وفي رواية: «رفع القلم عن ثلاثة». طيب لهنا والله تعالى أعلم.