الدرس في كتاب الحدود 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش حكم اللواط في الإسلام استنادًا إلى الأحاديث النبوية وآثار الصحابة، حيث أجمعوا على قتل مرتكبيه مع اختلافهم في كيفية القتل. يُعتبر حديث ابن عباس من أصح الأحاديث في هذا الباب.
يتناول حكم الإسلام في اللواط، حيث يرى العلماء أنه يستحق عقوبة شديدة لما فيه من فساد، وقد اختلفوا في كيفية تنفيذ هذه العقوبة واتفقوا على وجوب القتل. استدل بعضهم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية.
يشترط لإقامة الحد أن يكون مرتكب الفاحشة مختارًا، وأن يثبت ذلك بالإقرار أو بشهادة أربعة شهود، ويعزر المكره إذا حصل منه تفريط. كما أن من شروط إقامة الحد ثبوت تحقق الفعل الموجب للحد.
التعزير يختلف عن الحد في الحكم، حيث يمكن أن يكون بالجلد أو السجن أو حتى بالقتل حسب ما يراه الإمام مناسبًا. يختلف التعزير عن الحد أيضًا في عدد الشهود المطلوبين لإقامة العقوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في دروس سابقة ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- الإمام الشوكاني في كتاب الحدود، وفي باب حد الزاني مجموعة من المسائل، وكان مما مر معنا ما ذكره في أواخر هذا الباب من رجم الحبلة، متى يكون؟ وعلمنا على تفاصيل سبقت أنها لا ترجم، إن كان عليها الرجم، وهي كذلك، فلا ترجم إلا حتى تضع حملها، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ومرت معنا الأدلة في ذلك. ومن مر معنا كذلك ما أشار إليه من حد الزاني البكر والحر، وعلمنا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مئة، تغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». وفي هذا إشارة، وسيأتي -إن شاء الله- إلى أن غير الحر حده نصف حد الحر، لقول الله عز وجل: ﴿نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ومر معنا كذلك ما ذكره -رحمه الله- من جلد المريض، وكيفيته، وعلمنا أنه قد ورد في الباب حديث، وبعضها فيه ضعف، لكن معناها صحيح، وبعض أهل العلم يرى أنها ترتقي إلى درجة الحديث الحسن في كونه يخفف عنه الجلد بأن يجلد بالعتكال، وما كان بمعناه مما فيه تفاريع تعد كل فرع منها بجلده، فيخفف ذلك عنه، فعشرة شماريخ في ضربة واحدة تعدل عشر جلدات، فيكون عشر جلدات بمئة جلدة، وهذا لمن كان مرضه مزمنًا أو سيطول. وقد علمنا أنه إن كان يرجى برؤه فينتظر، أخذًا بعمومات الأدلة. ولما أشار إليه في حديث علي الذي رواه الإمام مسلم في الأمة التي زنت وكانت في عهد النفاس، فخشية إن جلدت أن تقتل، فسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، أي: إن تركت حتى لا يقتلها الجلد، فقال: «أحسن، تترك حتى تماثل». وفيه إشارة كذلك إلى أن الأمة ولو كانت محصنة، فهي تجلد ولا ترجم؛ لأن الرجم لا ينصف. وبهذا يعلم أن عليها نصف ما على المحصنات من العذاب، أي: بالنسبة للجلد، أما الرجم فلا ينصف، فينتقل الحكم إلى الجلد، فتجلد خمسين. قال -رحمه الله تعالى-: «حكم اللواط»، أي: ماذا يكون حكم اللواط؟ وأشار في باب حد الزنا إلى الحكم، فقال: «ومن لاط بذكر قتل ولو كان بكرًا، وكذلك المفعول به إذا كان مختارًا، وكذلك المفعول به إذا كان مختارًا». فقوله -رحمه الله-: «ومن لاط بذكر قتل»؛ لما روي في ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. قد رويت أحاديث كثيرة، وأكثرها لم يصح مرفوعًا عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأصح ما روي في هذا الباب حديث واحد، وهو ما روي من حديث ابن عباس، في قوله -عليه الصلاة والسلام-: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وهذا الحديث -كما قال أهل العلم- أصح ما روي في هذا الباب، وهو حديث حسن له طرق كثيرة يرتقي بها إلى الحسن، وإن كان في بعض أسانيده شيء من الضعف اليسير. ويؤيده ما روي من أحاديث كثيرة في هذا الباب، كذلك الآثار الكثيرة المروية عن الصحابة. وقد نقل المؤلف -رحمه الله- في الشرح إجماع الصحابة على القتل، نقله غير واحد من أهل العلم. قال الإمام بن القيم -رحمه الله-: «أجمع الصحابة على قتل من وقع في اللواط، وإن اختلفوا في كيفية القتل»، يعني: هم اتفقوا على القتل، ولكن اختلفوا في كيفية القتل. ولهذا كان قول أكثر أهل العلم أنه لا يفرق بين المحصن وغير المحصن، وهو قول الإمام الشافعي -رحمه الله- كما أشار، وهكذا روي عن مالك وأحمد في رواية عنه، ورواية أخرى عن الإمام الشافعي، وكذلك عن الإمام أحمد: أنه يحد حد الزاني، فيفرق بين البكر وبين المحصن، بين البكر وبين المحصن. ويحمل هذا الاختلاف على أحد أمرين: إما أنهم لم يبلغهم ما روي في هذا الباب من أحاديث، فقاسوه على ما روي في باب الزنا. ويحمل أنهم اضطرب عليهم الأمر في ما روي في هذا الباب من أحاديث مرفوعة؛ لكون الكثير من ما روي فيه ضعف، فرجعوا إلى القول بأنه يحد حد الزاني. ولكن بعد العلم بأنه قد صح الحديث، وهكذا أجمع الصحابة على الحكم، وإن اختلفوا بكيفية القتل، يعلم أن هذا هو حكم اللواط، وهذا الفعل من أبشع الأفعال. حتى روي عن بعض أفاضل أهل العلم، بل روي عن بعض الأمراء: روي عن الوليد بن عبد الملك أنه قال: «لو أن الله قص علينا قصة قوم لوط لم أصدق أن ذكرًا يعلو ذكرًا»، فهو شيء قبيح لا تتصوره عقول ذوي الفطر المستقيمة، فضلًا أن يوجد في الواقع، فإذا وجد دل ذلك على انتكاسة عظيمة، وفساد شديد، ودناءة ليس بعدها دناء. فإذا كان كذلك استحق أن يعاقب عقوبة تردع من وقع في مثل هذا الفعل الدنيء. فكيف وقد أخبرنا الله عز وجل في عقوبة قوم لوط أن الله عز وجل جعل عاليها سافلها، وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود، وكذلك طمس أعينهم. ولهذا اختلف الصحابة في كيفية قتل هؤلاء بهذه الكيفيات المذكورة، فقد روي عن بعض الصحابة أنه قال: «يرمون من مكان عال». وروي عن بعضهم أنهم: «تطمس أعينهم ويرمون من مكان عال»، واستدلوا بالآيات. وروي عن بعضهم القول بالتحريق؛ لأن الله رماهم بحجارة مسجورة أي: كالجمر. وروي عن بعضهم أنه قال: «أنهم يرجمون» كما روي عن علي؛ لأن الله أسقط عليهم الحجارة، فهي بمعنى الرجم. فاتفق الصحابة على حكم القتل، ولكنهم اختلفوا في كيفية هذا القتل. وهذا في حكم أهل الإسلام تمام العدل؛ لأن العدل ليس هو بما تستحسنه آراء الناس، وإن كان في الحقيقة آراء الناس المستقيمين لا تخرج عن الصواب، بل لا تجد بدًا إلا أن توافق الشرع، لا تجد بدًا إلا أن توافق الشرع. وقد ذكر بعض أهل العلم أن حكم القتل لمن فعل هذه الفاحشة لم يكن في حكم الإسلام فقط، بل حكمت به أمم من أمم الكفر؛ لبشاعة ودناءة هذه الجريمة. فحكمت به أمم كافرة، فكيف ينكر على أهل الإسلام؟! فالله عز وجل أخبرنا بذلك في كتابه، ونبينا -عليه الصلاة والسلام- صح عنه في سنته، وصحابته -رضي الله عنهم- أفتوا به في حياتهم من بعده -عليه الصلاة والسلام-، وهو الذي يردع الناس عن مثل هذه الجريمة الدنيئة. وتشديد الأحكام سبب لردع الناس، وعواقب هذه الجريمة سيئة وعظيمة. فمن تلك العواقب -على وجه الاختصار- أنها سبب لانتشار الأمراض والأسقام، مع ما فيه من ضياع الأديان والأعراض. انتشار الأمراض والأسقام التي لا تكون في الأمم السابقة، وقد جاء معناه في الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وهكذا كذلك والواقع يؤكده. وهكذا كذلك من عواقبه، وكذلك عظيم شره وفساده؛ كونه سبب لانتكاسة فطر الناس، فإذا وقع مثل هذا الخلق انتكست الفطر، فحصل الشذوذ في المجتمع، ولا تسأل كيف يكون حال الرجل إذا تأنث، وكيف يكون حال المرأة إذا انتقل الرجال إلى هذا المسلك؟! ولهذا قابل هذا الفعل فعل آخر، وهو السحاق ما يقع بين النساء، وهو أمر آخر عظيم. مما كذلك كان ثمرت مثل هذه الأمور الفاحشة الفاسدة، وغير ذلك من الشر والفساد الذي يكون، فإن الأمر إذا تفشى فسد الكبير والصغير، وفسد الذكر والأنثى، وانتقل الأمر حتى إلى غير ذلك من البهائم وغيرها. وذكر -رحمه الله- فقال: «ولو كان بكرًا»، يعني: على الصحيح. وفي هذه الجملة الأخيرة خلاف كما سمعنا، فقد روي عن جماعة من أهل العلم أنهم قالوا: «يحد حد الزاني». وهي رواية عن أحمد والشافعي. وأصح الروايتين عن أحمد والشافعي أنهما يقولان بقول جمهور أهل العلم: أنه يقتل على كل حال، لا فرق بين بكر ومحصن. وقد ذكر العلماء أن الحد لا يقام إلا بشروطه، الحدود لا تقام إلا بشروطها. وقد سبقت بعض هذه الشروط. أول هذه الشروط وقوع ما يثبت به الحد من تحقق وقوع هذه الفاحشة في وقوع الجماع الذي يقع به هذا الحكم الذي يثبت تبعًا له الحد. قال العلماء: ويكون ذلك بتغييب الحشفة. فإذا وقع ذلك ثبت الحكم. والشرط الثاني: أن يكون ذلك من المكلف، فلا يكون على غير المكلف؛ إذ رفع القلم عن ثلاثة. والشرط الثالث: أن يكون مع انتفاء الشبهة، يعني: في الزنا قد تقع شبهة، مثل أن ينكح نكاحًا باطلًا يظنه نكاحًا صحيحًا، فهذا لا يحد فيه حد الزنا، بل يعزر. مثل الصغير يعزر ولا يحد حد الزنا. وهكذا كذلك مثل أن يقع على أمة له فيها شرك، لا يجوز له الوقوع بها ما دام هو شريك فقط، أو يقع على أمة ولده لشبهة أنها من ماله، أو أخطأ في امرأته. فما كان مثل هذا لوجود الشبهة لا يحد، ولكن يعزر بحسب ما يراه الإمام. ومنه كذلك المكره بكرًا كان أو أنثى، فإنه لا يحد، ولكن قد يعزر إذا حصل منه تفريط، ويرجع ذلك إلى الإمام. بخلاف المكره عندنا: مكره ومكره، المكره يقام عليه الحد، والمكره لا يقام عليه الحد، ولكنه يعزر إذا حصل منه تفريط. ومن الشروط كذلك ثبوت تحقق ما يجب به الحد، يعني: إن كان زنا تحقق الزنا، أو لواط تحقق هذا اللواط. ويكون ذلك بأحد أمرين: إما بالإقرار المؤكد، كما تقدم على تفاصيل وخلاف ذكر في قضية التقرير: هل يجب أن يكون أربع مرات أو ثلاث أو يكفي ما يثبت به التأكيد ولو مرة واحدة؟ على الصحيح، وهذا هو الصحيح، وإن أكده بأكثر لوجود القرينة والشبهة الجازة. والثاني: أن يثبت إذا لم يكن بإقرار بأربعة شهود يرون ذلك رأي العين، ولا يشترط أن يشهدوا جميعًا أتوا جميعًا أو أتوا متفرقين، ولكنهم يشهدون شهادة واحدة متفق عليها في وقوع ما يوجب الحد، كدخول الميل في المكحلة، كما ثبت معناه مرفوعًا وموقوفًا. هذه أهم الشروط التي ذكرها العلماء. قال -رحمه الله تعالى-: «وكذلك المفعول به إذا كان مختارًا». وقد تقدم في الحديث: «فاقتلوا الفاعل والمفعول به». وهذا يحمل على هذا القيد إذا كان مختارًا، وهو عام في هذا وفي غيره مما هو بمعناه مما يوجب الحد؛ إذ المكره لا يقام عليه الحد، قد يعزر لتفريطه لكن لا يقام عليه الحد. وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقم الحد على امرأة وقع عليها في زمانه بإكراه، فلم يقم عليها الحد -عليه الصلاة والسلام-. وصح نحوه عن عمر، وعن جماعة من الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم-. فهذا يدل على هذا المعنى الذي أشار إليه -رحمه الله-. وأما إذا وقع الاختيار فإنه يقام عليه الحد؛ لما روي مرفوعًا وموقوفًا في هذا الباب. وهذا من جهة الدليل، ومن جهة التعليل؛ لأجل قطع سبب الفساد، ولأن وجوده سبب لفساد المجتمع، حتى قال بعض أهل العلم: أن من ابتلي بهذا الباب فأسرف فيه قل أن يصلح في توبته، فربما كان تطهيره بالقتل خير له في دنياه وفي آخرته. ثم قال -رحمه الله-: «ويعزر من نكح بهيمة». قوله: «ويعزر من نكح بهيمة»؛ لكونه قد روي في هذا الباب أحاديث مرفوعة، لكن في صحتها نظر عند أكثر أهل العلم. وأشار في الشرح إلى حديث ابن عباس الذي رواه أبو داود والترمذي وغيرهما، في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة». وقد أشار إلى أن الحفاظ ذكروا أن العمل على خلاف هذا، بل على ما روي موقوفًا عن ابن عباس: «من أتى بهيمة فلا حد عليه»، يعني: يعزر. فقد روي عن الترمذي، وجاء عن غيره أنه قال: «هذا أصح من الحديث الأول»، يعني: المرفوع، فالموقوف أصح من المرفوع، والعمل على هذا عند أهل العلم، يعني: أكثر أهل العلم، وليس معناه كل أهل العلم. فالعلماء أجمعوا على تحريم هذه الفاحشة، وأنها كبيرة من الكبائر، ولكن اختلفوا في حكم فاعلها. فمنهم من حكم عليه بالقتل، أنه يقتل، وتقتل كذلك البهيمة؛ لهذا الحديث الذي يروي عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، رواه أهل السنن الأربعة، والإمام أحمد وغيرهم. وقد اختلف العلماء في صحة هذا الحديث، فبعض أهل العلم يرى أنه لا يصح، وأن الموقوف أصح منه؛ كما رأينا في كلام الترمذي، وهو قول جماعة من الحفاظ. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ذلك في التلخيص، وكذلك في تعليقه في الفتح على كتاب الحدود في الصحيح. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يحد، ولكن يعزر؛ لأن الموقوف -كما سمعتم- أصح. وهذا الذي أشار إليه المؤلف -رحمه الله- في هذا الموضع. وذهب بعض أهل العلم إلى جمع لطيف، فقال: الأصل على القول الراجح أنه لا يقتل بل يعزر، ولكن إذا رأى الإمام أن تعزير من وقع في هذا الباب يكون بالقتل؛ لأجل قطع هذا الفساد إذا انتشر جاز ذلك، ويستأنس بالحديث المرفوع المروي في هذا الباب، وهكذا بالآثار المروية في هذا الباب. وهو قول جماعة من أهل العلم. والتعزير بالقتل يجوز، قد ثبت عن جماعة من أهل العلم القول به، واستدلوا في هذا الباب بعمومات. وسيأتي -إن شاء الله- الكلام على هذه المسألة. فهذا خلاصة القول في هذه المسألة. وأما ما هو التعزير؟ فهذا يرجع إلى الإمام، قد يعزر بالجلد، وقد يعزر بالسجن، وقد يعزر حتى بالقتل إذا رأى أن هذا الذي يردع، أن هذا الذي يردع الناس. ومما ينبغي الإشارة إليه هنا أن التعزير حكمه يختلف عن حكم الحد، ففي الحد يشترط أربعة شهود، وأما في التعزير فيكفي أن يشهد شاهدان، كما سيأتي -إن شاء الله- الكلام عليه في الأبواب الآتية. إلى هنا والله تعالى أعلم.