كتاب الحدود  1

كتاب الحدود 1

الدرس في كتاب الحدود 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف الحدود وأهميتها في الشريعة الإسلامية

يتناول هذا الفصل تعريف الحدود في الإسلام وأهميتها في إصلاح الأفراد والمجتمعات. يُظهر أن الحدود عقوبات شرعية تهدف إلى ردع الذنوب والمعاصي وتكفير السيئات.

أهمية إقامة الحدود الشرعية في الإسلام ومقارنتها بالتشريعات الوضعية

يُبرز هذا الفصل أهمية إقامة الحدود الشرعية في حفظ الأمن وضبط المجتمع، ويُظهر تفوق أحكام الإسلام على التشريعات الوضعية في تحقيق العدل. يُعد إقامة الحدود من أعظم محاسن الدين.

حد الزنا وأحكامه وتفاصيل العقوبة

يتحدث هذا الفصل عن حد الزنا وأحكامه، حيث يُشرح العقوبة للزاني البكر والثيب، ويُبين اختلاف الحكم باختلاف حالة الزاني. كما يُشرح مسألة التغريب وأسباب الخلاف فيها.

ضوابط إبعاد صاحب القضية ودراسة الأدلة

يتناول هذا الفصل ضوابط إبعاد صاحب القضية، حيث يتم النظر في الأدلة لتحديد ما إذا كان الإبعاد أو عدمه هو الحل الأمثل لإصلاح حال الفرد والمجتمع.

  • 17 جمادى الأولى 1434هـ - 28/03/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني -رحمه الله تعالى- كتاب الحدود، قال: باب حد الزاني، قال: إن كان بكرًا حُرًّا جلد مئة جلدة، وبعد الجلد يغرب عامًا. وإن كان ثيبًا جلد كما يجلد البكر، ثم يرجم حتى يموت. ويكفي إقراره مرة، وما ورد من التكرار في وقائع الأعيان فللقصد الاستثبات. وأما الشهادة فلابد من أربعة، ولابد أن يتضمن الإقرار والشهادة التصريح بإيلاج الفرج في الفرج. ويسقط بالشبهات المحتملة، وبالرجوع عن الإقرار، وبكون المرأة عذراء أو ردقاء، وبكون الرجل مجبوبًا أو عنينًا. وتحرم الشفاعة في الحدود. ويحفر للمرجوم إلى الصدر. ولا ترجم الحبلى حتى تضع وترضع ولدها إن لم يوجد من يرضعه. ويجوز الجلد حال المرضي بعثكال ونحوه. ومن لا يطيق الجلد يقتل ولو كان بكرًا، وكذلك المفعول به إذا كان مختارًا. ويعزر من نكح بهيمة، ويجلد المملوك نصف جلد الحر، ويحده سيده أو الإمام. أورد -رحمه الله- هاهنا كتاب الحدود، وناسب في هذا الموضع بعدما تقدم من أبواب أن يذكر هذا الكتاب. وهذه الطريقة لبعض أهل العلم في ترتيب وضع هذا الكتاب في هذا الموضع. قوله: كتاب الحدود، كما تقدم يأتي فعال بمعنى مفعول كثيرًا، فلباس بمعنى ملبوس، وهكذا كذلك كساء بمعنى مكسو، فيكون هاهنا معنى هذا: كتاب يتعلق بأحكام الحدود، أي مكتوب يتعلق بأحكام الحدود. والحدود جمع حد، والحد يأتي بمعنى الفاصل، وما كان بمعنى «وأما» في الشرع، فهي العقوبات الشرعية التي جعلها الله -عز وجل- بحكمته سببًا لردع الناس، وكذلك زجرهم عن الذنوب والمعاصي. وهكذا كذلك لتكفير سيئاتهم. وسيأتي معنا -إن شاء الله- أبوابًا فيما يتعلق بهذا الكتاب ومسائل. ومن فضل الله -عز وجل- على أهل هذا الدين فرض مثل هذه الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة التي فيها إصلاح لحال هذا الإنسان في دنياه وفي آخراه. وربنا -سبحانه وتعالى- الحكيم العليم الذي خلق الخلق -جل وعلا- علم ما يصلحهم، فجعل لهم من أسباب إصلاحهم ما هو كفيل بإصلاح أمر الناس في عاجل أمرهم وأجله. فتارة بما يكون من أمر العلم النافع وأثره على أهله، فيكون هذا سببًا لإصلاح الدنيا والآخرة. وتارة وهي كذلك مما جاءت به الشريعة بما كان من أمرهم بالواجبات التي هي كذلك والمستحبات التي سبب لإصلاحهم. وهكذا جانب آخر بما كان من نهيهم وزجرهم ووعظهم في ترك المحرمات والمكروهات التي كانت أو تكون سببًا لشقاوتهم في الدنيا والآخرة. وأخرى بذكر القصص والأخبار في حال الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وما صنعوه مع أممهم، وحال أتباعهم وحال مخالفيهم في الدنيا، وما وعد ربنا -جل وعلا- أهل الاتباع من الوعد الحسن في الآخرة، وأهل كذلك الشقاق والخلاف من الوعيد والعذاب الشديد في الدنيا فضلًا عن الآخرة. فمن انتفع بهذه المواعظ وهذا العلم وتلك الأعمال الصالحة فذاك سبب لصلاحه. ومن لم ينتفع جعل ربنا -سبحانه وتعالى- الحكيم بعظيم حكمته وواسع علمه بما يصلح بخلقه روادع تردعهم وتكون سببًا لزجرهم، منها ما يكون من العقوبات الكونية التي هي آيات، وكذلك موضع آخر للزجر. ومنها ما يكون بالعقوبات الشرعية التي منها هذه الحدود. فإن من الناس من يكفيه العلم النافع والعمل الصالح، فيكون سببًا لصلاحه وهدايته، يبنى فيه الإيمان بتدرجه في سلم العلم وارتقائه في مراتب العمل الصالح حتى يرتقي ويرتفع إلى أعلى الدرجات، فيزداد ثباتًا على الصراط المستقيم والدين القويم في الدنيا، وكذلك له الرفعة في الآخرة -بإذن الله تعالى-. ومن لم ينتفع بهذا العلم والهدى فتكون تلك الزواجر واعظات ورادعات. وبهذا صارت المجتمعات المسلمة مجتمعات مليئة بمعاني الحياة الطيبة المطمئنة، فهم قد هدوا بهذا الدين إلى كل الأسباب الحسية والمعنوية التي يكون بها صلاحهم. ولهذا إذا قارن المسلم بين المجتمعات المسلمة والمجتمعات الكافرة وجد الفرق فيما عليه الناس من الأمن والأمان ومعاني الاطمئنان التي هي قليل من كثير من بركتي ونفعي وأثري هذا الدين العظيم على أهله. هذا مع تفريط الكثير من الناس بهذه الأحكام وتقصير المسلمين -رعاه ومرعيين- في امتثال شرع الله الحكيم واستيعاب تلك الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة التي هي كفيلة بإصلاح حاضر أمر الناس وعاجله وآجله. والمقصود من هذا أن يُعلم بهذا أن إقامة الحدود الشرعية في دين الإسلام هي من أعظم محاسنه، وليس كما يدعيه أعداء الدين وحشية ولا إنسانية وغير ذلك من عبارات التنفير والتشنيع. بل لو تأملت فيها تأمل إنصاف وعقل بحق وصدق لم يجد العقلاء المنصفون الصادقون بدًا إلا إجلال وإجلال هذه الأحكام المحكمة والتشريعات المتقنة. فأمر ربنا -جل وعلا- بقتل القاتل الذي يقتل عمدًا إلا أن يعفو أولياء المقتول، على تفاصيل ستأتي معنا -إن شاء الله-. وأما الخطأ فلا، لماذا؟ كما قال -سبحانه وتعالى-: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾. أن تقتل نفسًا أن تقتل نفسًا لأجل أن تحفظ الأنفس الأخرى خير من أن تترك هذه النفس المجرمة المعتدية الباغية مقابل أن تكون أنفس الناس رخيصة. ولهذا المجتمعات التي تتساهل في جريمة القتل يكثر فيها جريمة القتل، لماذا؟ لأن القاتل يعرف أنه لن يقتل في كل الأحوال لن يقتل، فليس عندهم في قانونهم قتل كما هو الحال في بلاد الكافرين. وهكذا كذلك اليد الآثمة والمعتدية في السرقة إذا علمت أنها تقطع يردعها ذلك عن السرقة، فإذا لم تردعه الواعظات الشرعية ردعته هذه الحدود. فعند ذلك استثب الأمن، ولو قطعت يد واحدة كان في هذا حياة للناس أن تحفظ أموالهم، وينزجر كل من تسول له نفسه أن يسرق لعلمه أن يده ستقطع. لكن إذا لم يكن ذلك ماذا يحصل؟ يتجرأ الناس على السرقة. وهكذا قل في الجوانب الأخلاقية، لما كان الزاني يرجم إن كان محصنًا ويجلد إن كان بكرًا وغير ذلك من التفاصيل، فمن لم ينتفع بالواعظات والرادعات الشرعية وعظته وردعته هذه الحدود، فكان سببًا لضبط المجتمع. في أحد الأخبار المنشورة اليوم أن المجندون والمجندات في أمريكا تعرض منهم أكثر من مئة وخمسين ألف شاب وفتاة لحالة تحرش، مئة وخمسين ألف في سنة واحدة، يعني هذه نسبة ما أظن يحصل مثلها على عشرات السنين في بلاد المسلمين على ما هم عليه من تفلت وبعد عن الدين. ما هو السبب؟ السبب كما تقدم فضل الله على أهل هذا الدين بهذه الأحكام الشرعية المحكمة والتشريعات المتقنة، هذبت وضبطت المجتمع من جوانب كثيرة. فمن لم ينفعه العلم والإيمان نفعه أمر الردع الحسي، والردع الحسي كيف يكون حال الإنسان إذا آمن بالله واستحضر مراقبة الله، حتى لو ضعفت هذه المراقبة فبين الحين والآخر يستشعر المؤمن بالمعاتبة يعاتب نفسه، فلذلك يرجع ولو بعد حين من الدهر. فإذا لم يرجع فعنده الحدود الشرعية التي تضبط الناس وتكون سببًا في حماية المجتمع من شر الأشرار وإجرام المجرمين. ولو قورن بالعقل فضلًا عن الشرع، أيهما أفضل أن نقتل نفسًا مجرمًا مرة واحدة أو مرتين أو عشر في مقابل أن نحفظ نفوس مئات الأبرياء؟ أيهما أفضل؟ لو قارنا المصالح من المفاسد لو وجدنا أن هذا أنفع، يقتل واحد في مقابل حفظ آلاف. ولهذا تجدون في إحصائيات بلاد الكفار نسبة القتل العدوان العمد عالية جدًا جدًا، والسبب خلو تلك المجتمعات من هذه الأمور العظيمة التي أعظم أسباب إصلاح المجتمعات. فلذلك ينبغي أن يعتز المسلمون بهذه الأحكام الشرعية المنزلة من عند الله -سبحانه وتعالى- فلا يدسوها فضلًا عن عدم العمل بها، بل يعتز بها ويظهر محاسنها ويحرص جميعًا في إقامتها. بعض المجتمعات الكافرة تفرض قوانين وضعية من وضع البشر، ولا تبالي باستنكار الشرق والغرب ما دام هذا يصلح أمرهم. فكان دين الإسلام دين وسط بين من غلا في هذا الباب مثل المجتمعات الشيوعية والاشتراكية، لأجل ضبط الأمن جعلوا القتل في كل جريمة، جريمة انتهاك الأموال العامة القتل، جريمة تناول بعض الأمور المحظورة القتل، جريمة التحايل على الاقتصاد القتل، فالقتل عندهم توسعوا فيه جدًا. وفي المجتمعات الغربية على عكس ذلك تمامًا ليس عندهم شيء اسمه القتل، فكان ماذا؟ كان إفراط وتفريط، ومع ذلك المجتمع على ما هو عليه. وأما أحكام هذا الدين العظيم التي هي منزلة من عند الله -سبحانه وتعالى- فيها كمال العدل، فما تأتي إلى حكم من أحكامه صغيرًا أو كبيرًا إلا وجدت فيه ما يقتضي الإجلال والتعظيم لهذا الدين العظيم المنزل من رب العالمين، إذ فيه وضع كل شيء في موضعه الذي يكون به كماله وتمامه. فإذا علمنا ذلك افتخرنا بهذه التشريعات وهذه الأحكام ولم نستحي منها كحال بعض الجاهلين ومن أصابته لوثة الكافرين فصار يحرف ويغير ويتحاشى وغير ذلك مما يجامل به الكفار، وما علم أن ما أنزله الله في دينه وشرعه هو الحق وهو العزة وهو الخير وهو سبب قوة أهل هذا الدين وخيريته في الدنيا وكذلك في الآخرة. قال -رحمه الله-: باب حد الزنا، والباب لغة ما يدخل منه ويخرج، والمقصود الدخول والخروج المعنوي، أي هذا مدخل لمعرفة حد الزنا وما يتعلق به من أحكام وذكرها هنا مجموعة من المسائل كما سمعنا، أولها في ذكر حد الزاني البكر الحر، وهو أنه يجلد مئة كما قال الله -عز وجل-: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة﴾، هذا نص الكتاب. وهكذا كذلك في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث كثيرة تدل على ذلك. وكان حكم الزنا في أول الإسلام وقد مر مرت الكثير من الأحكام في هذا الدين على وجه التدريج حكمة من الله -سبحانه وتعالى- في إصلاح أحوال الناس. فأول الإسلام كان النهي عنه مع السكوت عن العقوبة في الدنيا، ثم بعد ذلك كان الحكم الحبس، ثم كان بعد ذلك هذا الحكم في التفصيل. ولهذا جاء في حديث عباد بن الصامت عند مسلم وغيره، قوله -عليه الصلاة والسلام-: «خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مئة وتغريب سنة، والثيب بالثيب جلد مئة والرجم». وهذا لأن الله -عز وجل- أخبرنا في سورة النساء فيمن يأتي هذه الفاحشة أن يحبس حتى يجعل الله -عز وجل- له سبيلًا، كما قال الله -عز وجل-: ﴿واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا﴾. كان هذا الحكم أولًا حتى جعل الله -عز وجل- السبيل بما أنزل من حكم في ذلك في سورة النور، وفي هذا الحديث الذي رواه عدد من الصحابة -أي معناه- عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. ثم تتابع تطبيق هذا الحكم الشرعي في وقائع كثيرة، ومن ذلك ما جاء في حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في الصحيحين في قصة الرجل الأعرابي الذي تقدمت الإشارة إلى قصته حين استأجر أجيرًا فزنى الأجير بامرأته، وفي هذا خطورة التساهل في دخول الرجال الأجانب على النساء، فجاء يسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- وفيه قصة طويلة حين أفتاه بعض من لا علم له بخلاف هذا الحكم، فجاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وسأله فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بحكم هذه المسألة، قال: «والذي نفس بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك» -يعني فيمن أفتاه قبل ذلك أن له وليد وغنم في مقابل اعتداء هذا الخادم- قال: «وعلى ابنك جلد مئة وتغريب عام لأنه ليس بمحصن -ليس بمتزوج ولم يتزوج- وهذا معنى المحصن- واغدُ يا أنيس لرجل من أسلم -يعني هذا أنيس رجل من قبيلة أسلم- إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فغد إليها فاعترفت فرجمت». هذا الحديث على وجه الاختصار، وفيه هذا الحكم، فالبكر بالبكر جلد مئة وتغريب عام، والثيب بالثيب الرجم كما صحت به الأحاديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. وأشار هاهنا إلى الخلاف في مسألة التغريب، والمراد بالتغريب أن يبعد من بلده إلى بلد آخر لمدة عام. وسبب خلاف أهل العلم في حكم التغريب أمران اثنان، الأمر الأول كون بعض الروايات والوقائع ليس فيها ذكر التغريب حكم التغريب للبكر. ولكونه ثانيًا فيه مشقة وظنوا أن فيه فتنة خصوصًا للمرأة. والصحيح في هذا من أطوال أهل العلم جمعًا بين الأدلة أن حكم التغريب يرجع إلى الإمام، فهو مما يجوز أن ينفذ أو يترك بحسب ما تقتضيه المصلحة. فإن كان الأصلح لحال هذا البكر الزاني أو تلك البكر الزانية أن تبعد أو يبعد فيبعد. وأما المرأة فتبعد مع محرمها، وإن كانت المصلحة أن يبقى عليه فيبقى. لكن أكثر أهل العلم يقولون بالإبعاد لأجل ما يكون من إعانته على التوبة، حتى لا تكون كثرة تلويمه سببًا في عدم إعانته على التوبة، كذلك حتى لا يرده إلى طريق رفقاء السوء الذين قد يكونون في مكانه الأول الذي وقع فيه الخطأ الذي وقع فيه. فالأمر يتعلق بحسب ما يكون به إصلاح حال صاحب القضية وحال المجتمع من قضيته، أمران اثنان: حال صاحب القضية وحال المجتمع من قضيته. فإن كان الذي يصلح حاله ويصلح حال المجتمع من قضيته الإبعاد فليبعد، وإن كان عدم الإبعاد فلا يبعد، جمعًا بين الأدلة فيما ورد في هذا الباب.