الدرس في شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ركزت على التوحيد وتحكيم شريعة الله، وكانت تحارب الجاهلية في صورها المختلفة. كانت الدعوة قائمة على تجريد العبادة لله وحده وتجريد المتابعة لرسول الله.
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب واجهت معارضة شديدة من مختلف الطوائف، لكنها نجحت في تحقيق أهدافها في نشر التوحيد ومحاربة الشرك. استمرت الدعوة في الانتشار رغم الدعايات السلبية الموجهة ضدها.
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب انتشرت على نطاق واسع في العالم الإسلامي وغير الإسلامي، وتحولت إلى ظاهرة بارزة في العديد من البلدان. هذا الانتشار يعتبر نصرًا عظيمًا لدين الله، رغم مكر الأعداء.
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فقد سأل بعض الإخوة عن بعض الإشكالات في قول شيخنا رحمه الله: إن ذكر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وصمود المشاكل، قاله في القرن العشرين، كان يعيش محمد بن عبد الوهاب -يريد دعوته- لعله هكذا نحمله، وإلا فحياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله لم تكن في القرن العشرين، وإنما في القرن الثاني عشر حولها. وكذلك لما ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله، ذكر أنه في القرن السابع، وهو تعدى القرن السابع، رحمه الله، ولكن في أوائل القرن الثامن، فيكون هذا من باب التقريب من الشيخ رحمه الله، والشيخ لم يدقق في هذا، وإنما المراد المعلومات التي بعدها. قال الإمام العلامة محمد أمان الجامي رحمه الله تعالى: النواحي التي ركزت عليها دعوته رحمه الله، ومن اطلع على الأسباب التي حملت الشيخ على القيام بدعوته، ثم درس الكتب والرسائل التي كتبها الشيخ أو كتبها أولاده وأحفاده وتلاميذهم، يقطع دون شك أن دعوة الشيخ ركزت على ناحيتين هامتين: ألف: دعوة الناس إلى تجريد العبادة لله وحده، بحيث لا يعبد مخلوق مخلوقًا مثله من دون الله أو مع الله. وتجريد المتابعة لرسول الله وحده، بحيث لا يقدم قول أحد أو رأي أحد على قول رسول الله عليه الصلاة والسلام. باء: دعوة الناس، وخصوصًا الحكام، إلى تحكيم شريعة الله وحدها، بحيث لا يتخذ بعض الناس أربابًا من دون الله يحللون ويحرمون، إن الحكم إلا لله، أمر أن لا تعبدوا إلا إياه. وهذا يعني أن دعوة محمد بن عبد الوهاب كانت ولا تزاء تحارب جاهليتين خطيرتين منتشرتين في العالم الإسلامي في العصر الحديث: أولًا جاهلية عبادة المخلوق، مثله بدعوى حب الصالحين أو التوسل بهم أو الاستشفاء بهم، إلى غير ذلك من الأعذار التي تشبه قول المشركين السابقين، الذي حكاه القرآن: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَةً﴾، وقد قاومت دعوة الشيخ هذه الجاهلية وطاردتها، ولا تزال تطاردها في كل مكان، ولله الحمد والمنة. ثانيًا جاهلية الحكم بغير ما أنزل الله، وبين هذه الجاهلية والتي قبلها صلة قرابة، كما لا تخفى على من رزق الفقه في الدين، لأن التحاكم إلى غير شريعة الله يعني اتخاذ أرباب يشاركون الله في إصدار الأحكام والتشريع. فدعوة الشيخ اعتبرت هذه الجاهلية قرينة التي قبلها، وأن حكمها واحد في نظر الإسلام، فحاربتها كما حاربت الجاهلية التي قبلها. من هنا نعلم خطأ الذين يزعمون بأن الدعوة -دعوة ابن عبد الوهاب- عالجت ظاهرة عبادة غير الله فقط، في الوقت الذي أهملت القضية الدستورية. وهذا الزعم في نظري يصدر من أحد رجلين: أحدهما رجل مغرض ومتجاهل للحقائق، وهذا لا نرى أن نطيل معه الحديث، لأن البحث مجرد جدال عقيم وغير منتج، فلنتركه هو وجداله. ثانيهما رجل قاصر النظر والفهم للأمور، فهذا يجب أن يبصر، بأن نريه بأن هذه الدولة الإسلامية السعودية التي قامت في قلب الجزيرة العربية لتحكم بالشريعة الإسلامية وتحارب جاهلية الحكم بغير ما أنزل الله وجاهلية عبادة غير الله، حتى أصبحت غريبة بين دول العالم، ولكنها من أعاجيب الزمن، حيث استطاعت ببركة تحكيم الشريعة وتحقيق استقرار أمن منقطع النظير في دنيا العصر الحديث. حتى صارت تغبط لدى الدول التي يسمونها الدول الكبرى، وتبرت هذه الدولة بالرجوع إلى المصحف الشريف في أحكامه. بهذا يتبين لنا بأن قيام هذه الدولة أثر من آثار هذه الدعوة المباركة بتوفيق الله، وهل يصدق بعد هذا من يقول: إن دعوة محمد بن عبد الوهاب أهملت القضية الدستورية؟ بل الجواب: لا، إلا إن كابر. وهذه لفتة من الشيخ رحمه الله تعالى لتوضيح خلاصة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله على وجه اختصار، وأنها دعوة اعتنت بثلاثة أمور مهمة: أولها الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، وهذه هي معنى كلمة لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى. وهذا يعني نفي العبودية عما سوى الله، وإثباتها وإفرادها لله عز وجل وحده لا شريك له، لا يشرك معه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا صالح من الصالحين. وثانيها معنى محمد رسول الله، أي لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند ذلك تتميز هذه الدعوة المباركة -دعوة أهل السنة والجماعة- باعتبارها السلف الصالح، والتي منها دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، لأنها بعيدة كل البعد عن التقليد، فلا تعصب لأفراد ولا لأئمة ولا لعلماء ولا لجماعات، بل نعقد الطاعة بعد طاعة الله لطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، المبلغ عن شرع الله ودينه. فطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم من طاعة الله، وطاعته بامتثال أوامره، والسير بسنته، والاهتداء بهديه، كما قال الله عز وجل عن القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال عن نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وغير ذلك كثير. فلا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يجب أن نتابعه ونترك متابعة غيره، فليس لنا متبوع إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو إسوتنا وقدوتنا في كل جوانب ومناح الحياة. أما الثالث: الدعوة إلى تحكيم شريعة الله في جميع جوانب الحياة، الفرق والأسرة والمجتمع، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا، إن الحكم إلا لله، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فأولئك هم الظالمون، فأولئك هم الفاسقون. من لم يحكم بما أنزل الله بين الفسق والظلم والكفر بحسب حال صاحبه، فالحكم بما أنزل الله هو من التطبيق للإسلام، وهو قرين الإيمان، كما تقدم معنا في الآيات والأدلة. فدعوة عباد القبور من الباطنية والصوفية والرافضة بأنواعهم، دعوة إلى عبادة غير الله، ولو سموه وليًا أو صالحًا أو قطبًا أو وتدًا، وكل ذلك لا يخرج الشرك عن كونه شركًا وكفرًا. وهكذا أيضًا تلك التعصبات المذهبية والولاءات والبراءات الحزبية، فالإسلام منها بريء، بل الإسلام يأمر بالاعتصام بحبل الله، كما تقدم، والنهي عن التفرق والتمزق، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، لا نتفرق بسبب المذاهب الفقهية، ولا نتفرق بسبب ما هو موجود عند الناس من الدعوات الحزبية، بل الواجب أن يجتمع أهل الإسلام جميعًا على الكتاب والسنة، وعلى ما كان عليه سلف الأمة. وهذا الذي يصلح حال هذه الأمة، ولما تميزت هذه الدعوة بهذه الثوابت العظيمة، وما تفرع منها من أمور كثيرة لإصلاح العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق والمنهاج والسلوك، كانت دعوة مباركة، ونفع الله عز وجل بها نفعًا عظيمًا. وما سمع بها وعرفها عن قرب ونظر إليها بعدل وإنصاف إلا أثنى عليها، ثم ذكر رحمه الله أن المعارضين لهذه الدعوة أحد رجلين: إما رجل معاند مكابر، فهذا لا حيلة معه، يترك وظلمه وبغيه وعدم عدله وإنصافه، فإنه حاله كحال من أخبر الله عز وجل فيه مثله، كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، رضيت أو لم يرضَ، أرضيت أو لم ترضه، هو على ما هو عليه. ورجل آخر لبس عليه وغلط، ونقلت عليه معلومات مغلوطة، فهذا يحتاج أن يبين له الحق بأسلوب حكيم، مادام أنه حريص على الحق وعنده شيء من العدل والإنصاف، فلن يعدم خيرًا. ولهذا تراجع الكثير من الناس بعد أن كانوا أعداء هذه الدعوة، صاروا من أنصارها وحلفائها وممن يدافع عنها، سواء من العلماء أو الدعاة والصلحاء والوجهاء أو عامة الناس. فما من أحد عنده عدل وإنصاف تعرف على هذه الدعوة عن قرب وبعلم، فإنه لن يجد بدًا من الثناء عليها، وكذلك تأييدها. قال رحمه الله تعالى: أعداء الدعوة جندت الأقلام الرخيصة كعادتها لمحاربة الدعوة، وأخذت تكتب ضد الدعوة غير متحرية للصدق، وهذه الأقلام تنتمي في الغالب إلى الطوائف الآتية: ألف: الطوائف الصوفية المحترفة باسم الدين. باء: الفقهاء الجامدون المقدسون للآراء. جيم: أهل الكلام المتطرفون. توضعت هذه الأقلام على تشويه الدعوة وعرقلة سيرها لو استطاعت، فقامت بنشر ما يشبه التعميم العالمي -إن صح التعبير- فشاء في العالم وعم الدنيا بأن دعوة محمد بن عبد الوهاب تعادي المذاهب الأربعة، جهلًا من هذه الأقلام أن ابن عبد الوهاب نفسه حنبلي المذهب، إلا أنه غير متعصب. وكذلك نشرت الأقلام المجرمة بأن ابن عبد الوهاب وأتباعه يكرهون الرسول ولا يصلون عليه، ويعادون الأولياء وينكرون كراماتهم، والحكايات وروايات الناس كثيرة في هذا الباب، ولا أستحسن سردها، بل أستبشع ذلك ولبعده عن الذوق. وقد كتبت تلكم الأقلام عن الدعوة كل شيء إلا حقيقة الدعوة وأهدافها، فلم تتعرض لشيء من ذلك. طبعًا سنة الله باستراع بين أهل الحق والباطل ماضية، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾. قد كان الأنبياء لهم أعداء، وهكذا أتباع الأنبياء، وهكذا أصحاب الحق في كل زمان ومكان، فهذه الدعوة المباركة -دعوة أهل السنة عمومًا- دعوة الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب خصوصًا، كان لها أعداء، ومن هؤلاء الأعداء وهم كثر، ولكن من أبرزهم هذه الطوائف الصوفية المحترقة المتسمية باسم الدين، لأن دعوة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله جاءت لتحقيق التوحيد ومحاربة الكفر برب العبيد، فما عليه الصوفية من الشركيات والوثنيات جعلهم يحقدون على من يحارب ذلك، لأن لهم مصالح دنيوية. وكذلك انحرافات ظنوا أن الناصح لهم عدو للدين، وهذا من الخطار. وكذلك المتمذهبة الذين قدسوا المذاهب، وهم لم يتقيدوا لإمام الاتباع الصحيح، وإلا فلو اتبعوا لإمام الاتباع الصحيح لما تعصبوا لهذه المذاهب. كانت الكعبة قبل زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله يصلى فيها بأربع منابر وأربع يئمة، إمام للحنفية وإمام للشافعية وإمام للمالكية وإمام للحنابلة، لا يصلي أحد خلف أحد، تفرق وتمزق حتى عند الكعبة، لكن بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله اجتمع الناس كلهم مسلمون موحدون تحت إمام واحد. أيهما أفضل: التفرق والتمزق الذي كان، أم الاجتماع على التوحيد والسنة؟ وهكذا العالم الإسلامي يئن من آثار هذه العصبية المقيتة وهذه المذهبية البغيضة، ولم يعرف هؤلاء ولم ينصفوا بأن الخلاص من هذا هو باتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نكون جميعًا مؤمنين مسلمين موحدين بسنة نبينا صلى الله عليه وسلم متبعين. جاءت في سنوات وفترات سابقة حروب بين أهل المذاهب، وهذا كله بسبب البعد عن الدين والجهل والتعصب الأعمى. والطائفة الثالثة: أهل الكلام الذين تقدم الإشارة إلى طريقتهم، فهم أعداء هذه الدعوة المباركة، سواء من تبنى المذاهب الكلامية القديمة -المذاهب المعتزلة- ومن سلك طريقهم بالمذهب العقلاني، أو كذلك المعاصرة، فهناك كلاميون معاصرون أهل كلام وأهل فلسفة معاصرة، كأمثال العقلانيين بهذا الزمن المعاصر، سواء انتسبوا إلى فرقة أو لمن انتسبوا إلى فرقة، أفراد وجماعات، عندهم دعوة عقلانية لتحكيم الشرع بالعقل، فأنكروا ثوابت الدين وحرفوا كذلك أسسه، ومن دعاهم إلى الحق سموه ولقبوه بالألقاب الشنيعة. كما مثل الشيخ رحمه الله تعالى، فالعبرة بالحقائق لا بالمسميات، قد اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر وكاهن، وهو الصادق الأمين عليه أول الصلاة والسلام، وهو في هذا التسلي -كما تقدم- لكل صاحب حق، عليه الصبر، وألا يبالي بمثل هذه التهم والافتراءات. قال رحمه الله تعالى: نجاح الدعوة على رغم كثرة أعدائها، قابل صاحب الدعوة تلكم الدعايات التي بثها أبواق الأعداء وتسطرها أقلام الأجراء، قابلها بالإعراض عنها، عملًا بقوله تعالى: ﴿وَاعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، فمضت الدعوة تشق طريقها في الآفاق على رغم أنوف الأعداء. ولا تدخل الدعوة بلدًا فيتعرف عليها أهله ويتعرفونها على حقيقتها إلا اطمأنوا إليها وأحبوها وأقبلوا عليها، غير متأثرين بدعاية الأعداء إذا تبين لهم الحق. ولا أشبه هذه الدعوة إلا بالقادة الفاتحين الصالحين الذين إذا أقبلوا على البلاد التي يريدون فتحها، خافهم أهلها وأصابهم الزعر والقلق، وإذا فتحوها فدخلوها وعرفهم الناس، فعرفوا فيهم الرحمة والإنصاف والعدل، أحبوهم وتفانوا في حبهم وتقديرهم، وفدوهم بالنفس والنفيس، بل انضموا إلى معسكرهم وصاروا من أنصارهم. هذا مثل دعوة ابن عبد الوهاب تمامًا، وأنا أعرف شخصيًا بعض البلاد الإسلامية والعواصم العربية التي كانت تتصور دعوة ابن عبد الوهاب قبل عشرين سنة تقريبًا كأنها ملة أخرى غير إسلامية، ولا يستطيع أحد أن يحذّر بها، يتحفّظ، وهذه لفتة مختصرة لنجاح هذه الدعوة وانتشارها -دعوة التوحيد والسنة- وحقيقة حملة هذه الدعوة لا يرتضون هذه التسمية بأن تسمى دعوة وهابية أو دعوة محمد بن عبد الوهاب، بل يدعون إلى الكتاب والسنة. فالشيخ الإمام المجدد رحمه الله لم يدعُ إلى نفسه، ولا دعا إلى جماعة، وإنما دعا إلى كتب التوحيد والسنة التي تناقلها العلماء، يدعو إلى الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فدعوة أهل السنة والجماعة هي دعوة السلف الصالح -الدعوة السلفية- في العالم الإسلامي، هذه الدعوة وإن اختلفت المسميات -أهل سنة أو اتباع السلف أو السلفية أو أهل الحديث والأثر- وغير ذلك من العبارات، كلها مردها شيء واحد، الدعوة إلى الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة. قد انتشرت وشقت طريقها في العالم العربي وغير العربي، بل العالم الإسلامي وغير الإسلامي، ففهم الناس هذه الدعوة الصافية النقية أنها دعوة الإسلام الصحيحة، فلذلك اعترف الكفار العقلاء منهم، فضلًا عن من كان منصفًا من المسلمين، فدخلوا بالمئات بل الآلاف بهذه الدعوة المباركة، ورجعوا إلى الدين الصحيح والإسلام الصافي النقي، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى. وكما ذكر الشيخ في زمانه، رأى الفرق خلال عشرين سنة كيف تغيرت مدن بأكملها من طرق بدعية وصوفية إلى طريقة سنية سلفية. وها نحن نرى العالم الإسلامي والعالم العربي وبلادنا هذه خاصة، كانت في سنوات ليست ببعيدة -في السبعينات والثمانينات- كانت دعوة أهل السنة غريبة، لكثرة التصوف والإلحاد، وفي المناطق الجنوبية من اليمن وكثرت الرفض والتشيع في المناطق الشمالية من اليمن. أذكر أني دخلت صنعاء أول ما دخلت في سنة 1988، ما وجدت مسجدًا أستطيع أن أصلي فيه وأقول آمين إلا مسجد واحد فقط، مسجد واحد، فصنعاء كلها مسجد سني واحد، ومسجد آخر بعيد مني كان لإخوان المسلمين. أما اليوم وفي ظل الزيدية والرافضة والحوثية في هذا الزمان في هذه الأيام، فالمساجد التي تقول بآمين بالمئات بل بالآلاف، وهذا نصر عظيم. وتغير كبير، أذكر أحد الإخوة ذهبنا لنستقبله جاء من عدن من محطة الباصات، فتأخرنا عليه قليلًا ولم ننتبه، ولم ننبهه أنك إذا صليت في مسجد انتبه تقول آمين، فصلى في مسجد قريب المحطة الباصات عن باب اليمن، فقال آمين، وما درى إلا والنعال والضرب وأخرجوه من المسجد مضروبًا ورموه خارج المسجد. فهذا ليس ببعيد، ولكن اليوم بفضل الله صارت السنة ظاهرة. وهكذا كانت دعوة القبورية والصوفية في المناطق الجنوبية منتشرة جدًا، الموالد في كل المساجد، يمكن يذكر بعض الآباء: ما من مسجد إلا وفيه ماذا؟ يوم الخميس مولد، ويقوم كبار السن ومعهم بعض الصغار ويهزون رأسهم يستقبلون النبي صلى الله عليه وسلم كما يزعمون، اليوم أين تجد هذه الموالد؟ هل موجودة؟ بفضل من الله سبحانه وتعالى، كل المساجد في مدينة عدن والمحافظات صارت مساجد سنة إلا القليل النادر، ومع ذلك ما يستطيعون أن يجاهروا بما كانوا يجاهروا به في الزمان الأول. وهذا نصر عظيم. وهكذا في بعض البلاد العربية ما كانت فيها دعوة أهل السنة، فانتشرت اليوم دعوة أهل السنة بمساجدها ومدارسها وعلمائها ودعاتها بالمئات بل بالآلاف، فضل من الله سبحانه وتعالى. وحتى بلاد الكفر خلال سنوات ليست ببعيدة -بضعة عشر سنة- بين زيارة الأولى لبعض الدول الأوروبية وبعض الدول التي زرتها بعد ذلك، فرأيت الفرق، أول زيارة ما وجدت مكانًا أصلي فيه، أبحث عن مسجد ما أجد مسجد، تريد تصلي في مكان ما تجد مسجد، ما في مساجد، من الصعب أن تجد مسجد في بعض المدن الكبيرة. لكن اليوم بفضل من الله سبحانه وتعالى، المساجد والمصليات دون مبالغة بالمئات، حتى المطارات صارت تعمل للإسلام والمسلمين وزنهم، فأكثر المطارات فيها مصليات، مطارات بلاد الكفر فيها مصليات، تستطيع أن تصلي داخل المطار، وهذا يعتبر نصرًا عظيمًا. بل حتى القرى في بعض القرى أبحث في الجوال بعض البرامج والتطبيقات، والله أجد مساجد ومصليات، أسافر بالسيارة الساعات الطوال فأجرب ببعض المدن أقف أو قرية أبحث هل فيها مسجد؟ أشوف إذا مسجد إذا أخزنه وأعرفه. وهذا ينبغي كذلك أن يتعاون عليه الإخوة، من تعرف على مسجد في طريق ومسجد سنة، ينبغي أن تعرفه وتنزله في التطبيق، يعني يصير معمم في تطبيق جوجل وغيره، أن هذا الموقع فيه مسجد، حتى يأتي من بعدك فيعرف أن هذا المكان فيه ماذا؟ فيه مسجد، وتوجد بعض التطبيقات تفرح إذا ترسل لهم المطاعم الإسلامية والمساجد كذلك. وهذا الفضل من الله سبحانه وتعالى. وهكذا أذكر في بعض الزيارات إلى بلاد إندونيسيا والهند الشرقية وسنغافورة وتايلند وحولها من الدول، هناك كانت دعوة أهل السنة ضعيفة قليلة. ومرت السنين ليست بالطوال إلا ودعوة أهل السنة ومراكزها بالمئات اليوم، مراكز أهل السنة في بلاد إندونيسيا أكثر من مئة وخمسين مركزًا، أكثر من مئة وخمسين مركز سني، لا أقول مراكز إسلامية، لكن أقول مراكز سنية، وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى عظيم. بل في بعض بلاد الكفر كذلك تايلند تعتبر بلاد كفر ووتنية، ومع ذلك جنوب تايلند انتشر فيها الإسلام بقوة جدًا، المساجد والمدارس، بل والجامعات، وزرت عددًا من الجامعات هناك، وشيء يغبط به المسلم، وبفضل من الله على دعوة أهل السنة والجماعة، مع أن هناك بعض الأخطاء، لكن تحتاج إلى مناصة وتحتاج إلى توجيه، وهذا كله من نجاح هذه الدعوة المباركة. والأمر كما قال الله: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾، وكما قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، الله ناصر دينه، بفضل من الله رأينا ذلك بأعيننا، وإن شاء الله القادم أفضل.