الدرس في شرح كتاب مشاكل الدعوة والدعاة للعلامة الجامي 4، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول المقطع موضوع الاستعمار الشرقي وأساليبه في محاربة الدعوة الإسلامية والدعاة، حيث استخدم أساليب متعددة لإضعاف المسلمين. يُظهر الشيخ محمد أمان الجامي أن الاستعمار الشرقي أكثر حقدًا وعنفًا من الغربي في محاربة الإسلام.
يتناول المقطع دعوة محمد بن عبد الوهاب ومحاولاته إصلاح المجتمع من خلال الرجوع إلى الكتاب والسنة، وتأثير دعوته في نجد واليمن والهند. يسلط الضوء على أهمية العلم والعمل به في مواجهة الجاهلية والضلال.
يؤكد الشيخ على أهمية التعاون بين العلماء والأمراء لنصرة دعوة التوحيد والسنة، ويشير إلى تاريخ آل سعود في دعم هذه الدعوة. يحذر من المخاطر التي تهدد هذه الدعوة ويؤكد على ضرورة تماسك المسلمين.
يؤكد على أهمية الرجوع إلى ثوابت الدين وعدم الخروج على الحكام الظالمين ما داموا مسلمين، ويحذر من الطوائف المتطرفة التي يستخدمها أعداء الدين. يشدد على ضرورة تكاتف أهل الحق لإصلاح الأمر.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، ما زلنا في هذه الرسالة النافعة الماتعة لشيخنا الدكتور محمد أمان بن علي الجامي، رحمه الله تعالى، مشاكل الدعوة والدعاة في العصر الحديث، وأخذنا الوسائل التي أشار إليها مما استعملها الاستعمار في محاربة المسلمين. بسم الله الرحمن الرحيم، أحسن الله إليكم. يقول الشيخ العلامة محمد أمان الجامي، رحمه الله تعالى: الاستعمار الشرقي، فبينما يعاني الدعاة تلك المعاناة من الاستعمار الغربي وورثته المخلصين، فإذا هم يفاجأون باستعمار من نوع آخر، أشد ضراوة، أشد حقدًا على الدعوة الإسلامية وأهلها، وهو الاستعمار الشرقي الملحد. وكان ماكرًا، يظهر للغوغائيين نوعًا من الرحمة في أسلوب معسول يخدع السذج من الناس، فقد خدعت طبقة الفقراء، ووعدهم بثراء يأتيهم بين عشية وضحاها إذا آمنوا به وأخلصوا له؛ ليثيرهم ضد الأغنياء وأصحاب الأموال الطائلة. وكان يضحك على سذاجة الفقراء، فيقول لهم: إن هؤلاء الأقطاعيين طالما ظلموكم، ونحن نريد أن نمن عليكم، ونوقظكم مما أنتم فيه من الفقر والحاجة، ونرفعكم إلى المستوى اللائق بكم؛ لنحقق بذلك العدالة الاجتماعية، حتى تعيشوا مع هؤلاء الأثرياء الأقطاعيين جنبًا إلى جنب. من هنا فرح الفقراء، وصفقوا لهم حتى كلت أيديهم من التصفيق، وهتفوا لهم بالبقاء: يعيش، دعينًا، حتى بحت حناجرهم. فجعل الفقراء ينتظرون الثراء الموعود به من السادة المستعمرين الشيوعيين، فلم يجدوا شيئًا، بل الحالة تزداد سوءًا. فإذا المستعمرون يهجمون على أموال الأثرياء، فيصادرونها باسم الفقراء، ولكن لم تنقل إلى خزائن الفقراء كما كان يتوقع الفقراء، بل نقلت إلى خزائن الخاصة؛ لتشترى بها الضمائر الرخيصة والأيدي الأثيمة؛ لتسلط على دعاة الإسلام وعلماء المسلمين، بالتأديب والتشريد والتقتيل؛ لمحاولة القضاء على الدعوة وأهلها، ظنًا منهم بأن الدعوة سوف تموت بموت الدعاة والعلماء. خابوا وخسروا. صحيح أن الدعوة في المنطقة أصيبت بنكسة خطيرة بموت القادة المسؤولين، ولكنها لم تمت، ولن تموت بإذن الله، لسوف تبقى ما بقيت الغبراء تحت الخضراء. بل إنها تواصل سيرها إلى الأمام، ولو كره المجرمون المستعمرون والمؤمنون بهم. إن هذا الاستعمار الشرقي من مكائده أنه دخل المنطقة، وهو ينادي ويهته مع المواطنين: يسقط الاستعمار، يسقط الاستعمار، الاستعمار أداة الإنسانية، إلى آخر الهتافات المضللة؛ تطمئن الغوغائيون، وهتفوا بحياة الرفيق المخلص على درب الحرية: الرفيق، الرفيق. ولكنه لم يرفق بهم، ولم يرحمهم. فجعل يظهر في كل بلد بوجه وبلقب جديد، ويتلون بحسب الظروف: الشيوعيون، اليساريون، الاشتراكيون، الاشتراكية العربية، الاشتراكية الإسلامية، الاشتراكية المحلية، وهكذا. لا يزال يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، ويهلك الحرث والنسل، ويكسب الأصدقاء من أناس من بني جلدتنا، ويتكلمون بلساننا، وينتسبون إلى ديننا وإسلامنا، فيما يبدو للناس. وعلى الرغم من ذلك كله، فإن هذا الاستعمار هو صديق دماء الغوغائيين؛ لأنه يمدنا بالأسلحة التي يحارب بها الاستعمار. إنها من عدائب الدهر. وهل هناك استعمار أظلم من هذا الاستعمار الذي لم يترك لنا دينًا ولا دنيا؟! إنها لا تعمل أبصار، ولكن تعمل قلوب التي في الصدور. فما قيمة الأسلحة التي تدفع ثمنها ديننا وعقيدتنا؟ أفلا يعقلون؟ وهذه لفتة ووقفة من الشيخ، رحمه الله، بعد أن تكلم على الاستعمار الغربي وآثاره على العالم الإسلامي والعربي على وجه الاختصار، ذكر الاستعمار الشرقي. والاستعمار الشرقي المراد به الفكر الشيوعي والاشتراكي الذي تبنته الدول الشرقية من الاتحاد السوفيتي سابقًا، ومن كان معها من الدول الشرقية المتحدة معها. فقد كان العالم على معسكرين اثنين: معسكر شرقي، ومعسكر غربي، وكلا المعسكرين تنافس على استعمار العالم الثالث، والذي هو لا يدخل تحت هذين المعسكرين. فالاستعمار الغربي أسلوبه أخذ الخيرات، ومحاربة الدين بالمكر والحيلة والخديعة، والاستعمار الشرقي أخذ الخيرات، ومحاربة الدين بالعنف. وكلا الاستعمارين شر وبلاء. وكما ذكر الشيخ، رحمه الله، هو يحكي ما وقع في أفريقيا، في بلاد إثيوبيا وما جاورها من البلاد، وهكذا بعض البلاد الأفريقية الوسطى والغربية التي افتتنت فترة من الزمن في المعسكر الشرقي، زعمًا لمحاربة المعسكر الغربي. فما عرفوا هؤلاء أنهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، وهم أرادوا أن يستجيروا من حر الرمضاء - وهم الاستعمار الغربي - بما هو أعظم شرًا وضررًا، وهو الاستعمار الشرقي؛ لأن هؤلاء أكثر حقدًا، وكذلك أكثر عنفًا. فأخذوا أموال الناس بالقوة، ومن عارضهم قتلوه أو غيبوه، وحاربوا الدين كذلك بالعنف والقوة، ومن عارضهم قتلوه أو غيبوه. ولا يعني أن الاستعمار الغربي خير، بل استعمار الغرب لا يقل شرًا، وإن كان أخف شرًا؛ لأن شره متدرج بطيء، وأما الشرقي فشره سريع. ولكن سنة الله سبحانه وتعالى ماضية وجارية: كلما كان الظلم أسرع وأكبر، كان نهايته أقرب، وكذلك أسرع. فسرعان منتهى الاستعمار الشرقي، فتآكل وانتهى، وأتباعه تضعضع، وصاروا ضعفًا بعد قوة، وتغيرت سياستهم كما نرى بواقعنا المعاصر اليوم. لكن يريد أن يبين الشيخ، رحمه الله، أن هناك في المجتمع - وللأسف - من تبنى هذا وبإسم الدين، مثل الاشتراكية الإسلامية والاشتراكية العربية، مع أن الاشتراكية إنما وليدة الشيوعية والإلحاد. والاشتراكية في الإسلام، الإسلام دين العدل، المساواة بالمعايير الشرعية الصحيحة، ليست المساواة بمعايير الغرب أو الشرق، والعدل بالمعايير الشرعية، ليست بمعايير الشرق أو الغرب. وكذلك جعلناكم أمة وسطًا، هذه الوسطية ليست بالعواطف، ولا بالأهواء، ولا بالاستحسانات، ولكن بالأدلة الشرعية. وكما جاء بحديث النبي، صلى الله عليه وسلم: الوسط العدل الخيار. والمؤلف، رحمه الله، ذكر هذا على وجه الاختصار؛ ليبين الشر الذي دخل على المسلمين من هذا الجانب؛ لأنه أضر بالدعوة كذلك، وخصوصًا أنه فترة من الزمن تبنى هذا أناس بإسم الدين، كما وقع في مصر، في العراق، وفي سوريا، وفي ليبيا، بل وفي بعض البلاد الأخرى العربية، نادى بها أناس، حتى في اليمن. ولكن بفضل من الله سبحانه وتعالى اندثرت هذه الدعوات، وانكشف كذلك غطاؤها، وعلم الناس زيف هذه الدعوات الكاذبة الباطلة. لكن لا يعني ذلك أنه يوجد آثار هذا الفكر في المجتمعات، وهذا هو الواقع، آثار هذا الفكر موجود. ولذلك تجد أحيانًا من يحقد على الدعوة والدعاة؛ لوجود هذه المخلفات الشيوعية والاشتراكية والمذهب اليساري المعروف في العالم. فإنهم متحاملون على كل من يحمل التدين؛ لأنهم ملحدون، وإن لم يكونوا ملحدين من جهة العقيدة، إلا أن الحياة الإلحادية ضغطت عليهم؛ لأن هناك من عنده أخلاق الملحدين، ولو كان من المسلمين. فتجده عنده الإسلام بالإسم، وإن صلى - كما يقول - صلى بالسنة، حسنة بالمناسبات، يرى أنه مع المصلين. في حال بعض المسؤولين الذين فيهم هذه اللوثة الإلحادية، لكن شخصيته ومنهجه على طريقة الملحدين؛ من فصل الدولة والحياة عن الدين. ولا شك أن لهؤلاء أثرهم، فلذلك هو من الداء الذي يحتاج إلى دواء، والدواء يكون بالطرق الشرعية الصحيحة. وقد ألف العلماء مؤلفات كثيرة في مكافحة وعلاج مثل هذا الداء، سواء آثار الاستعمار الشرقي أو آثار الاستعمار الغربي. وتقدمت معنا بعض هذه العلاجات، من أهمها الاعتناء بالعلم، وبثه في الناس؛ لأن الناس بهذا يكونون في حمية، وبحصن حصين، يتحصنون من الأفكار المنحرفة والدعوات الضالة المضللة. وكذلك الحرص على بث العمل بالعلم، والحرص على بث روح الأخوة والتعاون لنصرة هذا الدين، وغير ذلك مما هو مبسوط في غير هذا المقام. ولكن حسبنا هنا إشارات تفي بالمقصود. والله تعالى أعلم. قال، رحمه الله تعالى: دعوة محمد بن عبد الوهاب، وصمودها للمشاكل. قال: وفي القرن العشرين، كان يعيش محمد بن عبد الوهاب في قلب بلاد نجد، في بلدة حريملة. فرأى العالم المصلح أن ظاهرة جاهلية أخذت تنتشر في طول البلاد وعرضها، إذ رأى الناس يترددون إلى جذوع النخل وقبور الموتى، ويطلبون من الموتى والجمادات ما لا يطلب ولا يملكه إلا خالق الأرض والسماوات. رأى الناس يطلبون المغفرة والشفاء، مثلًا. كما لاحظ غلبة الخوف الزائد والقلق من شياطين الجن، والاستعاذة بهم، إذ خافوا منهم. وفي الوقت نفسه، تلاحظ الداعية أن الأمة الإسلامية التي يتصل بها، عندما كان يطوف أكثر البلاد لطلب العلم، رآهم أنهم كلهم - إلا ما شاء الله - تصيبهم نفس الجاهلية، بل أقبح منها. وبجانب ذلك، رأى كتاب الله لا يرجع إليه لأخذ الأحكام منه، وإنما يحكم الحكام بغير ما أنزل الله. هذه الظواهر الجاهلية جعلت الشيخ يفكر في إصلاح العقيدة، وإصلاح الأحكام؛ حتى يكون الحكم لله، والعبادة له وحده، والمتابعة لرسوله وحده. فهاجم الجاهلية، وصارح الناس بأن ما هم عليه ليس من دين الإسلام في شيء، فدعاهم إلى الرجوع للإسلام الحقيقي: عبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته، وطاعة رسوله، وأن يعبد الله بما جاء به محمد، عليه الصلاة والسلام، دون ابتداع في الدين، وأن تأخذ الأحكام من كتاب الله، وسنة رسوله، رأسًا، دون لف أو دوران في الآراء والاستحسانات، أو قوانين أو عادات. فحمل المصحف، يدعو إلى الرجوع إليه، والاكتفاء به، والسنة تشرحه وتفصل مجمله. من هنا ثارت الجاهلية، وهاجت، وصاحت قائلة: إن ابن عبد الوهاب أتى بدين جديد، وبمذهب خامس. والداعية ماض في دعوته، ولا يلتفت إلى ما يقال، ويشاء. وكأن به يقول: وما لي إلا آل أحمد شيئة، وما لي إلا مذهب الحق. وهذه لفتة من الشيخ، رحمه الله تعالى، بعدما أشار إلى بعض الأمراض والأدواء، ناسب أن يذكر بعض العلاج. وقد تقدم معنا من كلام الإمام مالك، وغيره: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ولنا أمثلة في تاريخ الإسلام والمسلمين، هي كفيلة بأن تبرهن لنا أن العلاج الصحيح لإصلاح حال الفرد والمجتمع والأمة، هو بالرجوع الصحيح لثوابت هذا الدين: الكتاب، والسنة، بفهم سلف الأمة. انظروا في عهد عمر بن عبد العزيز، رحمه الله تعالى، وهكذا من بعده من أئمة المسلمين. وهكذا في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، جعله مثالًا؛ فقد جمع الله عز وجل بين العلماء والأمراء؛ أن يكونوا على دعوة واحدة، ومنهجية واحدة. فقامت دولة توحيد وسنة، انطلقت منها هذه الدعوة: دعوة التصحيح. بدايتها العلم، وثانيها السيف؛ فالعلم هو الأصل، والسيف هو السلطان. فإن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن. فالقرآن هو الأصل، والعلم هو الأصل، لكن حيث يتعذر النفع بالعلم، يأتي دور السلطان. ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، دعوة تجديد، تجديد أمر هذه الأمة على ما كان عليه سلف الأمة، فهي دعوة للرجوع إلى الدين الصافي النقي: عقيدة، وعبادة، ومعاملة، وأخلاق، وسلوك، ومنهاج. ولذلك إذا نظرت إلى ما دعا عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، في مسائل الاعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك والمنهاج، وجدتها نفسها التي كانت في عهد الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، وما كان عليه إمام الدين. وقدوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله. فالشيخ الحقيقي الذي هو قدوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، هو شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله. وقد اعتنى في كتبه ومؤلفاته ودعوته على ترجيحات واستنباطات وكتب وتأليفات ونصائح وتوجيهات شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، وتلاميذه: كابن القيم، وابن كثير، وغيرهم ممن سار بهذا السير؛ لأن العهد ليس بعيد، ووجود بعض النظائر المتشابهة. فإنه لم يكن في زمن الإمام أحمد من الوثنيات والقبور والخرافات ما كان في عهد الإمام ابن تيمية، رحمه الله. ومن باب أولى أنه لم يكن في عهد التابعين وأتباع التابعين والصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين. فلذلك كان الاستنارة والاستفادة من كتب شيخ الإسلام أنفع؛ لأنه ناقش وعالج الكثير من القضايا التي يوجد نظائرها وشبهها في زمن المؤلف محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله. ناقش شيخ الإسلام المتكلمين في مؤلفات كثيرة، وهكذا كذلك الرافضة، له الكتاب العظيم النافع: منهاج السنة، واختصره الإمام الذهبي، رحمه الله، في مجلد. وهكذا ردوده على المنطقيين، ودرء تعارض العقل والنقل، ورده على القبوريين: كالبكري، وغيره من المتصوفة والباطنية. فهذه كلها أعانت الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، أن يعيدها ويجددها بما يحتاج إليه المجتمع في زمانه. إن كان البكري قد مات، فيوجد من أفراخ وأحفاد البكري في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب. والمراد البكري ليس قبيل الذي عندنا، لكن المراد به الصوفي الذي رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حتى لا يزدرى بنا أحد من بني بكري. فالمراد أنه يوجد ممن تبع طريقته ومنهجه. فناسب أن يستنير ويستفيد من كتب شيخ الإسلام وتلاميذه؛ ليعالج الداء الذي في زمانه. وهكذا نحن في هذا الزمان، نستفيد من مؤلفات وردود شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، وتلاميذه وأحفاده، ونوجهها على أهل الضلال في هذا الزمان. إن كانوا ردوا رد شيخ الإسلام على مثل البكري، وغيره. ورد شيخ محمد بن عبد الوهاب في زمانه وتلاميذه على مثل ابن جرجيس ونظائره. في هذا الزمان يوجد من رؤوس الضلال من يرد عليهم، ويستنار ويستفاد من تلك المؤلفات؛ فيكون بهذا وضع الدواء للداء، وعلاج المشاكل التي ابتليت بها المجتمعات بسبب أمثال هؤلاء الذين فيهم هذه الصبغة الجاهلية. ولذلك بفضل من الله سبحانه وتعالى انتفعت المجتمعات بهذه الدعوة المباركة: دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، وهي دعوة الله. ففي نجد سميت الدعوة محمد عبد الوهاب: دعوة الوهابية. وفي بلاد الهند بدعوة أهل الحديث. وفي اليمن: الشوكاني، وابن الوزير، والصنعاني. وهكذا كذلك في أطراف من العالم الإسلامي. وناس ربما ما اجتمعوا بالإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، لكن توافقت دعوتهم. ويدلك على ذلك تلك المراسلات النافعة التي جرت بين الإمام الصنعاني وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب. وفيها الثناء على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وأنها دعوة الكتاب والسنة، ودعوة التوحيد الصحيح. لكن أعداء الإسلام لا شك يخافون من الدين الصافي النقي وأتباعه. فلذلك شوهوا هذه الدعوة، واستعانوا - كما تقدم - بهذه الفرق الضالة التي شوهت جمال الدين بظلالها وبدعها وخرفاتها وثنياتها وشركياتها؛ بأن يحاربوا أهل الحق، ويتهمونهم بهذه التهمة التي أشار إليها الشيخ ثانية: يقولون دين جديد، ثانية يقولون مذهب خامس، ثانية يقولون خوارج، ثانية يقولون بعاد تكفير، وغير ذلك من الدعوات الباطلة. وإلا فدعوة أهل السنة هي دعوة من كتاب الله إلى كتاب الله، ومن سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى سنة رسول الله، صلى الله عليه وسلم. ومن كان هذا دعوته، فهي دعوة حق، وحري لها بالنجاح. وهذا هو الذي وقع بفضل من الله سبحانه وتعالى، ويزداد الأمر توفيقًا ونجاحًا إذا أعان السلطان العلماء على هذا الخير. ولذلك ينبغي للأمراء الذين وفقهم الله، ومكنهم من شيء من السلطات والإمارات، أن يقوموا بما يجب من نصرة العلماء، ودعوة الحق والتوحيد، وأن لا يخاف في الله لومة لائم. ولهم بعمر بن عبد العزيز قدوة حسنة. ولهم كذلك آل سعود، ومن كان معهم ممن نصروا دعوة التوحيد في الدولة الأولى، والدولة الثانية، كذلك محل عظة وعبرة. قال، رحمه الله: نجاح دعوته. ولما أراد الله نجاح هذه الدعوة المباركة، هيأ الله لها ملوك آل سعود، فحملوا السيف بجانب المصحف. والشيخ يدعو، ويجادل بالتي هي أحسن، ويسوق الأدلة من الكتاب والسنة، محاولًا إقناع المخدوعين؛ ليرجعوا إلى الحق. ومن اقتنع ورضي بالله ربا ومعبودًا وحده، ومحمدًا رسولًا وإمامًا وقدوة وحده، وبالإسلام دينًا لا يقبل الله سواه، واتبع سبيل المؤمنين، وكفر بما يعبد من دون الله، فهو الأخ المسلم، فله جميع حقوق المسلمين كائنًا من كان، وعليه ما على المسلمين. ومن لم يتبين له الحق، تردد أو توقف، يبين له الحق، وتشرح له الحقائق؛ حتى يتبع الحق. ومن أعرض وعاند، وحاول أن يقف في سبيل سير الدعوة؛ ليعطلها، فالسيف أولى به، ولا شيء غير السيف. هذا؛ لأن آخر العلاج الكي، ولأن الله ينزع بالسلطان ما لا ينزع بالقرآن. هكذا تعاون حملة المصحف، وحملة السيف؛ حتى حقق الله لهم أمنيتهم الغالية، ووصلوا إلى الهدف المنشود، وهو إقامة دولة إسلامية تحكم بالشريعة، وتقيم الحدود، وتدعو إلى تجريد العبادة لله، والمتابعة لرسوله، عليه الصلاة والسلام. هذا هو الصراط المستقيم الذي دعت إليه الرسل، ونزلت من أجله الكتب. وبعد، فلم تصل دعوة ابن عبد الوهاب إلى ما وصلت إليه من النصر، وإزاحة أتباعه، والدنيا تبسم في وجهها، وتهشش، وتضحك لها الأيام دون رد فعل. بل قامت الدنيا، وقعدت، كما أشرنا سابقًا: قضبًا وحنقًا على الدعوة، وصاحبها. وأبى الله إلا أن يظهرها، كما رأينا؛ لأنه لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه. وهذا سبق الكلام عليه، والإشارة. فإن الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله، رعاه أمراء يعينونه على نشر دعوة التوحيد، بحماية هذه الدعوة، ومناصرتها. فكان بذلك قوة هذه الدعوة. فالدعوة إذا لم تعن بالسلطان، كانت ضعيفة، وإذا أعينت بالسلطان، كانت قوية. وكما تقدم: إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن. فإن من لا يقبل القرآن، يأتيه السلطان. وبفضل من الله، كما ذكر: قامت هذه الدولة: دولة التوحيد والسنة. فأقامت أسس هذه الدولة المباركة التي لا يعرف لها نظير في تاريخ الدول المعاصرة. فهي الدولة المتميزة التي تميزت بهذا الصفاء والنقاء. ومع ذلك لا يدعي أحد الكمال. لم يدعوا الكمال، ولا ادعى أحد. أثنى عليهم، وذكر الخير الذي عندهم من باب العدل والإنصاف، وشكر من يستحق الشكر. فإن من لم يشكر الناس، لم يشكر الله. كذلك لم يدع لهم الكمال. ولكن كما قيل: كفل المرأة نبلًا أن تعد معايبه، إذا كانت المعايب معدودة بجانب غيرهم. فهذا يدلك على النبل الذي ينبغي أن يحافظ عليه. ووجود مثل هذه الدولة في هذا الزمان المعاصر، يعتبر شيئًا صعبًا ونادرًا. الواجب على المصلحين والدعاة والعلماء أن يحافظوا على هذا الخير، وهذه الدعوة المباركة، وأن يعينوا هذه الدولة: دولة التوحيد والسنة؛ لأنه من أعظم التعاون على البر والتقوى. بغض النظر أنه توجد مخالفات، أو توجد كذلك بعض الثغرات. فهذه الثغرات والمخالفات لا يعني أنه يرضى عنها. ولكن تكون المناصحة بالتي هي أحسن، وبالأساليب الشرعية الصحيحة. ولكن بقاء دولة التوحيد والسنة، مع وجود هذه الأمواج المتلاطمة العظيمة من بحور الفتن: فتن الشهوات، وفتن الشبهات. فتن الشبهات التي دعينها دول في العالم. هذا يؤكد علينا ضرورة أن نقف جميعًا جنبًا إلى جنب مع دعاة، ودول التوحيد والسنة. وليس هذا فقط في دولة المملكة العربية السعودية، ولكن هو كذلك في كل دعوة سنية، وبلد سني. كاليمن - بفضل من الله - في هذه المناطق المحررة، تعتبر دولة سنية، دولة توحيد وسنة، على ما فيها من تقصير. إلا أنها دولة توحيد وسنة. انظروا إلى هذه المدارس، وهذه المساجد، وهذا الخير الذي ينعم به أهل هذه البلاد، بفضل الله سبحانه وتعالى، ثم بوجود علماء التوحيد والسنة، وجود عدد من المسؤولين ينصرون - لقدر استطاعتهم - هذه الدعوة المباركة: دعوة التوحيد والسنة. وهكذا دول الجوار من الدول السنية، مهما وقع فيها من الأخطاء، مقابل ما نراه من الإلحاد الذي يستشري في جسد العالم الإسلامي: استشراء النار في هشيم. يدعون إلى أن نتماسك، ونتكاثف؛ للحفاظ على هذا الخير الباقي في كل البلاد السنية. يتكاثف العلماء والأمراء، يتكاثف الراعي والرعية؛ في المحافظة على مكتسبات وثوابت هذا الدين. ألا تخترقها الأيدي الآثمة من أيدي الكافرين والملحدين، وأيدي المبتدعين والضالين: الأيدي الآثمة التي يستخدمها أعداء هذا الدين. سواء من الرافضة - كما نرى اليوم - التمدد الرافضي العسكري، الذي سبقه التمدد الفكري. فإنه معان من قبل الغرب والشرق؛ لعلمهم أنه من أعظم ما يعين على الإضرار بالإسلام والمسلمين. وهكذا الدعوات المنحرفة: كالدعوات الباطنية الأخرى، كالصوفية القبورية، والطرق الباطنية. فإنها مدعومة دعما من قطع النظير. كل هذا لعلمهم أن هذه القوافل تخدمهم خدمة عظيمة في محاربة الإسلام وأهله. وهكذا من تنتسب للسنة، وهم أعداء السنة: كبعض الجماعات الحمقاء السياسية التي استخدمها أعداء الإسلام والمسلمين كالمتفجرات المؤقتة. يفجرون بها الثورات؛ لتحصل الفتن في أوساط بلاد المسلمين. وانظروا إلى هذا الدمار الذي عمل كثير من بلاد المسلمين بسبب حماقة هذه الفرق الضالة الحزبية السياسية. صارت هذه الثورات التي تسمى بالربيع: عذابًا وخريفًا مرًا. أثمر الويلات من انتهاك الأموال، وسفك الدماء، والدمار الذي نراه بأعيننا، والتهيير: كثرة الأرامل والأيتام، وحروب لم تنتهي إلى يومنا هذا. فاستطاع أعداء الإسلام أن يستخدموا هذه الأحزاب السياسية في حصول هذا الدمار. لو حصل هذا الدمار بيد الأعداء، لقام الإسلام وأهله كلهم صفًا واحدًا في وجهه. لكنه وقع بأيدي المسلمين - وللأسف - وبحجة مكافحة الظلم، وهي حجة باطلة. ولذلك نرجع من حيث بدأنا: من أن المجتمع يحتاج إلى الرجوع الصحيح إلى ثوابت هذا الدين: جملة وتفصيلًا. ومن ذلك عدم الفهم الصحيح بقضية التعامل مع الحكام الظالمين. فإن هناك ضوابط شرعية: الحاكم الظالم لا يجوز الخروج عليه ما دام مسلمًا. وقاعدة درء المفسدة الكبرى بالصغرى: قاعدة عظيمة دلت عليها الأدلة الشرعية. فالصبر على الحاكم الظالم خير من ذهاب الحاكم، وانفلات الأمن، وضياع كذلك الخيرات والمكتسبات، وصفك الدماء، وغير ذلك مما وقع، ونشاهده. وهكذا كذلك تلك الطوائف الأخرى التي يستخدمها أعداء الدين - بحجة الغيرة على الدين - كالخوارج بكافة طوائفهم. بل استطاع أن يخترق أعداء الإسلام والمسلمين هذه الطوائف؛ فصارت جنودًا مجندة، يستخدمها أعداء الدين؛ لضرب الإسلام والمسلمين. ونحن نرى ما وقع في العالم الإسلامي والعربي من آثار هذه الطوائف. وكيف أن أعداء الإسلام دعموا هؤلاء، وسلموا لهم زمام الأمور؛ ليفتكوا، ويسفكوا في جسد الإسلام وأهله. وكل هذا محل عظة وعبرة، ويردنا من حيث بدأنا: أهمية تكاتف أهل الحق من الرعاة والرعية، والدعاة والعلماء والأمراء؛ في إصلاح الأمر، ورجوعه على ما كان عليه في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم، والصحابة. طيب نفتفي بهذا القدر، ونكمل الباقي إن شاء الله بعد صلاة العشاء. بقي معنا أوراق يسيرة، نكملها إن شاء الله بعد ركعتين السنة. نعم، الشيعة فرقة من فرق الرافضة، أو المعنى الأوسع للرافضة، وهم ينتسبون إلى الإسلام، يزعمون أنهم يشايعون ويناصرون آل البيت. أما الشيوعية، فهم الذين تبنوا المذهب الشيوعي الملحد الذي أسسه لينين، وقبل لينين رجل الاشتراكية والشيوعية الأول، المسمى بكارل ماركس. ولهذا يسمون أحيانًا الشيوعية الماركسية؛ لأن الشيوعية كذلك تفرقت، فهناك أتباع ماركس، وهناك أتباع آخرين. ففترة من الزمن كانت الشيوعية ماركسية، ثم تغيرت إلى الشيوعية والاشتراكية المعاصرة اليوم، يعني صار لها تحديث، وكلها باطلة وضلال وشر. استعمار البريطاني في اليمن من الاستعمار الغربي الذي أضر بالإسلام والمسلمين، وبالعالم أجمع ضررًا عظيمًا. ولتزال آثاره في العالم، وفي العالم الإسلامي والعربي، وبلادنا هذه خاصة. هل الاستعمار انتهى؟ لا، لم ينته. كما تقدم معنا: هو خرج من بلاد العالم، والعالم الإسلامي والعربي، ولكن آثاره بقيت، وذيوله، ونفوذه باق. لا يزال نفوذ هؤلاء موجود. ولذلك الواجب التكاتف والتعاون في إضعاف هذا التواجد، وهؤلاء الأذيال الذين هم أتباع هؤلاء المستعمرين. ولكن المسميات تختلف فقط. يقول: يوجد رجل كبير في السن، لا يقرأ. كثرت مخالطته بصغره للنصارى، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وبالإسلام. لكنه لا يكفر اليهود والنصارى. هذا جاهل، ينبغي أن يعلم، وأن يعلم أنه لا يتم إسلامه حتى يكفر بكل ما دون الله، وكل ما سوى دين الإسلام. فالرضى بالإسلام يقتضي الكفر بما سواه، والتوحيد يقتضي عدم الإشراك بغيره. فلا يتم إيمان إلا بنفي الكفر، ولا يتم توحيد إلا بنفي الشرك، ولا تتم سنة إلا بالتبرؤ من البدعة. وهكذا لابد من نفي وإثبات. فيعلم مثل هذا الإنسان بالتي هي أحسن، وبالرفق؛ حتى يفهم فطرة هذا الأمر. ولا ينبغي أن يعلمه ويجلس معه من لا يحسن التعليم، بل يكون إنسان كبير، عنده حكمة، ورفق، ودراية؛ يستطيع أن يقنعه، ويخرج هذا المفهوم الخاطئ من رأسه. طيب لهنا، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه. صلى الله عليه وسلم.