كتاب الحج 15

كتاب الحج 15

الدرس في كتاب الحج 15، فصل في بيان مناسك الحج. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

استحباب خطبة يوم النحر وأهمية العلماء في إرشاد الحجاج

شرح استحباب خطبة الحجاج يوم النحر وتعليمهم أحكام مناسك الحج، وأهمية وجود العلماء في طريق الحجاج لتقديم الفتوى والإرشاد.

تحذير من الفتوى العشوائية وتوضيح الرخص في الفقه الإسلامي

تحذير من الفتوى العشوائية وبيان الفرق بين الرخصة لفعل وقع والابتداء به، مع التركيز على أهمية طواف الحج كركن من أركان الحج.

أحكام طواف الوداع واستثناءات الحائض والنفساء والمريض

شرح أهمية طواف الوداع واستثناء الحائض والنفساء والمريض منه، مع توضيح أحكامه وتفاصيله.

تأخير طواف الحج مع طواف الوداع لضرورة أو مشقة

بيان حكم تأخير طواف الحج مع طواف الوداع في حالة الضرورة أو المشقة، وذكر آراء أهل العلم في هذه المسألة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة، مر معنا في الدرس الماضي ما ذكره الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتاب الدرر فيما يتعلق بذكر شيء من صفة الحج، من الوقوف بعرفة وما يتبعه من أحكام. قال رحمه الله تعالى: «ويستحب لمن يحج بالناس أن يخطبهم يوم النحر وفي وسط أيام التشريق». قوله رحمه الله تعالى: «ويستحب لمن يحج بالناس أن يخطبهم في يوم النحر»؛ لأن ذلك ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما أشار في شرحه. فقد جاء أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطبهم في يوم النحر، وهو يوم العاشر. وتحمل هذه الخطبة خطبة تعليم، ليست خطبة عبادة يتعبد لله عز وجل بها كخطبة عرفة أو خطبة العيد، وإنما لأن أعمال يوم العاشر كما قلنا أعمال كثيرة، وهي لمن لا يعلمها توجب إشكال واستفهام وأسئلة. ولهذا حصل من بعضهم أشياء، فسألوا كثيرا كما تقدم معناه، وأشار إليه رحمه الله تعالى في شرحه؛ فإنهم سألوا عن تقديم وتأخير بعض تلك الأعمال، كما جاء في الصحيحين في حديث عبد الله بن عمر أن رجلا أتاه يوم النحر وهو واقف عند الجمرة، والظاهر أن هذا هو موضع خطبة النبي عليه الصلاة والسلام، إذ وقف فعلم الناس شيء من الأحكام، فصار الناس يسألونه. وفي هذا استحباب بدو العلماء وطلبة العلم في المواضع التي يراهم الناس فيسألون عن دينهم ويعلمونهم أحكام شرعهم ومناسك حجهم. وجزى الله خيرا الجهات المسؤولة في تلك البلاد الطيبة المباركة إذ جعلت مجموعة من الدعاة والعلماء، وهكذا كذلك طلبة العلم في طريق الحجاج، كان من قبل جعل لهم المخيمات المعروفة للمشايخ يذهبون الناس ويسألون، وبعض المشايخ يطوف بالحجاج. وكان شيخنا محمد بن صالح رحمه الله في كل عام يبرز للناس بسيارة الإفتاء ومعه سائقه، ويبرز للناس في هذا يسأل، وهذا يستفتي، وهذا يخبر ونحو ذلك، فينفع الله عز وجل بهم. وازداد هذا الخير بفضل الله بإقامة هذه الأكشاك الحديثة، أكشاك الفتوى التي وزعت على مدى طريق الحجاج، فلا تكاد تجد في موضع من المواضع إلا وفيه كشك لعدد من الدعاة وطلبة العلم الأقوياء إن شاء الله. وهكذا كذلك بعض العلماء، وإن وقع خلل فهو لا بد منه، وهكذا كل خير قد يقع فيه تقصير، قد يقع فيه خلل، لكن لا يعني ذلك أننا ننسى هذا الواجب وهذا المقام وحاجة الناس لمثل هذا. ومرة أخرى معنا كذلك أنه منهم من سأل عن تقديم وتأخير في أعمال كثيرة، فما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء قدم أو أخر إلا قال: «افعل ولا حرج، افعل ولا حرج». وهذا كما قلنا لحاجة الناس للفتوى في ذلك اليوم. فإذن الخطبة خطبة تعليم، وخطبة بيان لأحكام مناسك الحج وأعمال يوم العاشر وما بعده مما يحتاجه الناس. ولا مانع أن يكون معها شيء مما ينتفع به الناس من الموعظة، كما ثبت في البخاري، كما أشار من حديث ابن عباس أنه قال: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا إلى يوم تلقون ربكم». الحديث، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فلا ترجعوا بعدي كفارا أن يضرب بعضكم رقاب بعض». الحديث، ما فيه كما أشار إليه في الشرح، وله طرق كثيرة. فالمقصود أن هذه الخطبة ليست خطبة تعبد يجتمع الناس لها فيظن أنها من مناسك الحج لا، ولكنها خطبة تعليم. ولذلك قد تتكرر في مواضع هي مثل مجلس العالم ووعظه للحجاج، مثل مجلس العالم ووعظه للحجاج، فقد يحتاج تكرارها في المخيمات. ففي هذا كذلك مشروعية وعظ الحجاج في المخيمات أن يوعظوا ويعلموا ويدكروا، وتبين لهم كثير من الأحكام التي يجهلونها ويحتاجون التنبيه عليها. وهكذا قوله: «في وسط أيام التشريق» معناه صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان بعض أطلق الطرق كما أشار هو نفسه فيها بعض الضعف. وأيضا ذكر المعلق ذلك، خصوصا الحديث الذي أشار إليه بالشرح حديث بسر بن سعد لخطبة الرسول عليه الصلاة والسلام يوم الرؤوس، فإنه كما أشار المعلق ضعفه العلامة الألباني رحمه الله. لكن معنى هذا ثابت كما أشير في الأحاديث، الإشارات في الأحاديث التي بعدها. والمقصود هو ما تقدم تعليم الناس شيء من الأحكام فيما يحتاجون إليه، سواء ما وقعوا فيه من خطأ وأن الخطأ معفو، أو ما يحتاجون من أخذ الرخص وأنه كذلك لا بأس بالرخصة مع شدة الزحام وعسر بعض الأعمال على بعض الناس، فلا بأس بهذه الرخص كما سمعنا بعض ذلك. وهنا شيء دقيق وملفت، أو شيء ينتبه له، ولفتة دقيقة ينبغي أن ينتبه لها، وهو أنه ينبغي لطالب العلم والعالم والداعي إلى الله أن ينبه العامة ألا يفتوا أنفسهم؛ لأن بعض الناس إذا سمع «افعل ولا حرج، افعل ولا حرج» صار يفتي نفسه. فكما مر معنا مثلا على سبيل المثال ما سئل عليه الصلاة والسلام عن شيء قدم أو أخر إلا قال: «افعل ولا حرج». فحديث عبد الله بن عمر: رجل قال: «حلقت قبل أن أذبح أو حلقت قبل أن أرمي»، قال: «افعل ولا حرج». هذا في شيء وقع، وليس معناه أن الإنسان يبتدئ ذلك، ليس معناه أن الإنسان يبتدئ ذلك. فرق بين أن يحلق الإنسان قبل أن يرمي، فهذا فعل لمحظور، يحلق قبل أن يرمي فعل لمحظور قبل أن يتحلل. وقد مر معنا في حديث ابن عباس أنه حل له كل شيء إلا النساء، ومعناه أنه لا يحل له أن يفعل شيء قبل أن يرمي. ومع ذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام للرجل: «افعل ولا حرج، افعل ولا حرج»؛ لأنه شيء قد وقع، فلا يصح أن الإنسان يفتي نفسه فيقول: قال «افعل ولا حرج» إلا سأحلق وهو أيسر علي قبل أن أرمي، كما وقع لبعض الحجاج وحصل جدال بين بعض أشباه العوام من عنده شيء من طلب العلم، لكن ليس عنده فقه في مناسك الحج، فربما صار يفتي نفسه ويفتي غيره. إذ وصلوا مثلا إلى منى متعبين الساعة الحادي عشر مثلا مع شدة الزحام، فقال: «افعل ولا حرج»، سئل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: «افعل ولا حرج» عن رجل حلق قبل أن يرمي أو قبل أن يذبح، فإذن لا بأس أن أقدم الحلق قبل الرمي. وهذه فتوى غير صحيحة، هذا فيما إذا وقع، وأما إذا أردت أن تنشئ هذا الحكم فلا يختلف هذا الأمر. ثم قال رحمه الله تعالى: «نعم، قال: ويطوف الحاج طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة يوم النحر». وقد مر معنا أن طواف الحج ركن من أركان الحج، طواف الحج ركن من أركان الحج، فيجب على الحاج قارنا كان أو مفردا أو متمتعا أن يطوف طواف الحج لقول الله جل وعلا: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، ولأمر النبي عليه الصلاة والسلام، ولحديث ابن عباس الذي تقدم «إلا النساء» يعني لا يحل للجميع حتى متى حتى يطوف، هذا معنى حديث ابن عباس، مفهومه فعلم أن الجميع يلزمهم طواف الحج، الجميع يلزمهم طواف الحج، من طاف قبل ذلك طواف القدوم أو طواف العمرة، أو من لم يطف قبل ذلك طواف القدوم أو طواف العمرة، الكل سواء. فالجميع يلزمهم طواف الحج، وهذا هو ظاهر الأدلة من الكتاب والسنة بما لا شك فيه. وهكذا كذلك مر معنا فيما تقدم أن السعي يذكر مع الطواف، فبالنسبة للمتمتع فإنه يسعى، وبالنسبة للقارن والمفرد فإنه إن كان قد سعى قبل ذلك فإنه لا يسعى بعد ذلك، وتقدم الكلام عليه في أوائل هذا المبحث أو هذا الفصل. وأشار في الشرح إلى حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصل الظهر يوم النحر بمنى. وقد اختلف أهل العلم هل صلى النبي عليه الصلاة والسلام الظهر في منى أم صلاها في مكة؟ فقد روى بعض الصحابة هذا، وروى بعض الصحابة هذا. والصحيح الذي تجتمع به الأدلة أنه عليه الصلاة والسلام صلى الظهر مرتين، صلاها في مكة ثم لما وصل منى وجدهم ينتظرونه للصلاة، فصل بهم مرة أخرى عليه الصلاة والسلام. وفيه استحباب الطواف قبل الزوال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله، إن لم يكن به مشقة فهذا هو الأفضل. فإن كان به مشقة فكما قلنا من أصول الحج دفع المشقة ورفع الحرج وإيقاع التيسير بما لا يخالف الشرع، فهذا هو الأصل. فإن كان شيء يخالف الشرع فلا، وإن كان لا حرج ولا يخالف الشرع فلا بأس بالتيسير في هذا الباب. فإن مثلًا ما استطاع أن يطوف قبل الزوال، بعده بل لم يستطع لا قبله ولا بعده، فلم يستطع بالنهار فليطف ولو بالليل، فليطف ولو بالليل. ومر معنا أنه لم يصح الحديث المذكور الذي سبقت الإشارة إليه في أن من لم يطف فإنه يعود محرما، وأن ذاك الحديث حديث معل عند أهل العلم. وهكذا كذلك هذا الطواف كما مر معنا أنه يفترق عن طواف القدوم، فلا يشترط له إحرام، وهكذا كذلك ليس فيه اضطباع من باب أولى، وهكذا كذلك ليس فيه رمل على ما ثبتت به الأدلة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فإنما ذلك في طواف القدوم فقط، إنما ذلك في طواف القدوم. ثم قال رحمه الله: «فإذا فرغ من أعمال الحج طواف الوداع، إذا انتهى من أعمال الحج طواف طواف الوداع». وطواف الوداع هو أن يجعل آخر عهده بالبيت الطواف، يعني لا يخرج من مكة إلا ويجعل آخر عهده بمكة البيت، حتى يكون بذلك تعظيما لهذا البيت التعظيم الشرعي الذي أحبه الله وفعله رسوله صلى الله عليه وسلم. فقد صح عنه عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عباس في صحيح مسلم أن الناس كانوا ينصرفون من كل وجه، ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه وأمرهم أن لا ينفر أحد منهم حتى يكون آخر عهده بالبيت، أي الطواف. وجاء في رواية عن عبد الله بن عباس قال: «إلا أنه خفف عن المرأة الحائض». ويدل عليه ما تقدم من قوله النبي عليه الصلاة والسلام: «فلتنفر إذن»، حين علم أنها قد طافت طواف الحج، وأن المقصود طواف الوداع، فأمرها أن تنفر ولو كانت لم تطف طواف الوداع، فهذا يدل أن الجميع عليه طواف الوداع إلا الحائض والنفساء ومن كان بمعنى هؤلاء ممن يتعذر عليه الطواف. وهل يلحق به المريض في هذا خلاف بين أهل العلم، ورجح بعض أهل العلم أنه يلحق به المريض إن كان في تأخره مشقة عليه، وخصوصا إذا كانت رفقته تسافر، وكان في خروجه اليسر والأصلح له، فإذا يخفف عنه كذلك، فهي رخصة لكل من لا يستطيع ذلك. وهكذا كذلك مما ينبني عليه أن لا يعارض طواف الوداع إذا أدركته الصلاة في الطريق أن يصلي ولو في مكة، ليس معناه أنه لا يصلي إلا خارج مكة لا، قد يكون في الصلاة خارج مكة مشقة، أو كذلك نسي شيء لا بد منه، فلا يحرم عليه أن يأخذ ما يحتاجه في طريقه من شراء شيء أو تناول شيء أو نحو ذلك. لكن ليحرص كل الحرص وأتم الحرص على أن يكون آخر عهده قبل نفرته هو البيت، يعني ينتهي من أغراضه كلها جميعا، فإذا انتهى من جميع الأغراض فإنه يخرج وينفر بعد طوافه بالبيت. ومر معنا كذلك في مجالس في غير هذا المجلس أنه ربما احتاج كذلك بعض الناس لضرورة أو لغيرها تأخير طواف الحج مع طواف الوداع، وقلنا أن هذا إذا كان لمشقة لا بد منها فإنه لا حرج في ذلك، وادفت بذلك عدد من أهل العلم، وإن كان على وجه التساهل فهو خلاف الأفضل والأكمل والأحوط الذي فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.