كتاب الحج 14

كتاب الحج 14

الدرس في كتاب الحج 14، فصل في بيان مناسك الحج. ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام رمي الجمرات وتوقيته

يشرح هذا الفصل أحكام رمي الجمرات في الحج، خاصة جمرة العقبة، ويبين توقيت الرمي وعدد الحصيات والتكبير مع كل حصاة. كما يوضح الرخصة للضعفة من النساء والصبيان في الرمي قبل طلوع الشمس.

رمي جمرة العقبة والتحلل الأول

يتناول هذا الفصل تفاصيل رمي جمرة العقبة والتحلل الأول، ويشرح الرخصة في رمي الضعفاء أولاً ثم يتبعهم الأقوياء. كما يبين التحلل الأول الذي يحصل برمي جمرة العقبة والحلق أو التقصير.

تفاصيل المبيت ورمي الجمرات في أيام التشريق

يشرح هذا الفصل تفاصيل المبيت في منى ورمي الجمرات خلال أيام التشريق، ويبين أن المبيت يكون أكثر من نصف الليل مع استحباب البقاء أكثر الليل. كما يوضح كيفية رمي الجمرات الثلاث بسبع حصيات لكل جمرة بعد الزوال.

ختام مناسك يوم النحر والعودة إلى مكة

يناقش هذا الفصل ختام مناسك يوم النحر، حيث يرمي الحاج الجمرة الكبرى يوم الثالث عشر، ثم يعود إلى مكة. يشير إلى أن هناك تفاصيل أخرى ستذكر في الدرس القادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: ورحمه الله تعالى، ثم يدفع حتى يأتي بطن محسر، ثم يسلك الطريق الوسطى إلى الجمرة التي عند الشجرة. والطريق الوسطى هي الطريق المؤدية إلى الجمرات من جهة وسط مِنى، وهو كما قال بعض مشايخنا طريق المشاة المضلل في زماننا هذا، فإنه أقرب طريق وأيسر طريق للوصول إلى الجمرات. وقد جعل في زماننا هذا ممرًا خاصًا للمشاة، وعليه تضليل من مسافات طويلة حتى يصل الماشي إلى موضع الجمرات. وقوله: «عند الشجرة»، كانت شجرة عند الجمرة الكبرى، وكان بجانب الجمرة الكبرى جبل، وكانت تعرف الجمرة الكبرى لذاك الجبل وبتلك الشجرة. ولا وجود للشجرة في زماننا هذا ولا للجبل، فقد سويت الأرض وأزيح ما حول الجمرات من جبال حتى صارت أرضًا مستوية من جميع جهات الجمرات الثلاث. والمقصود أن الحاج يسير إلى الجمرات من الطريق المفتوح، فيرميها. قال: «التي عند الشجرة»، وهي جمرة العقبة، وهي التي تسمى بالجمرة الكبرى، وهي آخر الجمرات التي يأتيها الحاج وهو داخل من جهة مزدلفة. فتأتيه الجمرة الصغرى لا يرميها، ثم تأتيه الجمرة الوسطى لا يرميها، ثم تأتيه الجمرة الكبرى وهي جمرة العقبة. وسميت العقبة؛ لأنها كانت في مكان مرتفع بالنسبة للآتي من مكة، فإن الذي يأتي من مكة لا يزال في الصعود حتى يصل إليها، ولهذا سميت جمرة العقبة. فهي بالنسبة لمن يأتي من مكة أول الجمرات، وبالنسبة لمن يأتي من مزدلفة آخر الجمرات. قال: «وهي جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة». وقوله: «فيرميها بسبع حصيات»، ولا يرمي غيرها في يوم العاشر، لا يرمي الحاج إلا الجمرة الكبرى، وهي المسماة بجمرة العقبة. هكذا علم النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، وأمر من يأخذ المناسك عنه. ويكبر مع كل حصاة، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث، وصح عن جماعة من الصحابة. وانتبه إلى أن الحصيات ترمى منفردات، فلا ترمى دفعة واحدة كما يفعله بعض المتعجلين الجاهلين لأحكام الحج. بل ترمى بسبع حصيات. ومن أحكام الرمي -وسيأتي إن شاء الله معنا شيء من التفصيل- الذي ينتبه له أن المقصود بالرمي ليس هو إصابة الشاخص، وهو العمود الموضوع داخل الحوض. ولكن المقصود سقوط الحصاة داخل الحوض، المقصود سقوط الحصاة داخل الحوض سواء ضربت بالشاخص أو لم تضرب بالشاخص. وإنما جعل الشاخص -وهو العمود الذي بداخل الحوض- علامة للرمي أن يرمي إليها حتى تقع الحصاة داخل الحوض، هذا المقصود. فمن رمى بحصاة ولم تدخل في الحوض، فعليه إعادة الرمي. ومن رمى بحصاة ودخلت الحوض ولم تصب الشاخص، فليس عليه شيء، ورميه صحيح. قال رحمه الله تعالى: «يكبر مع كل حصاة، ولا يرميها إلا بعد طلوع الشمس إلا النساء والصبيان، فيجوز لهم قبل ذلك». وأما كون الحاج لا يرميها بعد طلوع الشمس؛ لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عباس، وحسنه جماعة من أهل العلم منهم الحافظ ابن حجر والشيخ العلامة الألباني رحمه الله، أنهم أمروا أن لا يرموا جمرة العقبة يوم العاشر إلا بعد طلوع الشمس. هكذا أمرهم النبي عليه الصلاة والسلام. ورخص النبي عليه الصلاة والسلام -كما سبق في حديث ابن عباس- وهكذا جاء عن أسماء وعن جماعة من الصحابة، رخص لعدد من الضعفة من النساء ونحوهم، ومن كان في رفقتهم أن ينطلقوا من مزدلفة بعد منتصف الليل. فالرخصة في الانطلاق من مزدلفة بعد منتصف الليل ثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام. ثم اختلف أهل العلم: هل إذا انطلقوا -يعني أنهم يرمون قبل طلوع الشمس- أم أنهم يذهبوا ولا يرمون؟ على ثلاثة أقوال. فمن أهل العلم من قال: من ذهب ممن رخص له يجوز له أن يرمي قبل طلوع الشمس. ومنهم من قال: لا يجوز لهم أن يرموا إلا بعد طلوع الشمس. ومنهم من قال: يرمي بعد الفجر ولو لم تطلع الشمس. والذي يظهر من الأدلة -والله تعالى أعلم- الترخيص يقتضي جواز الرمي. وهذا الذي فهمه الصحابة وعملوا به. في الصحيحين من حديث أسماء رضي الله تعالى عنها: أنها رمت قبل أن تطلع الشمس، فسئلت في ذلك، فأخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لها وللضعفة أن ينطلقوا قبل الفجر، واستدلت بهذا الترخيص على جواز الرمي قبل طلوع الشمس. وهذا له وجه؛ لأن الأمر بالرخصة يدل على جواز ما بعده. ولو كان ما بعده منهيًا عنه لبينه النبي عليه الصلاة والسلام؛ إذ لا ينطلق أحد من مزدلفة إلا ويرمي. فلذلك قال بعض أهل العلم: عدم البيان وقت الحاجة في هذا الموضع ممتنع. والأصل أنه رخص لهم، والرخصة تتناول عدم المبيت وتتناول كذلك الرمي. وهكذا أثر ذلك عن جماعة من الصحابة. فكما أن النبي عليه الصلاة والسلام رخص لأسماء، وثبت أنه رخص لسودة، ورخص لأم حبيبة، ورخص لجماعة منهم ابن عباس -كان في رفقة بعض النساء والضعفة- فكذلك لم ينقل عن أحد من هؤلاء جميعًا أنه منعهم من الرمي حتى تطلع الشمس. فدل على أن الأمر باقٍ على الرخصة، وهو جواز الرمي. وإن احتاط إنسان فرمى بعد طلوع الشمس فله ذلك، لكن لا يحرم على الناس ولا يمنع الناس من الرمي، خصوصًا أننا كما قلنا إذا تأملنا أكثر أحكام الحج نجد أن فيها الرخصة عند المشقة، وانتظار الضعفة. وانتظار الضعفة أن يرموا حتى تطلع الشمس لم يستفيدوا من الرخصة؛ لأنهم لو انتظروا حتى تطلع الشمس جاءت زحمة الناس. الناس سيخرجون من مزدلفة، منهم من يخرج قبل الفجر، ومنهم بعد الفجر، ومنهم من يخرج على السنة بعد أن يسفر جدًا. فمن خرج بعد أن يسفر جدًا، لو أسرع وهو راكب ما يكاد تطلع الشمس إلا وهو عند المرمى. فإذا ماذا استفاد الضعفة من تقدمهم؟ ما استفادوا شيئًا. والمقصود من تقدمهم هو أن يستفيدوا الرخصة في الفرار من زحمة الناس، الفرار من زحمة الناس. كما قالت سودة رضي الله تعالى عنها: أنها استأذنت النبي عليه الصلاة والسلام -وكانت امرأة كبيرة ثقيلة ثبطة- يعني يثقلها سنها وكبر جسمها- على أن تتحمل زحمة الناس، على أن تتحمل زحمة الناس. فإذا علم أن المقصود من الترخيص ليس الترخيص في عدم المبيت فحسب، بل الصحيح أنه الترخيص في عدم المبيت وكذلك في الرمي ولو قبل الفجر على القول الصحيح. وهذا خاص للضعفة؛ لأن الاستثناء معيار العموم. فما دام أن الرخصة جعلت للضعفة، فإذا هو للضعفة. والقوي إذا استطاع أن يرمي بعد ذلك فهذا الواجب عليه والأحوط. وإن كان لا يستطيع لكون من معه من رفقته يحتاجون إلى ملازمة مستمرة -كبعض من يصاحب الضعاف من كبار السن ونحوهم- إذن يرمي معهم حيث يرمون، ويترخص برخصتهم، خصوصًا إذا كان لهم مركب واحد -يعني سيارة واحدة- ينتقلون بها ويذهبون بها من مكان إلى آخر. وممن أفتى بذلك شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى: أن يترخص أهل المركوب الواحد والملازمون من الأقوياء للضعفة إذا كان رميهم وحدهم يشق عليهم ويضر برفقتهم، فإنه يجوز لهم أن يرموا معهم، ويترخصوا برخصتهم. وكذلك ربما يستأنس لهذا بقاعدة: «يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا». فالقوي حكمه حكم الضعيف بالتبع. أما بالاستقلال لو كان وحده ما جاز له أن يرمي، لكن لما كان تبعًا للضعفة فإنه يرمي مع الضعفة. يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. قال رحمه الله تعالى: «إلا النساء والصبيان، فيجوز لهم قبل ذلك». وذكر النساء -كما قلنا- من النساء التي ذكرنا، وذكرت الرخصة لهن على وجه التنصيص: أسماء، وأم حبيبة، وهكذا سودة، وجماعة. ومن الصبيان: عبد الله بن عباس -فيما نقل-. قال رحمه الله: «فيجوز لهم قبل ذلك، ويحلق رأسه أو يقصره، فيحل له كل شيء». للنساء إذا رمى جمرة العقبة حل له كل شيء. وكما أشار في الشرح إلى حديث ابن عباس، وجاء معناه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص -أو جعل- من رمى جمرة العقبة: أن ذلك حل له، أي هو التحلل الأول. وذلك ما جاء من قوله عليه الصلاة والسلام، ومن فعله. فمن قوله: في حديث ابن عباس المشار إليه: «أن من رمى جمرة العقبة حل له كل شيء إلا النساء». وهذا المسمى بالتحلل الأول. وهذا يسمى التحلل الأول؛ لأن النساء لم يحل بعد، ولا يتحلل لهن النساء حتى يرمي حتى يطوف بالبيت طواف الحج. وأما من فعله: حديث عائشة -فيما رواه الإمام أحمد وغيره-: أنها طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بدريرة كانت معها، عند إحرامه وعند أن رمى جمرة العقبة. فدل ذلك أن تحلله عليه الصلاة والسلام كان برمي جمرة العقبة. وهذا هو الصحيح. فقول من يقول: إنه لا يتم التحلل إلا بفعل اثنين من ثلاثة، فهذا لا دليل عليه. وقد ورد فيه حديث، لكنه ليس بصحيح، بل حديث ضعيف عند المحققين من أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: «ويحلق رأسه أو يقصره، فيحل له كل شيء». أو يقصره. وقول: «يحلق أو يقصر» قدم الحلق؛ لأن الحلق أفضل. وقد دعا النبي عليه الصلاة والسلام للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة. في الثالثة قالوا: «والمقصرين يا رسول الله». وهو لا يزال يقول: «رحم الله المحلقين». وهم يقولون: «والمقصرين». حتى قال في الثالثة: «والمقصرين». بعد أن قال: «المحلقين» ثلاث مرات. والمرأة -كما مر معنا- لا تحلق، وتقصر قدر أنملة أو أنملتين. قال: «ومن حلق أو ذبح أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج». للأدلة التي أشار إليها رحمه الله في الشرح. ما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن شيء قدم أو أخر، إلا قال: «افعل ولا حرج، افعل ولا حرج». فمن حلق أو ذبح أو أفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج. قوله: «من حلق» الحلق في الحقيقة هو تحلل، ولا يتصور أن حاج يحلق قبل أن يحصل منه عمل من أعمال الحج، خصوصًا الرمي. لكن لو قدر أن ذلك حصل، فحصول ذلك في الحقيقة على وجه الخطأ، حصوله على وجه الخطأ فيعفى ويعدر؛ لأجل الخطأ. وإلا فالأصل أن الرمي هو العمل الذي يكون به التحلل. فإذا قدم الذبح على الرمي، أو قدم الطواف على الرمي فلا بأس. وفي هذا رخصة، فسحة. وهنا تأتي مسألة: هل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «افعل ولا حرج» لمن وقع منه؟ أو هو فيه دليل لمن يريد أن يقع فيه؟ وفرق بين المسألتين. لو أن الإنسان أخطأ: «لا حرج» هذا لا إشكال فيه، قدم أو أخر. لكن هنا السؤال: لو أن إنسان يريد أن يتعمد التقديم أو التأخير، هل في هذا حرج؟ الجواب: إذا كان تقديم وتأخير بعض هذه الأعمال فيه دفع مشقة، فلا بأس في ذلك؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «افعل ولا حرج»، يعني لا حرج في الحج بما حصل من تقديم وتأخير. وأن الحرج مطلوب دفعه في أعمال الحج. ولهذا أفتى غير واحد من أهل العلم بجواز تقديم وتأخير بعض هذه الأعمال. طبعًا باستثناء الحلق؛ لأنه تحلل. تقديم أو تأخير بعض هذه الأعمال إذا كان في ذلك مصلحة. وممن أفتى بذلك شيخنا محمد بن صالح ابن عثيمين رحمه الله. فقد استأذنه بعض القائمين على الحملات: في أنهم ربما يرون أن المصرحة لبعض من معهم أن يتقدموا بالطواف قبل الرمي -قبل أن تأتي زحمة الناس- هل يجوز ذلك؟ قال: نعم، يجوز، لا بأس. ولو كان على وجه العمد، ليس على وجه الخطأ. يعني: الناس يخرجون من مزدلفة إلى منى ليرموا، فيخرج طائفة من الناس ليس إلى مزدلفة، وإنما إلى مكة مباشرة ليطوفوا قبل أن يرموا، هل يجوز هذا؟ الجواب: نعم، يجوز، أخذًا بهذه الرخصة. وهكذا لو أن طائفة تقدمت للذبح قبل الطواف وقبل الرمي، يجوز ذلك. فالمهم: إذا كان في تقديم أو تأخير بعض هذه الأعمال الثلاثة -الذبح أو الطواف أو الرمي- فيه تخفيف المشقة، فهذا مطلوب، وهو كذلك رخصة، فلا بأس في ذلك، خصوصًا مع كثرة الناس وزحامتهم في هذا الزمان. فإن تفريق الناس على الوجه الذي تدفع عنهم المضرة والمشقة مطلب شرعي، دلت عليه عمومات كثيرة. قال رحمه الله: «ومن حلق أو ذبح وفاض إلى البيت قبل أن يرمي فلا حرج». قلنا: للأدلة الكثيرة التي أشار إليها بالشرح. ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق. يعني: بعد أن يطوف يرجع إلى منى، فمبيته لا بد أن يكون في منى. وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لأهل الأعذار أن لا يبيتوا في منى، فدل على أن المبيت في منى واجب. فالرخصة لا تكون إلا من عزيمة. الرخصة لا تكون إلا من عزيمة. فدل أن المبيت بمنى واجب. وما هو حد هذا الواجب في المبيت؟ قال العلماء: أكثر الليل. إذا كان الليل عشر ساعات، فليكن المبيت على أقل تقدير أكثر من خمس ساعات. يعني: ما بين أذان المغرب إلى أذان الفجر، إذا كان عشر ساعات، فليكن مبيته بمنى أكثر من خمس ساعات، هذا هو أدنى حد. وإن فعل الأكثر فهو الأفضل والأحوط. وهل يلزم من المبيت النوم؟ الجواب: لا، ما يلزم من المبيت النوم. المقصود هو حصول البقاء في منى. فإن نام فهو حسن، وإن لم ينم -كما يحصل لبعض الناس لمشقة ولزحمة السكنة في منى ونحو ذلك من أمور أخرى- فلا بأس أن يبقى بغير نوم، لا بأس. على أنه ينبغي أن لا يضر أحدًا بالاعتداء على الناس في طرقهم، كما يفعل بعض الناس ببسطهم في طرقات الناس، فهذا لا يجوز؛ لأنه من الاعتداء. وهكذا كذلك ينبغي عليه أن يحرص على البقاء أكثر الليل ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ لأنه رخص في عدم المبيت. والمبيت يطلق على كل الليل. قال رحمه الله تعالى: «فيبيت بها ليالي التشريق». وليالي التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، يعني: يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. هذه ثلاثة أيام هي أيام التشريق. فليلة الحادي عشر هي التي قبلها، وهكذا ليلة الثاني عشر، وليلة الثالث عشر. فإذا جاء صباح الثالث عشر، فإنه سينتظر حتى تزول الشمس، ثم يرمي الجمرات الثلاث، ثم ينطلق. فليس بعد رمي يوم الثالث عشر مبيت، وإنما المبيت قبل ذلك. وسميت هذه أيام أيام التشريق؛ لأن الناس يشقون فيها اللحم. كما سمي يوم النحر بيوم النحر؛ لأن الناس ينشغلون فيه بالنحر في ذلك اليوم، وهو يوم العاشر. قال: «ويرمي في كل يوم». وقد مر معنا قبل قليل أنه رخص لأهل الأعذار ألا يبيتوا -كالذين يرعون ويقومون بالحفاظ على البهائم- فرخص للرعاة، ورخص للسقاة ألا يبيتوا. رخص لهم، ورخص لهم أن يجمعوا رمي يومين في يوم. رخص لهم ذلك. فمن كان من أهل الأعذار من أمثال هؤلاء يرخص لهم كذلك، وأمثالهم -مثل بعض من يعمل بجهات السلامة والأمن للحجاج- أو كذلك من يقوم بشؤون تدبير الحجاج، فهؤلاء بمثابة الرعاة والسقاة، بمثابة الرعاة والسقاة. يرخص لهم في عدم المبيت؛ لأنهم يقومون بأعمال، فهذه الأعمال ترخص لهم مثل هذا العمل. وهكذا كذلك مسألة الرمي: يجوز أن يجمع رمي يومين في يوم. قال رحمه الله تعالى: «ثم يرجع إلى منى فيبيت بها ليالي التشريق، ويرمي في كل يوم من أيام التشريق الجمرات الثلاث بسبع حصيات، مبتدئًا بالجمرة الدنيا ثم الوسطى ثم الجمرة العقبة». أو جمرة العقبة. أيام التشريق -كما علمنا- الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر. وهذه أيام ثلاثة يرمي الحاج فيها في كل يوم منها ثلاث جمرات: الصغرى والوسطى والكبرى. الصغرى: وهي التي تسمى الدنيا؛ لأنها أقرب إلى الحجاج، فهي أقرب إلى مساكن الحجاج في منى. والوسطى؛ لأنها تقع بين الصغرى والكبرى. والكبرى: وهي التي تسمى العقبة؛ لأن فيها العقبة، ولأنها أكبر الجمار الثلاث. سميت كذلك. يرمي الحاج هذه الثلاث، يبدأ بالصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، ويرمي كل واحد منها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة. ويسمي في أول الرمي؛ لعموم الأدلة في استحباب التسمية في الأعمال. فإذا رمى كل واحد بسبع، فإنه انتهى من الرمي ذاك اليوم. ووقت رمي هذه الجمرات الثلاث بعد الزوال، يرميها بعد الزوال إلى قبل غروب الشمس، هذا هو وقت الاختيار. ووقت الاضطرار والرخصة للضعفة ولمن يجد الحرج أن يرمي بعد غروب الشمس. فمثلًا يوجد نساء ما تستطيع أن تذهب مع زحمة الناس، تريد الرخصة. أو ضعفة ما يستطيع أن يرمي مع زحمة الناس، إذن يرمي في الليل ولو في منتصف الليل، رخصة يرمي ولو في منتصف الليل. والقوي يرمي من بعد الزوال إلى ما قبل غروب الشمس، يحرص على ذلك، هذه السنة. ويستحب في هذا الرمي أن يدعو عند الجمرة الصغرى والجمرة الوسطى. فالجمرة الصغرى يرميها وهو متوجه إلى جهة مكة، هذا هو المستحب لفعل النبي عليه الصلاة والسلام. يعني: مثلًا هذا العمود الأول هي الجمرة الصغرى، والذي بعده الوسطى، والذي بعده الكبرى. يأتي الحاج من جهة منى من هذه الجهة، فيستحب أن يرمي من هذه الجهة، ثم ينطلق يمينًا ويتقدم قليلًا. فإذا تقدم تصير الجمرة الصغرى خلفه وعن يساره، وهو يمينها وأمامها. فيدعو الله عز وجل قويًا، كما صحت به الأحاديث. وقد كان عبد الله بن عمر يطيل في الدعاء جدًا حتى يمل من كان معه. فإذا دعا توجه إلى الوسطى، ويحرص في وقوفه للدعاء ألا يقف في طريق الذين يمرون لرمي الجمرات، يقف في الأطراف. ثم يرمي الوسطى بسبع حصيات، ويرميها من يسارها، ويتوجه إلى جهة الشمال في شمالها، فتكون الجمرة الوسطى خلفه وعن يمينه، وهو أمامها وعن يسارها. ويجعل الله طويلًا. ثم ينطلق بعد هذا الدعاء ليرمي الجمرة الكبرى بسبع حصيات. فإذا رماها فليس عندها دعاء، الجمرة الكبرى ليس عندها دعاء. وهكذا يفعل في يوم الثاني عشر، وهكذا يفعل في يوم الثالث عشر. ويجوز للإنسان أن يتعجل إذا كان عنده عذر أو وجد مشقة وحرج، فلا حرج عليه أن يتعجل في يومين، على أن يكون خروجه قبل غروب الشمس، قبل غروب شمس يوم الثاني عشر؛ لقول الله عز وجل: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. قال النووي رحمه الله -وغير واحد من أهل العلم-: قوله سبحانه: «في يومين» دل على أن المتعجل ينبغي عليه أن يخرج قبل غروب الشمس؛ لأن اليوم يطلق على النهار، من بعد الفجر إلى ما قبل الغروب. فالذي يريد أن يتعجل في يومين: يرمي الجمار في يوم التشريق الأول -الحادي عشر- يرمي ثلاث جمار، ثم يبيت، ويرمي يوم الثاني عشر الجمار الثلاث. وبعد أن يرميها يخرج، يخرج من منى. فإذا منعه الزحام من الخروج -وقد رمى- كان رميه قبل الغروب، ومنعه الزحام من الخروج قبل الغروب فلا بأس؛ لأنه قد رمى قبل الغروب. قال سبحانه: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وقد رمى. وأما إذا لم يرمي قبل الغروب، وأراد أن يرمي بعد الغروب ويخرج؛ فالصحيح أنه لا يجزئه، لا يجزئه إلا أن يبقى ويبيت، هذا هو الصحيح. وينبغي أن نعلم أن الإنسان ينبغي أن يرفق بنفسه. بعض الناس يريد التعجل فيتعجل إلى الموت، بشدة إدخال نفسه في الهلكة. وأكثر هلاك الناس: الرمي يكون في يوم الثاني عشر، يوم التعجل يتعجلون بأعمارهم، يرمون أنفسهم رميًا في ذلك اليوم، يريدون أن يتعجلوا ويخرجوا. وعند ذلك يحصل الهلاك لأكثر الناس. فالمهم: ينبغي للإنسان أن ينتبه لمثل هذه المسائل، ويفعل ما هو أيسر. ومن لم يتعجل قعد يوم الثالث عشر ورمى. فإذا رمى يوم الثالث عشر فإنه ينطلق، وعد ذلك إلى مكة. وتكون باقي الأعمال التي يتم ذكرها -إن شاء الله- في الدرس اللاحق. وإلى هنا والله تعالى أعلم.